قمة أثينا .. آفاق واعدة.. وسط اضطرابات تموج بها المنطقة

مصر-اليونان-قبرص .. علاقات غير مسبوقة من المتانة والقوة
تشهد العلاقات المصرية مع كل من قبرص واليونان حالة غير مسبوقة من المتانة والترابط، تصل بها إلى درجة التحالف بين الدول الثلاث. ولا شك في ان المتغيرات والعوامل السياسية التي تموج بها منطقة شرق المتوسط وحالة الاضطراب التي تجتاح دول المنطقة، ابتداء من سوريا ولبنان ووصولا إلى ليبيا، تجعل من العلاقة بين الدول الثلاث نموذجًا يحتذى في التعاون والتنسيق، بل والتحالف في مواجهة التحديات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة.

من هنا تأتي أهمية القمة الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص في العاصمة اليونانية أثينا، والتي شارك فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء اليونان "كيرياكوس ميتسوتاكيس"، والرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس".
الربط الكهربائي .. خطوة لتحقيق أمن الطاقة لأوروبا
تأتي هذه القمة أيضًا في وقت يشهد فيه العالم أزمة مفاجئة في الطاقة، فرصت ظروفًا ضاغطة على اقتصاديات الكثير من الدول، وقد يكون لها عواقب وخيمة على المدى القريب. ولا شك في ان دول الاتحاد الأوروبي من بين الأكثر تأثرًا بهذه الأزمة التي تتواتر أخبار آثارها السلبية، ساعة بعد أخرى، ومن هنا تأتي أهمية مشروع الربط الكهربائي بين بين مصر واليونان وقبرص.

بالطبع لم يكن التعاون والتحالف بين الدول الثلاث وليد اليوم، فهذه القمة هي التاسعة بين الدول الثلاث، حيث قال الرئيس عبد الفتاح السيسى، في مستهل اعمال القمة، إنه علي مدار الأعوام القليلة الماضية؛ أسهمت آلية التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص في الاتفاق على مشروعات للتعاون في قطاعات الطاقة والسياحة والنقل والزراعة وغيرها،
كذلك أكد الريس السيسي أن ثمة آفاقًا واعدة لتعزيز روابط التعاون بين دولنا الثلاث في عدد آخر من القطاعات الحيوية كالسياحة والبيئة ومواجهة ظاهرة التغير المناخي، ننطلق فيها استناداً إلى حرصنا المتبادل على الاستفادة القصوى من إمكاناتنا ومواردنا التي تؤهلنا لتحقيق تطلعات شعوبنا نحو مزيد من الرفاهية والرخاء.
ومن جانبه أكد رئيس وزراء اليونان، أن مصر تستطيع القيام بدور محورى فى موضوع أمن الطاقة لأوروبا، وهو أمر استراتيجى لنا، وهو ما يرتبط بتوقيع اتفاقية التعاون اليوم للربط الكهربائى، مشيرًا إلى أن مصر مركز مهم للطاقة في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن هذه هى القمة التاسعة بين البلدان الثلاث للتعاون فيما بينها.

