رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الحياة بجوار الحياة

بوابة الجمهورية

قصة قصيرة

بقلم: محمد عبد المنعم زهران


.. لكل هذا لا تقتله يا ولدي!
وتذكّر باستمرار أن هناك قواعد للعيش يتحتم علينا أن نحافظ عليها، قواعد ارتضيناها منذ أزمنة سحيقة ولكنها باقية أبدًا كالنهر القديم في سيره الرتيب. الحياة تمضي هكذا، بإمكاننا أن نمضي بجوارها فنواصل العيش أو أن نتوقف فنهلك.
لا تقتله!! وضعْ في قلبك قبساً من ضوء الشمس وافهم!!
ماذا ستجني من قتله؟ مجرد أنك ستبدأ دائرة لن تنتهي أبدًا من الخوف والقلق وربما الموت أيضًا، ستهاجمهم وربما تقتل منهم وتدفع البقية للهروب، ستعتقد أنك انتصرت في معركة بسيطة، سيبدو لك أنهم قد رحلوا، ولكن تأكد أنهم سيباغتونك ويهجموا في الوقت الذي لن يكون بمقدورك شيء، سيعاودون الكرّة مرة ومرة، ولن يكون بإمكانك نزول الحقل إلا مُسلّحًا، كما لن تتمكن أبدًا من النوم مطمئنًا تحت شجرة الكافور في قيلولتك، ستنام بنصف عين، تقبض بيد على هراوة وباليد الأخرى على سكينك الطويل، وفي كل مرة ينزل فيها عيالك إلى الحقل ستضطر إلى مرافقتهم وعينك في منتصف رأسك، حتى تتمكن من رؤية رؤوسهم التي ترتفع ببطء. وإذا تسلل واحد من عيالك على حين غفلة منك إلى حقل الذرة، فستصرخ من الخوف، وربما تندفع لتزيل بسكينك الطويلة مئات من أعواد الذرة وأنت تلهث، تقف بارتجاف وتتلفت في كل اتجاه لتعثر عليه. سيكون الأمر خسارة في كل الأحوال.
ربما عليك أن تسامح وتنتظر وسترى أن ما سيحدث سيمنحك ما تريد وربما أكثر. سيمنحك العدل بالتأكيد وهذا أفضل. أنا أعرف هذا جيدًا، مئات من السنين مضت من العيش هنا معًا، وكنا نحترم العيش، لم نكسره أبدًا، كما لم يكسروه. لا تترك غضبك يُمسك بمقودك ويسير بك حيث يشاء! وحتى إذا قررت في النهاية أن تقتل، فأيهما ستقتل؟! من قواعد العدل أن تقتل من لدغ ابنك، ولن يكون بإمكانك أن تعرفه أبدًا!
عشنا على هذه الأرض وأجدادك وأجداد أجدادك نزرع ونقلع، وهم يمرون علينا دائمًا، فلا نؤذيهم ولا يؤذوننا. يقول الأجداد إن ظهورهم على سطح الأرض هو بشارة عظيمة، بشارة تعني أن أيدينا ستمتلئ بالثمار قريبًا، وإننا سنملأ المخازن بالغلال، نبيع ونشتري. ونضع على أجسادنا جلابيب القطن الناعم، وعلى رؤوسنا عمائم جديدة من الصوف الجيد، ويكون بمقدورنا أن نرسل العيال للفصول ليتعلموا الكتابة.
هم يساعدوننا ونحن نفهم ونُقِّدر الجميل: حين تختفي القوارض من الحقول، ولا نعود نرى الدود ينخر الأوراق، حين نرى الثمار خالية من العطن.
وحين يأتي القحط والصهد تجف الأرض، لا نتغافل عن جوعهم وعطشهم، ولا نتركهم أبدًا ليرحلوا بعيدًا بحثًا عن طعام، نترك لهم دائمًا بقايا خبزنا وخيارنا ونملأ قصعة بالماء أو بقايا اللبن ونتركها لهم. أحيانًا ندخل الحقل فجأة، ونراهم ممددين في ظل شجرة الكافور، نتركهم في سلام لأن الحر مهلكة لكل حي، وحين يرفعون رؤوسهم ويروننا ينسحبون في هدوء.
في أوقات سقاية الأرض يا ولدي كنت أقضي الليالي وحيدًا، أنام وأرسم بعود حطب خطًا على التراب حولي وكانوا لا يقربونني أبدًا، أحيانًا أستيقظ وأراهم يجوسون هنا وهناك، لم يحدث أبدًا أن تجاوزوا الخط المرسوم لهم. في مرات قليلة يحدث أن أدوس أحدهم بقدمي دون أن أدري، وكان يرفع رأسه ويتلوى بغضب، في هذه اللحظة أجلس على ركبتي أمامه وأرفع يدي اليمنى إشارة الخطأ غير المقصود، وكان يمضي في سلام.
منذ سنوات كانت أشجار المانجو ترتفع عن الأرض بطول رجلين، وتسلقت شجرة ومددت يدي ألتقط حبة مانجو فلامست يدي جلدًا يتحرك، لم يكن عليّ سوى أن أُبقي يدي ساكنة في مكانها، رفع رأسه قليلاً وكنت خائفًا، ولكنني كنت أثق في زمن طويل من العيش، لم يقترب من يدي، ومضي ببطء مبتعداً.
أحيانًا أعثر على جلودهم القديمة، يتركونها دائمًا جافة هشة، وكنت أبللها بالماء والدقيق وأصنع منها غطاءً لعصاي التي أتوكأ عليها. وعندما تكون العصا مستندة على شجرة الكافور بجوار ملابسي بينما أغتسل في الترعة، أراهم من بعيد يقتربون منها ويتشممونها، يلتفون حولها ويلاعبونها كرفيق.
لم يكن هذا أبدًا عهدًا من تلك العهود التي نسمع عنها، والتي يتحدث بها هؤلاء الذين يطلق عليهم "رفاعيين"، هؤلاء لهم عهودهم التي لا نعرفها، ولكننا وحدنا لنا عهدنا، عهد الألفة المرسوم منذ القدم: ألفة العيش، والطعام والماء والرقدة الآمنة دون خوف.
أنت أصابك الغضب لأن أحدهم لدغ ابنك بينما يمشي في الحقل، وكان عليك أن تصبر قليلاً، فابنك قد تعافى على أية حال، وأورثته اللدغة شدة في الجسم، وقوة في القلب، أنت لا تفهم هذا ولكنني أفهمه. لن أجادلك فيمن كان البادئ بالإيذاء، ولكنهم يعرفون كما أعرف أن طفلاً صغيرًا لا يمكن أن يؤذي، يعرفون ويفهمون، وفي هذه الحالة لا يكون عليك سوى الانتظار.
قلت لك كل شيء، وأفضت فيما ينبغي أن تفهمه، ولكنك لم تنصت إلي في النهاية، ودفعتك النار في صدرك لحمل أسلحتك! وقفت أمام الباب لأمنعك بصدري وكلماتي وقلت لك ألا تفعل، قلت لك إنهم يفهمون أيضًا، وإن عليك أن تنتظر فقط! ولكنك غافلتني وخرجت وأبناؤك الكبار إلى الحقل رغم أنني حذرتك!! فخرجت وراءكم لأنني توجست الشر، وصرخت في الهواء لتصل كلماتي إلى أذنيك، وقلت إن الابن العاق يلقي بكلام أبيه العجوز في الهواء، فيكون مصيره الضياع، وإن الابن البار يضع كلام أبيه في جوفه فتنبت جذوره في الأرض، وتمتلئ رأسه بالحكمة.
على مشارف الحقل رأيتكم، وفي المكان ذاته الذي لدغوا فيه ابنك، ألقيتم أسلحتكم على الأرض فجأة، وبَرَدت النار في صدوركم، لأنكم رأيتموه ملقى أمامكم ميتًا! يستوي الأمر إن كانوا قتلوه أو أنه مات ندمًا، كل ما كان بإمكانكم رؤيته بعد ذلك صوت بقيتهم يزحفون ببطء نحو مكامنهم، تقودهم الأم الكبيرة العجوز، وعندما التفتت برأسها إليكم، لم يكن بإمكانكم ملاحظة تلك اللمعة البسيطة في العينين، ربما كانت تبكي، وربما هي مكلومة، ولكنها تفهم. وتفهم أننا نفهم. لم يخرجوا إلا بعد ثلاثة أيام كاملة. لم يكن في الأمر أسرار أو معجزات أو أية أشياء خرافية، الأمر فقط ألفة العيش والحياة بجوار الحياة.
أنت لم تع الدرس يا ولدي ولم تفهم! ومضيت في الشوارع متباهيًا. ومن الشوارع والمقاهي ومن كل أطراف البلدة وألسنة الناس، تسللت إلى أذني حكاياتك التي أذاعها لسانك الكاذب بأنك قتلته! فبصقت على الأرض مرات عديدة لأني لم أحسن التربية ولم أُعلّق! إذ كيف يسمح أب لنفسه بأن ينعت ابنه بالكذب على الملأ!! وضعت أكاذيبك في بطني، وتركتك هكذا، لأنني أدركت بأنك أحمق، وأن مرضك يكمن في القلب الذي لا يفهم. وعندما وقفتَ أمامي، كنت تضع رأسك في الأرض، وبجوارك ابنك يلعب ويتقافز وقد امتلأ بالصحة وأمدته اللدغة بالعافية في روحه، وبدأ يفهم. الصغير الذي يفهم يبدو أكثر صلاحًا من كبير يمشي بالكلام الكاذب، وينتفخ وجهه بشجاعة زائفة أمام الناس!
ولأن نقص العقل داء لا فكاك منه، ومرض القلب ينشر الظلام في المدى، فتضل الخطوات لتسلك الطرق الأكثر سوءًا! وفي النهاية لا مفر من مواجهة كل تبعاته التي تنشر البكاء! فقد بدأت حماقتك تنصت إليهم، هؤلاء الرجال الذين أرادوا أن يجروك إلى السوء، ورغبة في إظهار شجاعتك مرة أخرى فقد مضيتَ إلى الأرض، وكنا قد أوشكنا أن نحصد الذرة ونأكل ويأكل الناس ونملأ المخازن ونبيع ونشتري، ونرسل أبناءك ليتعلموا الكتابة، لتستقر الكتب دائمًا في البيت، مضيت وحدك إلى الحقل ووقفت تحت الشجرة، لتفعل الطيب الذي يخفي داخله الخبيث، وضعت البيض وقصعة اللبن، ونمت بعد أن رسمت حولك بعود الحطب دائرة، وعندما جاءوا نهضت، وغافلتهم ثم مددت يدك وبهراوتك قتلت ثلاثة، وفر البقية باعتقاد أن نهاية العالم قد حانت! لأن الناموس يتغير!! ثلاثة على الأرض، حملتهم بيديك إلى السوق ليراهم الناس في البلدة ويؤمنوا بشجاعتك الحزينة التي ستنشر الخراب. فهناك ومن حيث لا تدري كانت الحقول تغلي، والأرض ترتج والفحيح يملأ الآفاق!
لم يكن بإمكاني أن أترك حربًا تشتعل، وما كان بمقدوري أن أتركهم ينتقمون من أبرياء، ليعاود هؤلاء الانتقام، وتدور الدائرة التي لن تنتهي أبدًا، ستدق الطبول وتشعل المشاعل، ولن يكون بإمكاننا زراعة الأرض، وإذا تمكنّا من الزراعة سيكون الحصاد حلمًا بعيد المنال، إذ لن تجد فى الفرع ثمرة طيبة. لم يكن بإمكاني أن أترك النار تسري، وفي الليلة التي كنا نستعد فيها للحصاد، قضينا الليلة معًا أسفل الشجرة. وفي الصباح كنت ترتجف وأنت تتوسل إليّ وكنت أتساءل: أين الدماء الشجاعة التي حركت يدك اليمنى فقتلت؟ وأين الدماء الخبيثة التي حركت يدك اليسرى فخانت العيش؟!
لم يكن بمقدوري شيء يا بني، تركتك لتنام بنصف عين، ونصف قلب، وروح مثقوبة قلقة تجوس في خوف ورعب لأدنى حركة تصدر من عيدان الذرة القريبة، وأنا جلست أسفل الشجرة مقيمًا ركبتيّ، أغفو قليلاً، وأستيقظ لأتأكد من الحبال التي تشد يديك وقدميك إلى الأرض، ومن فمك المربوط بمنديلي!
لم أكن أريد أن أراهم، لذا دفنت وجهي بين ركبتيّ، كنت أشعر بهم، وقلبي ينفطر، مر الوقت ثقيلاً قابضًا. وعندما عاد صوت فحيحهم، أدركت أنهم انتهوا، رفعت رأسي ورأيتهم يزحفون ببطء ليبتعدوا دون أن يرفعوا رؤوسهم. وحدها الأم الكبيرة العجوز، كانت تزحف ببطء تجاهي، رأيتها تتسلق ساقي، تلتف حول ذراعي، وأنا أجلس مقيمًا ركبتي في سكون، أخيرًا استقرت على كتفي، ثم تحرك رأسها وامتد ليقف أمام وجهي تمامًا، واقتربت ببطء لتلعق دموعاً غزيرة كانت تنزل من عيني.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة