فضل وفوائد سورة الفاتحة
تعد سورة الفاتحة من السورة المعرفة من الجميع، لأن الله سبحانه وتعالى فرض على المُسلم قراءتها في كلّ ركعةٍ من ركعات صلاته كي تصحّ؛ فقراءة سورة الفاتحة ركن من أركان الصلّاة لا تُقبل الصّلاة إلا بها، وقد قيل عن سورة الفاتحة بأنَّ آياتها تجمع معنى جميع آيات القرآن الكريم، ولو قُرِئَت بتدبّر لوُجِد بها حقًّا كلّ ما في القرآن الكريم من صفات الله جلَّ وعلا، وقصص الأمم السّابقة.
وردت العديد من الفضائل والمميزات لسورة الفاتحة، وفيما يأتي بيانٌ لبعضٍ منها:
1- أن سورة الفاتحة أفضل وأعظم سورةٍ وردت في القرآن الكريم، وذلك مصداقًا لقول رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ سُورَةٍ في القُرْآنِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ الذي أُوتِيتُهُ».
2- كما لم يرد أفضل من سورة الفاتحة في الكتب السماوية، قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: « والذي نفْسي بيَدِه، ما أُنزِلَ في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها».
3- سورة الفاتحة لها ميزةٌ مهمةٌ؛ إذ إنّها تشتمل على معاني القرآن بشكلٍ عامٍ فيما يتعلق بالتوحيد والأحكام وأحكام الجزاء، ولذلك سُميّت بأمّ القرآن وأمّ الكتاب كما ورد عن النبي- صلّى الله عليه وسلّم-، وفي العادة يقال إنّ للشيء أُمًّا إن كان له مرجعًا يرجع إليه، وعلامةً تُقصد ويُتّجه إليها، ولذلك فقد أوجب الله قراءتها في الصلاة.
4- فرض الله على كلّ مسلمٍ قراءة سورة الفاتحة في كلّ ركعةٍ يؤدّيها، وجُعلت ركنًا من أركان الصلاة لا تُقبل الصلاة إلّا بها، يكرّرها العبد على الأقل سبعة عشرة مرة كل يومٍ، وذلك مصداقًا لقول رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-: «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بفاتِحَةِ الكِتابِ»، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «كلُّ صلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ فهي خِداجٌ كلُّ صَلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ فهي خِداجٌ كلُّ صلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ فهي خداجٌ»، ويُقصد بلفظ خِداج الفساد.
- المعنى العام لآيات سورة الفاتحة :
بدأ الله -تعالى- سورة الفاتحة بالبسملة؛ ليرشد العباد إلى أهمية بدء أعمالهم بها، وطلب العون منه سبحانه، وبيّنت أنّ كمال الإيمان يتحقّق بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به، وفيما يأتي شرحٌ وتوضيحٌ لمعاني آيات سورة الفاتحة:
1- قال تعالى: «بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ» يُقصد بالبسملة طلب البركة والمعونة من الله -عزّ وجلّ- وحده، فحرف الباء يفيد الحصر، أي أنّ لا استعانة إلّا بالله.
2- «الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»: الحمد هو الثناء بجميل محاسن المحمود، مع الرضى القلبيّ والمحبة، فالشكر لا يكون إلّا على النعم أمّا الحمد فيكون على النعم وغيرها، مثل الحمد على الابتلاءات والمصائب والأمراض، والرب صفةٌ مشبهةٌ للموصوف، فالله هو المربي، والمالك، والخالق، ومصلح الأشياء، ومتمّمها، والمنعم على عباده، وهو السيد المعبود المُطاع، والعالمين اسمٌ يدلّ على كلّ ما سوى الله تعالى، بدليل قوله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ*قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ).
3- « الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ»، وهما صفتان مشتقّتان من الرحمة، فالرحمن صفةٌ على وزن فَعْلَانْ، وهي صيغة مبالغة، أي أنّ الله - تعالى- عظيم الرحمة، أمّا الرحيم فعلى وزن فعيل، وتستعمل للصفات الدائمة، أي أنّ الله -تعالى- عظيمٌ في رحمته الدائمة على الناس.
4- «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»: أي أنّ الله -سبحانه- الصاحب المتصرف بيوم الجزاء والحساب، وهو وحده المتفرّد بالملك فلا أحد يملك شيئًا.
5- « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»: فالعبادة محصورةٌ ومقصورةٌ لله، ويُقصد بها كلّ ما يحبّه الله من الافعال والأقوال الظاهرة والباطنة، وهي فعل العابد بتذلّلٍ وخضوعٍ وامتثالٍ للأوامر والنواهي، مع تعظيم المعبود ومحبته، ولا تصحّ إلّا لله -عزّ وجلّ-، والعبادة مقترنة ومجتمعة مع الاستعانة بالله فقط، لأنّ تيسير الأمور بيده، والاستعانة تفويض وتوكيل الأمور له.
6- «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ»: طلب المؤمن من ربه أن يدلّه على الطريق الموصل إليه، وبذلك تتحقّق الهداية التي تعدّ الثمرة الناتجة عن الاعتقاد الصحيح، ممّا يؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
7- «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّين»: بيّن الله - تعالى- العباد الذين أنعم عليهم؛ وهم أهل الصراط المستقيم مَن علموا الحق وعملوا به، وورد ذكرهم في موضعٍ آخرٍ في القرآن الكريم، قال تعالى: « وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا»: فالرسل والأنبياء في الطبقة الأولى للمُنعم عليهم، والصديقون في الطبقة الثانية، وهم الذين بلغوا في الصدق مع الله ومع العباد درجاتٍ عاليةٍ، ثمّ الشهداء من العلماء والمقاتلين في سبيل الله في الطبقة التالية، ثمّ الصالحون في ظاهرهم وباطنهم، فالعبد يسأل الله أن يكون من المنعم عليهم، وليس ممّن غضب عليهم الذين علموا الطريق الصحيح لكنّهم خالفوه، ولا من الضالين الذين يعبدون الله على جهلٍ وتخبّطٍ.
فوائد سورة الفاتحة
1- قراءة سورة الفاتحة في الصلاة تتحقّق فيها المناجاة بين العبد وربه، قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الحديث القدسي: قالَ اللَّهُ تَعالَى: « قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: {مالِكِ يَومِ الدِّينِ}، قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، فإذا قالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قالَ: هذا بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذينَ أنْعَمْتَ عليهم غيرِ المَغْضُوبِ عليهم ولا الضَّالِّينَ} قالَ: هذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَأَلَ).
2- سورة الفاتحة رقيةٌ للمريض، وفيها شفاءٌ للناس، ودليل ذلك إقرار النبي -عليه الصلاة والسلام- لجماعةٍ من الصحابة الرقية بالفاتحة، إلّا أنّ الرقية بها لا تنفع إلّا بتحقّق عددٍ من الشروط الواجب أخذها بعين الاعتبار، ودليل ما سبق ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّه قال: « أنَّ نَاسًا مِن أصْحَابِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أتَوْا علَى حَيٍّ مِن أحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ، إذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقالوا: هلْ معكُمْ مِن دَوَاءٍ أوْ رَاقٍ؟ فَقالوا: إنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، ولَا نَفْعَلُ حتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لهمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بأُمِّ القُرْآنِ، ويَجْمَعُ بُزَاقَهُ ويَتْفِلُ، فَبَرَأَ فأتَوْا بالشَّاءِ، فَقالوا: لا نَأْخُذُهُ حتَّى نَسْأَلَ النبيَّ- صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وقالَ: وما أدْرَاكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ، خُذُوهَا واضْرِبُوا لي بسَهْمٍ».