وقال الرئيس السيسي أنه من المهم أن نعمل سوياً للبناء على هذه الخطوة الأوّلية للربط الكهربائي بهدف إيجاد زخم مواز فيما يتصل بمسعى إنشاء خط أنابيب بحري لنقل الغاز الطبيعي من حقل «افروديت» القبرصي إلى محطتيّ الإسالة المصريتيّن بدمياط وإدكو تمهيدًا لتوريد الغاز المُسال من مصر إلى اليونان، ومنها لاحقاً إلى كثير من دول أوروبا.
الاستفادة من الغاز الطبيعي بالمتوسط ..مع احترام سيادة الدول
وأكدت مصر على الطموحات المنشودة من تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط وحسن التخطيط لمشروعات التعاون الإقليمي، وتعظيم استفادة الدول الأعضاء وشعوب المنطقة من مخزون الغاز الطبيعي والثروات الهيدروكربونية بالبحر المتوسط، وبما يتسق مع قواعد القانون الدولي ومبدأ احترام سيادة الدول على أقاليمها ومواردها.
وتولي مصر اهتمامًا خاصًا بتعزيز التعاون بين الدول الثلاث في مجالات الطاقة سواءً بشقها التقليدي أو ارتباطاً بمصادرها المتجددة؛ وهو ما أكد عليه الرئيس السيسي، حيث قال: إنه لمن دواعي سعادتي الشخصية أن أكون شاهدًا اليوم على توقيع الاتفاق الثلاثي في مجال الربط الكهربائي للبناء على ما جرى منذ أيام بإبرام اتفاقيتيّن ثنائيتيّن لربط الشبكة الكهربائية في مصر مع كل من اليونان وقبرص على المستوى الثنائي، “الأمر الذي نعتبره بمثابة خطوة تمهيدية تقربنا للهدف المشترك الذي نطمح إليه، ألا وهو الربط الكهربائي لاحقاً مع بقية أرجاء القارة الأوروبية".
وانطلاقًا من حرص الدول الثلاث على تحقيق الاستقرار والأمن في ليبيا الشقيقة، قال الرئيس عبد الفتاح السيسى، إن مصر واليونان وقبرص يدعمون إجراء الانتخابات الليبية في ديسمبر المقبل، وخروج المرتزقة من الأراضي الليبية.
وبالطبع، فلا يمكن التطرق إلى منطقة شرق المتوسط دون التأكيد الدعم المتجدد لمساعي جمهورية قبرص بهدف إيجاد حل شامل وعادل للقضية القبرصية استنادا لقرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن ذات الصلة، وعلى نحو يؤدى إلى إعادة توحيد شطريّ الجزيرة، مع التأكيد على أهمية التزام كل الأطراف المعنية بعدم انتهاك المياه الإقليمية أو المجال الجوي سواءً لجمهورية قبرص أو لجمهورية اليونان، وهو الأمر الذي أكد عليه الرئيس السيسي في تصريحاته.
المواقف الصعبة.. أظهرت استعداد الدول الثلاث لدعم بعضها البعض
لقد حققت آلية التعاون الثلاثي إنجازات مهمة للدول الثلاث حتى الآن، حيث نجحت هذه الشراكة منذ بدايتها قبل نحو ثمانية أعوام في تكريس أهمية التشاور الدوري والتنسيق الوثيق حول الملفات الإقليمية والدولية التي تؤثر على الدول الثلاث وكل شعوب المنطقة، وأوضح الـرئيس السيسي أن هذه الشراكة عكست التزامًا متبادلاً بترجمة هذا التعاون سياسيًا ودبلوماسيًا إلى مشروعات مثمرة على أرض الواقع، وفي مختلف القطاعات الاقتصادية والثقافية والأمنية والعسكرية. وبالإضافة لذلك، شهدت الآونة الأخيرة تحديات وأزمات طارئة مثل حرائق الغابات، ومن قبلها جائحة «كورونا» التي فرضت تحديات صحية واقتصادية صعبة، أظهرت كلها استعداد الدول الثلاث لدعم بعضها البعض في المواقف الصعبة.
وحرصًا على ما توليه مصر من أولوية قصوى لمسألة الأمن المائي وحقوقنا في مياه نهر النيل، عرض الرئيس السيسي هذه القضية في القمة، باعتبارها قضية مصيرية تستوجب بذل كل الجهود الممكنة للتوصل لاتفاق قانوني مُلزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي.
وللتأكيد على مساعي مصر السلمية والتزامها الأخلاقي بالحل السلمي للخلافات بين الدول، عرض الرئيس على قيادتي قبرص واليونان آخر المساعي المصرية للوصول لحل عادل لهذه القضية في مواجهة التعنت غير المبرر أو المفهوم أو المقبول، من الأشقاء في إثيوبيا.
ومن المسلم به أن تتناول القمة الثلاثية المصرية-اليونانية-القبرصية ملفات مهمة ذات صلة مع أمننا القومي، ولها تأثير كبير على مجمل حالة الاستقرار في جوارنا الإقليمي المشترك، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والملف الليبي والوضع في سوريا وسبل دعم لبنان الشقيق.
وقد عرض الـرئيس السيسي خلال كلمته الخطوات المهمة التي قامت بها مصر في ملف حقوق الإنسان بإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في سبتمبر الماضي، فضلاً عن بحث سبل إطلاع شركائنا الأوروبيين على هذه التطورات المهمة، بحيث تتضح جدية مساعي الدولة المصرية لإعلاء حقوق وكرامة مواطنيها من منظور شامل.
الحقيقة أن قمة "أثينا" تهدف إلى البناء على ما تحقق خلال القمم الثماني السابقة وتقييم التطور في مختلف مجالات التعاون ومتابعة المشروعات الجاري تنفيذها في إطار الآلية، وذلك في إطار تعزيز العلاقات المتميزة بين الدول الثلاث، بالإضافة إلى دعم وتعميق التشاور السياسي بينهم حول سبل التصدي للتحديات التي تواجه منطقتي الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وهو ما أكد عليه السفير بسام راضي المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية.