وداعا طباخ البشوات أشهر نجارى الواحات
رحل فى صمت العظماء وهدوء الملوك والأمراء أحد أمهر وأقدم من صنعوا الأقفال الخشبية العتيقة لحفظ الغلال ومنع السرقات على مدار تاريخ الواحات القديم الشهير بطباخ البشوات عن عمر يناهز ال ٩٥ عاما قضاها مرتحلا بين السرايات ولوكاندات مصر القديمة حتى عودته لمسقط رأسه بين أدواته واخشابه وحرفته التى ورثها عن أجداده وقضى من خلالها زهرة شبابه ممارسا كل أنواع الحرف اليدوية الأشهر فى تاريخ واحة الداخلة بمحافظة الوادى الجديد منذ أن كان صبيا إلى أن وافته المنية بالأمس.
حصل على تذكار نجيب وشهد وداع عبدالناصر الاخير وصافح السادات بالواحات
سرايا الملك فؤاد وأسرار صناعة الاقفال الخشبية يكشف عنها حمودة قبل وفاته بالداخلة..
توفي عن عمر يناهز ٩٥ عاما وودعه أهالى قريته بغرب الموهوب والعوينة..
قبل أشهر قليلة من وفاته ، التقت الجمهورية اون لاين "حمودة" الذى كان يجلس فى هدوء تام متكئا على قدميه الواهنتين وقد أسند ظهره الحانى إلى جدار منزله ، يداعب نسمات الماضى وعنفوان الشباب بين أدواته واخشابه التى لم تفارقه منذ سنوات وسنوات ، ملتمسا بعض السكينة والدفء الساطع من أشعة الشمس المشرقة، وعينيه إلى السماء تتجول فى حياء وخشوع بين عجائب المخلوقات وسنة الحياه ، بعد مرور أكثر من 93 عاما قضي فيها زهرة شبابه مستقلا قطار العمر الذي لم يتوقف قبل أن يسترجع ذكريات منتصف القرن الماضي مع الملوك والرؤساء فى عصر البشوات والأمراء.
"طباخ البشوات" حدودتة مصرية جاءت من بعيد ، تستنشق نفحات الزمن الجميل بين دروب الصحارى فى قلب الصحراء الغربية بالوادى الجديد، حيث يجلس صاحبها البالغ من العمر 94 عاما يروى قصة شرفة عابدين ورحيل الملك فاروق وجنازة عبدالناصر ولقائه مع السادات وسرايا القيادات بحى الزمالك قديما أثناء خدمته بفيلا نشأت باشا رجل الأعمال ، وصورة تذكارية لا يزال يحتفظ بها وهو يرتدى الطربوش وزى السفرجى لإستقبال الشخصيات الهامة وكبار الزوار أثناء فترة عمله طباخا بلوكاندة عزيز بحرى بمنطقة قصر النيل عام ١٩٤٠م.
تعود شهرة طباخ البشوات الأقدم فى صناعة الأدوات المنزلية والزراعية القديمة بواحة الداخلة إلى قرابة النصف قرن وذلك الشاب الذى جاء من الواحات الداخلة باحثا عن فرصة عمل بضواحى القاهرة وهو لايزال شابا يافعا فى سن السادسة عشر من عمره خلال ١٩٤٠م ، حيث عمل بمهنة الطبخ داخل أكبر فنادق العاصمة وبعض قصور البشوات ورجال الأعمال ، وعاد إلي مسقط رأسه بالواحات الداخلة مرة أخرى بعد رحلة عمل إستمرت قرابة ربع قرن ، شهد خلالها العديد من الأحداث التاريخية الشهيرة ، لينتهى به المطاف بين مجموعة من الأخشاب والأدوات يشكلها بذوق الفنان وطابع التراث الواحاتى العتيق بأنامل شيخ النجارين ولمسات "طباخ البشوات" حفاظا على حرفة أجداده أقدم من صنع الضبة والمفتاح.
قال محمد حمودة سيد بكر ٩٤ عاما قبل وفاته بأشهر قليلة ، أنه وبعد مرور أكثر من ٨٠ عاما مضت من الأحداث والمواقف التاريخية فى حياته ، رأى أنه من الحكمة توثيق تجربته العملية بما تحمل من أسرار ومواقف جعلته يعود بذاكرته إلى ماقبل تاريخ إعلان الجمهورية فى ومضة سريعة أشار إليها بأصابعه النحيفة تجاه شرفة الملك فؤاد بقصر عابدين وهو يلوح بكلتا يديه إلى جموع الشعب المصطفين أمام القصر ، وعلامات الإحتقان والحزن الشديدين على وجه الملك فاروق أثناء رحيله على متن الباخرة المتجهة إلى أوربا بعد عزله عن الحكم فى مشهداً تاريخي عقب اندلاع الثورة بقيادة الضباط الأحرار.
وعن لقائه بالفريق محمد نجيب أول رئيس جمهورى ، لفت حمودة إلى أن حديثه مع الفريق نجيب لم يستغرق أكثر من دقيقة طلب منه توقيعه على بطاقته الشخصية كتذكار لنجاح الثورة فمنحه ذلك ضاحكاً وهو يقول " بس كدا اتفضل يا سيدى" ، مشيرا إلى أن من أكثر المواقف الصعبة والمشاهد القاسية التى لم يتمكن من محوها من ذاكرته لما تحمل من مشاعر عميقة وشعبية جارفة مشاركته آلاف الجماهير التى جاءت لتلقى النظرة الأخيرة على جثمان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فى جنازة مهيبة فى ال٢٩ من سبتمبر عام ١٩٧٠ ، مؤكدا أن شوارع وميادين القاهرة احتشدت فى ذلك الوقت بالملايين من المودعين أمام قصر القبة مرورا بكوبرى قصر النيل، رافعين أعلام مصر وصور الزعيم الراحل فى حزن شديد وهتافات تزلزل الفؤاد ، حتى أن البعض منهم ألقي بنفسه من أعلى أسطح المباني والشرفات لشدة الصدمة وهول الفراق.
وتابع "طباخ البشوات" أن الحياة توقفت تماماً حينذاك، حيث أغلقت المصانع والمحال التجارية والمدارس أبوابها لمدة 3 أيام حداداً على روحه، واتشحت المنازل والميادين بالسواد، فيما أذاعت المساجد القرآن الكريم بمكبرات الصوت حزناً على رحيله.
وأردف صاحب ال94 عاما ، مشيرا إلى زيارة الرئيس الراحل محمد أنور السادات لمحافظة الوادى الجديد ومسقط رأسه بغرب الموهوب عام ١٩٧٨م ، قائلاً بأن الزيارة حظيت باهتمام إعلامي واستقبال جماهيرى بحضور المئات من أهالى المحافظة فى إنتظار وصول رجل الحرب والسلام والذى قام بزراعة عدد من أشجار النخيل على بعد أمتار من قريته الصغيرة بغرب الموهوب ، حيث قرر خفض القيمة الإيجارية لملاك الآبار وصرف معاش السادات الشهرى لمن تخطوا سن الستين ، وذلك تخليدا لذكرى قدومه فى أول زيارة تاريخية تفقدية لإطلاق العديد من المبادرات ووضع حجر الأساس لبعض المشروعات الرائدة فى ذلك الوقت.
وتطرق حمودة فى حديثه الى خطاب الرئيس الراحل محمد أنور السادات والتى لا تزال كلماته الرنانة تتردد بقوة فى أعماق ذاكرته ، عندما سأله أحد المواطنين عن الهدف من زيارته للمحافظة ، ليرد الرئيس بنبرة صوته الجذابة قائلاً ، إن مستقبل مصر هنا فى الواحات وإننا كما تعرف نعيش فى الوادى القديم على مساحة ثابتة وهذا هو الوادى الجديد ، لقد سعدت فعلا بزيارتكم بالمعنى الذى يجب أن يكون معلوما لكل من يعيش على ارض مصر ، وهو أننا جميعا أسرة واحدة ، مجتمع واحد ، كل منا يشعر بالآخر ، وعلي الجميع أن يقدم كل ما يملك لبنى وطنه فى وقت الشدة ، وان يقف مع اخيه لكى نبنى جميعا رخاء مصر وقوتها الخالدة.
وعن مصدر رزقه وحرفته التى ورثها وباشر أعمالها لسنوات ، نقلا عن آبائه وأجداده أقدم من عرفوا ومارسوا النجارة البلدى ، وبخاصة صناعة الضبة والمفتاح الخشبية لغلق الأبواب من الخارج ، أوضح بكر أن هذه المهنة تطورت الآن ولم يعد لها وجود بالمدن باستثناء بعض القرى التى اشتهرت بها قديما مثل القصر والبشندى والعوينة وغيرها ، حيث كانت بمثابة مصدر رزق الكثيرين من أصحابها إلى جانب أهميتها من الناحية التراثية التى كانت ولا زالت تحمل طابع الواحات القديمة وملامح الزمن الجميل فى ذلك الوقت.
واضاف أن أداة الضبة والمفتاح تعتبر أحد أقدم الدلائل الأثرية على إستخدام الأقفال اليدوية ذات المفتاح العجيب المصنوعة من أشجار السنط والزان والصنوبر والتى توارثتها الأجيال منذ عصر الفراعنة بنحو أربعة آلاف عام ، مشيرا إلى أن هذه الأداة رغم صغر حجمها وبساطة مظهرها العام إلا أنها تحتاج إلى دقة متناهية واحترافية شديدة من نوع خاص ، لافتا إلى أنها كانت تستعمل لأغراض غلق أبواب المنازل وأماكن تربية الماشية الخشبية وتأمين القلاع والحصون قديما من الداخل ، والتى كان يعتمد عليها سكان الواحات الداخلة والخارجة والفرافرة لسنوات طويلة فى حماية ممتلكاتهم ومخازن غلالهم من السلب والسرقات حتى وقت قريب .
وقال حمدى محمد حمودة 50 عاما أحد أبناء طباخ البشوات الثمانية ، أن جذور شجرة والده تمتد إلى زمن بعيد ، حيث ذاع صيتها بين القرى ضمن عائلات النجارين فى إنتاج أدوات ومستلزمات المزارعين والمنازل بطريقة يدوية ، كاشفا بعض جوانب أسرار صناعة أداة الضبة والمفتاح العجيبة والتى تتكون من فتحتين لا تسمحان باستخدام مفتاح آخر، أما إغلاق القفل فيتم بواسطة الضغط باليد على القطعتين في القفل دون استخدام المفتاح ، بالإضافة إلى آلية عمل المزلاج القديم بحيث يدخل المفتاح المسنن بواقع ٦ فتحات، وما يقابلهم من بروز مسننة بنفس المواصفات الدقيقة ليرفع الأوتاد التي تمسك المزلاج وبعدها يتم سحب المفتاح المسنن ليقوم بسحب المزلاج لينفتح الباب .
وتابع أنه منذ صغره كان يشاهد والده يمارس تلك المهنة التى أحبها وأتقن فنونها ونال من خلالها محبة وتقدير الجميع فلم يكن يبخل عليها طوال فترة عمله على مدار سنوات صنع من الكثير من مستلزمات المعيشة واستخدامات الأهالى بالمزارع والحقول ، لافتاً إلى أن مسيرة كفاح والده بدأت منذ صغره عندما سافر إلى القاهرة وعاد إلى الواحات الداخلة ليستقر بين أفراد أسرته المكونة من 7 أشقاء ليصبح بمرور الوقت جدا ل33 من الأحفاد ، مؤكداً أن والده كان يتمتع بصحة جيدة قبل وفاته رغم كبر سنه طالما يمارس مهنته التى اعتاد على ممارستها كل صباح دون انقطاع تلبية لاحتياجات من حوله وإشباع رغبته وعشقه لمزاولة حرفة آبائه وتراث أجداده حفاظا عليها من الإندثار.