رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

صورة السيد " عبد القادر "

بوابة الجمهورية

بقلم: محمد عبد المنعم زهران


فى الزفاف السعيد للحفيدة ، التقط المُصوِّر للجَد صورتين ليس إلا .
إحداهما كانت بناء على طلب المصور نفسه ، عندما دخل قاعة الحفل وبادر الجدَّ قائلاً :
لا بد أن ألتقط لك صورة بهذه البدلة الرائعة .
ولما لم يكن بمقدور الجد اكتشاف تلك الخيوط الدقيقة التى أحاطت جملة المصور فأحالتها إلى محض مجاملة عادية ، فقد أجاب فى بطء عجوز انتابه حماس مفاجئ :
بالطبع . ستلتقط لى صورة ، وسيكون علىّ اختيار مكان ملائم .
ارتبك المصور لأنه لم يكن يتوقع هذا الرد الذى جاء محملاً بإجراء قابل للتنفيذ ، حاول المراوغة أو التخلص ليباشر عمله ، فباغته الجد فى يقين وحماس :
وحين أجد مكاناً ملائماً لالتقاط صورة .. سأشير إليك .. اتفقنا ؟
... اتفقنا !
قالها المصور بابتسام وارتباك من خاض بإرادته أعماق شبكة خيوط عنكبوتية .. رقيقة ولينة وناعمة ، فأحاطته من كل جانب .
مضى المصور إلى حفل الزفاف ، بينما انخرط الجد فى البحث عن مكان مناسب لالتقاط صورة ، ورغم الصخب والزحام فقد استطاع أن يختار مكاناً رآه جيدا ، وبدأ يشير للمصور دون جدوى . لذا فقد بدأ فى التحرك بصعوبة بين الأجساد للاقتراب منه ، بينما كان المصور يتفلّت منه فى محاولات مستمرة وغير مجدية للتخلص من تلك الخيوط اللامرئية التى ربطت كل تحركاته بعينى الجد .
الجد الذى كان يسير منحنياً ويرى بصعوبة ظل يطارده فى غضب ، إذ ساءه ألا ينجح فى العثور على المصور بعد أن وجد مكانًا جيداً يصلح لالتقاط صورة ، فأخذ يدور ببطء فى أرجاء القاعة :
هل رأيتم هذا المصور ؟
نعم ، إنه هناك يا جدى .
ولماذا لا أراه !! خذنى إليه .. أمسك بساعده .
بالطبع يا جدى ... ولكن .. دقيقة واحدة وسأوافيك حالاً ..
ترك الجد يده متبرماً ، وتلفت فى كل مكان دون جدوى . فكر فجأة فى المكان الذى حدده لالتقاط الصورة فبدا عليه الارتباك ، إذ كان قد نسيه ونسى الطريق المؤدية إليه .
تنهد وجلس على أقرب مقعد ، محاولاً أن يتذكر ، فعاجلته الذاكرة بكل الأحداث التى مرت منذ بدء اليوم وبترتيب غير منطقى . وبعد نصف ساعة تقريباً من المحاولات المرهقة تذكر المكان ، كان بين عامود من الطراز الفرعونى وصورة بإطار مذهب ، ولأنه يوجد وبطول القاعة نحو عشرين عامودا وبين كل عامودين صورة بإطار مذهب فقد عاودته الحيرة ، وفى خلفية الصخب وصوت الموسيقى والغناء وضع عصاه بين قدميه ، ثم ببطء أراح خده عليها ، وبدا على وجهه فجأة حزن العجائز .
كان يتأمل حفيدته فى ثوب الزفاف ، ثم أخذ فى تأمل كل أولاده وزوجاتهم وأحفاده ، كان يتحير قليلاً فى نسبة عدد من الأحفاد إلى أى من أبنائه بالتحديد ، لذا فقد حاول اللجوء إلى قدرته المبهرة على نسبة الأبناء إلى الآباء عبر قسمات الوجه الدقيقة وملامح العينين والأنف ، ولكن عينيه لم تسعفانه ولم يستطع تبين أى شئ ، فكف عن محاولاته . رأى فجأة المصور ، كان قريباً جداً ، وأراد أن يناديه ، ولكنه لم يفعل ، وشب بجسده لينهض ، بيد أنه لم ينهض .
. . .
أخرج جد العريس الذى جلس قبالته توا علبة تبغ إنجليزى ، ثم أخرج " باكو " من ورق " البفرة " الخفيف وبدأ يرص التبغ ببطء من لا يشعر بمرور الوقت ، وأخيرا وضع السيجارة فى مبسم خشبى وأشعلها . كان السيد عبد القادر ينظر إلى فمه وهو ينفث الدخان وتأمل بدهشة شعيرات بيضاء تنتشر فى حاجبيه الكثيفين ..
ولأنه حفيدى الوحيد من ابنى الوحيد ، كان لا بد من الإسراع بتزويجه .. هكذا جرت العادة .. أنت تعرف ..
........
لا يمكنك تصور ذلك ، ولكنه حقيقى ، وعلى ما أتذكر فهذا يصل إلى جدى الرابع ، وكلهم كانوا ينجبون ابناً واحداً فقط من الذكور .. أتعتقد أن لهذا علاقة بالوراثة ؟
ربما . أجاب باقتضاب وعاد يؤرجح العصا بين قدميه . وهو يتأمل المصور من بعيد ، يلتقط عشرات الصور للعروسين .
ولكننا رغم ذلك نعيش عمراً طويلاً .. ومع قليل من الحظ ربما أستطيع حمل ابن حفيدى ...
أخيراً انتزع يده من على العصا ، وربت على يد جد العريس ..
إن شاء الله .. سيكون لك الحظ فى تزويجه أيضا.
ضحك جد العريس
فى تزويجه أيضاً !! نحن نعيش عمراً طويلاً .. ولكن .. ليس لهذا الحد يا صديقى ..
وارتفع صوت ضحكاتهما ، ولكنه لم يكن مسموعاً فى ضجيج الحفل .
وكان بإمكان المصور أن يرقب بارتياح من بعيد عجوزين يتحادثان ويبتسمان ويتلفتان ولكنها تظل - من بعيد - محض حركات ليس إلا .
. . .
وسط الضحكات والموسيقى والأغانى والزغاريد ، قبضت يد السيد عبد القادر على يد المصور . كان قد أبعد فكرة أن تلتقط له صورة بعد أن أوشك الحفل على الانتهاء ؛ فذابت خيوط العنكبوت من على جسد المصور ، وبدأ يتحرك فى حيوية واندفاع سجين أُطلق سراحه فجأة . كان الجد متجهاً لتقبيل حفيدته العروس ، ورآه فجأة أمامه يتهيأ لالتقاط صورة ، فعاودته الرغبة فى التقاط صورة ، وحين قبض على يد المصور ، استحال الأخير تمثالاً من الشمع .
بدأ يسحب يد المصور إلى أى مكان ليلتقط له صورة ، دون أن يشغل باله بكنه هذا المكان ولا بمدى ملائمته ، فقط ليلتقط له صورة . هاجمه ضجيج من الأصوات التى لم يستطع تبينها ..
هيا يا جدى نريد التقاط صورة معك ..
بابا .. هيا نريد أن تكون معنا فى هذه الصورة ..
ثم ومن قريب وبصوت واضح جداً صوت الحفيدة العروس ..
جدى .. جدى .. أحضروا جدى .. نريد صورة مع جدى ..
ودفعه الحشد دون رغبة ، فوجد نفسه بين العروسين فى الخلف وقد احتشد عشرات من الأبناء والأحفاد وأقارب العريس حوله ، والتقط المصور الصورة وكانت هكذا :
العروسين بابتسامة فرح ، والجد فى الخلف مباشرة مقطباً بعينين حائرتين يرنو إلى المصور وعلى الجانبين وعلى الأرض عشرات من العيون التى تتطلع للكاميرا .
ولكن هذه الصورة الرائعة بالأبيض والأسود تم تمزيقها فيما بعد بيد العروس ، بعد انفصالها عن زوجها وتحديدا بعد عام من الزواج ، مع كل الصور التى تجمعهما والتى أتت عليها جميعها تمزقها تمزيقاً .
بعد انتهاء اللقطة حاول المصور التسلل ولكن يد العجوز كانت أسرع هذه المرة ، فأذعن المصور ، وبدا أن خيوط العنكبوت كانت ملتصقة بجلده هذه المرة ونافذة إلى أبعد عروقه الداخلية فخدرته ، وأخيرا مضى مع الجد مستسلماً .
وعلى الجانب الأيمن للقاعة وفى مكان اختاره بتلقائية ، جلس الجد على كرسى مذهب ، وإلى يساره عامود من الطراز الفرعونى ، وإلى اليمين لأعلى قليلاً صورة بإطار مذهب أيضاً للخديو إسماعيل حاكم مصر فى منتصف القرن التاسع عشر . وقف المصور فى قنوط وغيظ ، بينما كان الجد يعدل من وضعية رباط عنقه ، ثم بعد ذلك ووفقاً لتعليمات المصور التى كان يلقيها بضيق ، مال الجد برأسه لليمين وجلس بثبات فى انتظار المصور .
تأمل المصور وضعية الجد وهو يدخن سيجارة فى يديه ، انتظر قليلاً حتى انتهى منها ، ثم مال برأسه قليلاً ، وعاد يتأمل العجوز الذى طارده طيلة الليل كطفل ، فقط لمجرد أن يلتقط له صورة ، وأخيرا ضحك وقال للجد فى مرح :
هل أنت مستعد ؟
آه طبعا ..
وقف المصور أمام الكاميرا وبدأ ينظر فى عدستها ..
ولكننى لم أعرف اسمك ..
اسمى حنا .. قالها وهو منشغل بضبط زاوية الكاميرا .
آه .. اسم جميل . وهل تعرف اسم من تقوم بتصويره يا حنا ؟
بالطبع . حضرتك السيد عبد القادر .. جد العروس .
رائع .
هل نبدأ الآن ؟!
آه تفضل .
ولكن المصور عاد واتجه إلى العجوز وبدأ فى تعديل وضعية جلوسه مرة أخرى ، ثم عاد إلى مكانه وراء الكاميرا . مال المصور برأسه مرة أخرى وهو يتأمل الجد .. ثم قال بمرح :
فى الواقع .. لقد اخترت مكاناً جيداً لالتقاط صورة .
شكرا .. ! احمر وجه الجد .
سألتقط الصورة الآن .
أجاب الجد بصوت رقيق بدا كصوت ماء ينساب .
نعم .
واستطاع المصور إدراك اختلاجه واضطرابه الداخلى ، لذا فقد تحرك وجهه قليلاً بعيداً عن الكاميرا وتأمله مرة أخرى فى اندهاش ؛ كان على وجه الجد ابتسام مشوب بحمرة خفيفة ، وفى عينيه التماع يشبه السحر، وجسده ينتابه ارتعاش مكتوم .. يجاهد كى يظل مكتوما ، وبدا فى النهاية بهيئة من تلتقط له أولى صور حياته . أعاد المصور وجهه وراء الكاميرا مبتسماً ، والتقط الصورة ومضى .
. . .
وكانت مجرد صورة من مئات الصور التى التقطت فى حفل زفاف الحفيدة ، التقطها مصور هاوٍ يدعى " حنا " لرجل عجوز يدعى " عبد القادر " لم يتمكن أبداً من رؤيتها ، لأنه وفى الواقع قد مات فى اليوم الذى يليه .
ولكن بعد مضى خمسة وأربعين عاماً على التقاط الصورة ، وبعد تبادل سريع ومهمل من الأحفاد والأبناء، وصلت الصورة إلى واحد من هؤلاء المهووسين بجمع الصور الفوتوغرافية القديمة، فصنع لها إطاراً ووضعها فى معرضه .
وبعد سلسلة أخرى من عمليات البيع المتواصلة للصورة، وصلت خلالها إلى أشخاص عديدين وعرضت بمتاحف عديدة فى أماكن متفرقة من العالم ، إلا أنها ظلت محملة دائماً بذات التعليق الموجز أسفلها :
هذه صورة مصرى عجوز لا يُعرف عنه سوى أن اسمه " عبد القادر " التقطها له مصور مغمور يدعى " حنا " وبطريقة غير مفهومة التقط المصور صورة عظيمة لعجوز تبعث عيناه رغبة غامضة ومفهومة وغير محددة فى القول بيقين :
" كنت حياً فى يوم من الأيام " .
والإفادة الأكثر إدهاشاً ، أن صورة الخلفية لخديو مصر فى منتصف القرن التاسع عشر ، وبصورة دقيقة كانتا عينا هذا الحاكم تبعثان ذات الرغبة فى القول :
" كنت حياً فى يوم من الأيام " .





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة