اللبناني رفيق على: الحاجة إلي المسرح ملحة الآن.. أكثر من أي وقت مضي
بمناسبة اليوم العربي للمسرح:
عالمنا يتعرض لعملية تدمير ممنهجة.. والأرض أصبحت سوبر ماركت هائلا
قال المسرحي اللبناني رفيق علي احمد، الذي اختارته الهيئة العربية للمسرح لكتابة وإلقاء كلمة اليوم العربي للمسرح الذي يصادف اليوم العاشر من يناير: إن اليوم وأكثر من أي وقت مضي تبدو الحاجة ماسة إلي المسرح، ففي زمن التواصل "اللا إنساني" الذي فرضته التكنولوجيا الحديثة، يغدو المسرح مكان اللقاء الإنساني بامتياز، سواء من حيث التفاعل بين العاملين فيه، أو بينهم وبين الجمهور، أو بين الجمهور نفسه حين يخرج من الصالة مزدحماً بالأفكار والأسئلة، وهل أجمل من حرارة التواصل المباشر بين البشر الذين جعلهم الله شعوباً وقبائل ليتعارفوا، أي ليتلاقوا ويتحاورا ويتناقشوا في كل ما يخص حياتهم المشتركة؟
أضاف، أنه وفي زمني جعلته القوي المُهيمِنة زمنَ صراعِ الحضارات، تغدو تلك الحاجة "إلي المسرح" ملحة أكثر، لأن عالمنا يتعرض إلي عملية تدمير ممنهجة من خلال فرض ثقافة وحيدة سائدة تحت شعار عولمة متوحشة، جعلت الكوكب كله بمثابة "سوبر ماركت" هائلاً، والإنسان مجردَ زبون تقاس قيمته بقوته الشرائية لا بقوته الفكرية والإبداعية، وفي ظلّ هذا الواقع الذي تَسَلَّعَ فيه كلُّ شيء، يقف المسرح المنفتح على الفنون جميعها، والقادر على الاستفادة من العلوم جميعها، يقف في خط المواجهة الأمامي، لأنه لا يستطيع أبداً التخلي عن القيم الإنسانية الفكرية والروحية والمعنوية التي تشكّل جوهر وجوده وسرّ استمراره عبر الزمن.
وقال، ولئن كانت العولمة في معناها الحقيقي لا كما هي سائدة اليوم، تعني انفتاح العالم على بعضه بعضاً، وتفاعل البشر في ما بينهم، وتلاقح الثقافات والأفكار، فإن المسرح يمثل المختبر الأهم لهذا التفاعل بين الأفراد والجماعات، وبين الشعوب على تنوعها واختلافها، وفي معزل عن قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بما يحفظ ثرواتها الفكرية والمادية والتراثية، ويشكّل مكان تعارف والتقاء لأجل سلام البشرية القائم على حقّ كل شعب بحفظ أرضه وإنسانه وثقافته وكل ما يميزه عن سواه.
ففي ظلّ تعثر الحوار أو انعدامه بين الأنظمة السياسية والحكومات يبرز دور المفكرين والأدباء والفنانين في تقريب وجهات النظر بين الشعوب والحضارات، وهنا يتجدد الرهان على كون المسرح هو النموذج الأمثل لهذا الحوار انطلاقا من جوهر المسرح نفسه القائم على الحوار بين الممثلين أنفسهم، وبينهم وبين الجمهور، وقبل ذلك بين المؤلف ونصه والمخرج وعرضه، فاللعبة المسرحية برمّتها ما هي إلا عبارة عن حوار متعدد الأشكال والاتجاهات، ودائماً في سبيل الإنسان وحقه في حياة أفضل.
المسرح في العالم كله يعيش أزمة حادة
نجدد رهاننا على المسرح ودوره ومعناه، ونحن ندرك أن المسرح في العالم كله يعيش أزمة حادة، وهي أزمة تتضاعف في حالة المسرح العربي لأنها تأتي ضمن أزمات أعمّ وأشمل في السياسة والاقتصاد والاجتماع، لكن في معزل عن واقع الحال العربي فإن السؤال الدائم الذي نطرحه: متي لم يكن المسرح العربي في أزمة؟
جواباً على هذا السؤال أسمح لنفسي بأن أستعيد التوصيات التي صدرت منذ أكثر من أربعين عاماً عن أول مهرجان مسرحي شاركت فيه في دمشق، وكانت تشدد على تفعيل العمل المسرحي العربي وتطويره على صعيدي الشكل والمضمون مؤكدة على وجوب البحث عن السبل والأساليب لتمتين العلاقة العضوية بين العمل المسرحي والجمهور، من يومها حتي الآن لا شيء تغير، الأزمة نفسها، النقاشات نفسها، التوصيات نفسها وواقع الحال نفسه!.
غياب مؤسف للجمهور
أسباب كثيرة أدت إلي ابتعاد الناس عن المسرح، منها ما يتعلّق بالواقع العام، ومنها ما يخصّ أهل المسرح وصنّاعه، وإذا كانت الأعمال المسرحية مرآة المجتمع فأبناء مجتمعاتنا لا يرون أنفسهم ولا واقعهم في هذه الأعمال، ومن أهم أسباب هذه الغربة هو "التغريب" الذي وقع فيه كثيرون منّا، إذ أن تقليد الأساليب الغربية من قبل بعض المسرحيين تطلعاً "للعالمية" وطمعاً بالجوائز، بات موضة ودليلاً على الحداثة و"العصرنة"، وللأسف فإن الكثير من المهرجانات المسرحية العربية تساهم في تشجيع هذه الظاهرة حيث تمتلئ القاعات بالمسرحيين المشاركين بأعمال يسمونها "نخبوية" في ظل غياب مؤسف للجمهور الذي من أجله وجد المسرح، بل إن بعض "المسرحيين" يذهب في تنظيره الغريب المجحف إلي حد القول إن الجمهور ضد المسرح والمسرح ضد الجمهور!.
شحّ الميزانية ونقص الإمكانيات
ولا يسعني في اليوم العربي للمسرح سوي التساؤل عن أسباب استمرار غياب التربية الفنية والمسرحية عن مناهجنا الدراسية اللهم إلا قلّة منها؟ والتمادي في تهميش المسرح وتجاهله من قبل العديد من وزارات الثقافة في بلداننا العربية، وعدم دعمها للأعمال المسرحية الجادة والمجددة بذريعة شحّ الميزانية ونقص الإمكانيات، فيما نلاحظ كيف تُصرَف الأموال الطائلة علي أمور سطحية واستهلاكية تافهة، وكأن الأمم والشعوب تنهض وتتقدّم بلا آدابها وفنونها وفي مقدمها المسرح!.
الكلام على المسرح في يومه العربي كلامى ذو شجون، ما أن تسطّر فكرة حتي تداهمك أختها، فمن الرقابة إلي ضعف الإمكانيات المادية التي تشكل حجر عثرة وعائقاً أساسياً أمام صناعة المسرح، وبرغم الإشارة والإشادة بكل المؤسسات والهيئات الداعمة معنوياً والمانحة مادياً للمسرحيين العرب، يظلّ التوجس مشروعاً من أن يميل هؤلاء المسرحيون إلي إنتاج أعمال "نخبوية" يتمحور هدفها من المشاركة في المهرجانات حول الحصول على جائزة مادية أو معنوية.