رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

جانبك الآخر

بوابة الجمهورية

قصة قصيرة

بقلم: محمد عبد المنعم زهران


..أتجلس هنا دائمًا؟
وأنا أيضًا لمجرد أن أشرب الشاي وأمضي. أنت تجلس لتمضية الوقت، ولتروي حكايتك لأول غريب تصادفه، بينما أجلس لأنصت للحكايات. في الحقيقة لا أشعر بخجل حين أقول لك إنني أدخر كل شهر مبلغًا ثابتًا، لأستطيع تناول كوب شاي ساخن مساء كل اثنين، في هذا المكان الذي أحبه بأضوائه الهادئة وموسيقاه الكلاسيكية ومقاعده المريحة، ولكنه ليس كوب شاي فقط، ربما يمكن القول إنه كوب شاي وسر صغير، ولكنه سر يخصني وحدي.
يحدث الأمر دائمًا على هذا النحو، فبمجرد أن أجلس وأطلب شايًا أتطلع إلى كل الموائد وأترقب وجهًا شاردًا يجلس وحيدًا. تلتقي نظراتنا مرة وأخرى دون أن نبدي اهتمامًا. يتبع ذلك بقليل ابتسامة أو إيماءة لطيفة، في هذه اللحظة أكون مستعدًا لسماع حكاية ما. هذا ما حدث لي معك أيضًا. كنت أجلس وحدي كعادتي فأشرت لي بلطف، ولم أندهش لأن الجميع يفعلها، وكدت أحفظ الجمل المكررة مثل "رأيتك تجلس وحيدًا فقلت نتبادل حديثًا" أو "يبدو وجهك مألوفًا" في النهاية أقبل أن أكون رفيقًا على مائدة، وأستعد جيدًا ليبدأ الحديث الذي أنتظره، أحيانًا كثيرة أتوقعه، وفي الغالب لا أنجح أبدًا، لأن الأشخاص لا يبدون دائمًا كما يظهرون، أو ربما لأن الوجوه تتشابه في إطراقها وشرودها.
تعارفنا ببساطة وقلت لك إن اسمي "فؤاد" فقط ولم أكمل، لأنه يبدو أنك لم تكن تسمع، ففهمت أنك تريد نبدأ الآن، قلت لي وأنت تهز رأسك إنك تستعد للموت، وإن من حسن حظي أن أحظى بدقائق قليلة هي تحديدًا آخر ما تبقى لعجوز يعيش وحيدًا مع قطة عجوز أيضًا. وكعادتي لم أبد اندهاشًا، لأنني أدرك أن الحكايات التي يفضي بها أحد ما بعد شرب عدة كؤوس ويسكي لا تؤخذ على محمل الجد أبدًا. كما لم أتأثر حين رأيتك تبكي وأنت تحكي حكاية طويلة عن زوجة وابن وحيد ماتا في حادث، فالحكايات تشبه حكايات مشابهة لأغنياء يأتون هنا دائمًا، ويعانون الوحدة والألم، أو سيدات يحتجن لرفقة عابرة تتخللها حكاية ما. ولكنهم ربما لا يعيشون مع قطة أحبوها وماتت فجأة، كقطتك التي جهزت لها مراسم دفن لائقة ودفنتها بجوار زوجتك وابنك.
بعد أن انتهيت من حكايتك؛ لاح على وجهك هدوء وراحة، راحة من أفرغ توا ثقلاً يجثم على روحه، هذا يحدث مع الآخرين أيضًا، وبخبرتي البسيطة أدركت أن الأمر لا يعدو كونه حالة تنتاب أحدهم، ويكون عليّ أن أستقبل كامل الوجع على راحتيّ لأقذف به من النافذة المجاورة. أحيانًا تصاحبه دموع بسيطة وأحيانًا أخرى ضحك متواصل ثم صمت مفاجئ! وفي مرات قليلة نوبات بكاء هستيري مصحوبة بتأوهات مريرة تهز الجسد هزًا، لا يمكنني أن أخفي أنني في مرات قليلة كنت أبكي أيضًا.
وأنت بعد صمت طويل، أردت أن تسمع مني، فبدأت أحكي لك حكايات بعض من يجلس هنا، أنت رأيتهم يشيرون إليّ منذ قليل ليدعونني إلى موائدهم، ولكنني اعتذرت لأنني معك. انظر.. أترى هذا الرجل الذي يجلس هناك في هذا الركن؟ إنه شخص طيب جدًا، ولكنه صامت ومتجهم طوال الوقت، حكى لي أن مرؤوسيه يقولون عنه دائمًا إنه شخص ثقيل وكئيب، وإنه يتمنى أن يكون شخصًا لطيفًا ولكنه لا يعرف كيف؟
آه.. وهذا الشاب النحيف الذي يدخن باستمرار على منضدته، يكتب أحيانًا، وأحيانًا يقرأ، يشعر بالغربة في هذا العالم، إذ لا يوجد شيء يناسبه. قال لي ذات مرة إنه يكتب قصة عني! فانتبهت وتذكرت أنني قد حكيت له عن أشياء كثيرة تخصني، لا أعرف لماذا شعرت بضيق، ثم تحول الضيق إلى غضب لم أستطع كبحه، وقلت له بحدة إنني أكره أن يكتب عني أحد فشعر بالصدمة! تركت منضدته وعدت لمنضدتي، بعد قليل نظر إلي بعينين بائستين، وجمع أوراقه ومضى.
وهناك.. على هذه المنضدة البعيدة، تجلس دائمًا سيدة عجوز، هي ليست موجودة الآن، بالتأكيد أنت تعرفها، لأنها تجلس هنا كل يوم. بالأمس كانت تشعر بكآبة قاهرة فقط لأنها فشلت في العثور على مقاس مناسب لمعطف كانت تنوي أن تقدمه لابنها هدية عيد ميلاده! وأنتَ ضحكت أخيرًا وكنت أنتظر ضحكتك، ويبدو أنني قد نجحت في إبعاد فكرة الانتحار، فبدأت أقترح عليك فكرة شراء كلب، بدا عليك الحماس في البداية، ولكنك بعد قليل نظرت عبر النافذة وقلت إنه يتوجب عليك التفكير أولاً، في أيهما أفضل لحالك، شراء كلب أم المضي قدمًا في إنهاء حياتك؟!
وبدوري حكيت حكايتي المعتادة، بتفاصيلها المعتادة فاستغرقت في سماعها وابتسمت، واعتذرت لك لأنني لا أستطيع قبول مساعداتك، ولا يمكنني بأي حال قبول منحك شقة مستقلة لي في عمارتك. وعندما شعرت أنك غاضب قلت لك إنني سأفكر في الأمر، ورفضت بحسم أن تدفع لي ثمن الشاي، مثل كل من قابلتهم في هذا المكان الفخم.
أعلم أنك ربما تنتحر بعد ساعات قليلة أو ربما دقائق، أو ربما تكتفي باقتناء كلب، وربما كنتَ سكرانًا وستنسى كل شيء بعد خروجك. ولكن كل ماتبقى لك أن تعرفه هو أنني آتي إلى هنا وأتحمل ثقل حكاياتكم التعسة بحس الواجب الإنساني العميق، الواجب الإنساني لشخص طيب يدخر كل شهر مبلغًا يكفي لشرب كوب شاي، ليستمتع فقط بقطعة الكيك التي توضع في طبق صغير بجوار فنجان الشاي، كعادة هذا المكان باهظ الثمن. ربما أكترث لحكاياتكم وربما أتعاطف معها قليلاً، ولا أنكر أنني أحيانًا أبكي فعلاً، ولكن في النهاية كل ما أنتظره بفارغ الصبر هو أن آكل قطعة الكيك الصغيرة في نهاية كل حكاية، ثم أمضي مستقلاً الباص إلى حجرتي الصغيرة لأنام سعيدًا، تغمرني رائحة البرتقال والفانيليا المبهجة.
. . .
انتبه!
انتبه قليلاً إليّ!! لأن كل شيء لم يكن قد انتهى، لمجرد أنك تناولت قطعة الكيك الحلو! ورفعت يدك لتحييهم بلطف مغادرًا لتعود إلى حجرتك، تغمرك رائحة البرتقال والفانيليا المدهشة في نومك السعيد!! كان عليك أن تنتبه إليّ، لأنك بعد أن فرغت من سماع حكاية العجوز، ونهضت في طريقك للخروج من المقهى لم تلاحظ منضدتي، أو ربما لاحظتها وتجاهلتني بينما أجلس لأكتب!
أعتقد أنه كان من الخطأ أن تغضب مني يا "فؤاد"، إذ إن الأمر لا يستحق الغضب أبدًا، لمجرد أنني كنت أكتب قصة عنك، فما ينبغي أن تعرفه بيقين أنني انتهيت الآن من رواية حكايتك الجميلة، كما تحب أنت أن ترويها، ترويها هكذا من جانبك أنت فقط!! لأن لها -في الحقيقة- جانبًا آخر يبدو مختلفًا على نحو ما. عليك أن تكون واثقًا من أنني اخترت جانبك أنت، وتركتك لترويه مستمتعًا بما تروي وبإنسانيتك اللطيفة معًا، ولم أختر أبدًا جانبك الآخر!
صدقني يا فؤاد كنت كريمًا جدًا معك فلم أذكر أبدًا ما لم يكن بإمكانك إدراكه أو معرفته. فأنت تأتي يوم الاثنين فقط على أية حال، ولكن في الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت والأحد كانت تدور حكايات أخرى عنك أنت هذه المرة. في البداية كانوا يدعونك إلى موائدهم لأنك تبدو وحيدًا مهزومًا، ولم يكن بإمكانهم ملاحظة ما وراء نظراتك الهادئة الطيبة، بمرور الوقت تشابكت أشياء كثيرة في حكاياتهم عنك يا فؤاد، أشياء تتعلق بالشفقة وأحيانًا بالضيق، لأنك تنشر حكاياتهم بين كل الموائد! كيف لم يكن بإمكانك أن تدرك أنهم يتبادلون الأحاديث دائمًا؟ حتى قبل أن تظهر أنت في هذا المكان! أكنت تعتقد بسذاجة أنك مركز كل شيء هنا!!
بمرور الوقت، تأكدوا أن ما يكمن وراء نظراتك هو محض ازدراء لحكاياتهم السخيفة من وجهة نظرك، وبذكاء بسيط وإحساس تلقائي أدركوا أنهم فقط مجموعة من الأغنياء التافهين بالنسبة إليك، ورغم ذلك فقد تمكنوا من تجاوز كل هذا، وببساطة أيضًا اعتبروا أن يوم الاثنين هو يوم التسلية الكبرى بالنسبة إليهم! لذا فقد بدأوا في ابتكار حكايات لطيفة وغير حقيقية بالمرة، ليشعروك بالضيق أكثر، واستطاع العجوز الذي جلست إليه في المرة الأخيرة أن يسرد عليك بسهولة حكاية جميلة لفيلم "رجل يدعى أوف"، فقط ليستطيع أن يشعرك بالحنق أكثر، وليسطع على وجهك شعورك الحقيقي لهم بالازدراء. الحقيقة أن العجوز لم يبذل جهدًا في اختيار حكاية ما، إذ أن أحداث الفيلم كانت تدور خلفك مباشرة على الشاشة الكبيرة بالمقهى. أنت لم يكن بمقدورك أن تدرك أبدًا، لأنك كنت مستغرقًا في الإنصات، وأنت تفكر في ضآلة وسخف هؤلاء، كما لم يكن بإمكانك إدراك الغمزات والإيماءات والضحكات المكتومة التي كانت تمر- خلفك وأمامك وأحيانًا قريبًا من أذنيك- بين الموائد وبعضها البعض، لتصنع شبكة عنكبوت رقيقة وساخرة، تحيطك دون أن تدري لأنك ببساطة كنت تنصت بجدية وتأثر بالغين لحكاية فيلم على شاشة المقهى!
كانوا على وشك أن ينبذوك تمامًا، بتأثير تلك السيدة التي كانت مكتئبة لأنها تبحث عن مقاس مناسب لمعطف يلائم ابنها، أنت تذكرها طبعًا! كانت تقول دائمًا إنك مجرد حاقد صغير وموتور، لكن أشياء بسيطة جدًا وقفت بجوارك، هي أشياء بسيطة ربما بالنسبة إليك، ولكن بالنسبة إليهم كانت تتضمن معاني أكثر عمقًا، كان هذا عندما رأوك تتأثر فعلاً إثر سماعك لحكاية ما، كنت تتأثر لدرجة أدهشتهم. وفي يوم اثنين آخر كان العجوز يعاود ابتكار حكاية لك عن مقتبل حياته وهو شاب، عندما كان يمضي إلى الجامعة كل يوم ليقطع خمسة كيلومترات مشيًا على قدميه لأنه لا يجد أجر باص، وكيف أنه عمل نادلاً بمقهى شعبي، حكى لك ايضًا عن أيام كان يضطر فيها لأكل رغيف على مدار يومين، وفي الأعياد كيف أنه كان ينام ولا يذهب لصلاة العيد لأن بنطاله ممزق! وبينما يحكي رأوك تبكي بكاءً حقيقيًا، كان جسدك يرتعش، أنت ربما لم يكن بإمكانك أن ترى هذا الصمت الذي خيم على كل الموائد، والوجوه التي أطرقت صامتة، ووجوه أخرى اكتفت بأن غطت وجهها بيديها، أكاد أجزم بأن البعض كان يبكي فعلاً! كل هذا لأنهم رأوا أخيرًا جانبك الآخر، وكان حقيقيًا هذه المرة.
في النهاية قرروا بكرم بالغ وترفع مدهش أن يساعدوك رغم كل شيء، فقد أصر العجوز الطيب على منحك شقة صغيرة في عمارته دون مقابل، رغم أنك كنت ما تزال تفكر! كما ألحقك الرجل المتجهم طوال الوقت بعمل دائم بمرتب معقول في شركته، وقال لك بمرح إنه لا يجد غضاضة في أن تنضم لقائمة مرؤسيه الذين يكرهونه لأنه كئيب.
بعد مرور وقت قصير أدركوا أن ما وراء نظراتك الطيبة قد تحول إلى ما يشبه الامتنان الحقيقي، لذا لم يكن غريبًا أن تقوم السيدة التى كانت تكرهك بإهدائك معطفًا فخماً من الكتان ليلائم الصيف، وأن تصر على أن تُلبسه لك لتتأكد من ملائمة مقاسه.
ويوم الإثنين الماضي.. هل تتذكره؟ دخلت ورأيتني وأنا أكتب، فبدأت أكتب أنك رمقتني بضيق بينما أشرت لهم محييًا، لأنهم كانوا يتناولون الغداء. أكتب أيضًا أنك طلبت غداء، وبعد أن فرغت طلبت شايًا، وعندما وضع النادل قطعة الكيك برائحة البرتقال والفانيليا المبهجة أمامك، اعتذرت له بود بالغ وقلت إنك لا تفضل الحلو بعد الغداء.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة