ناهد
قصة قصيرة
بقلم: عصام علي
لم يكن يتوقع في يوم نيل حكمة من امرأة، لكن القدر ألهمه ناهدَ!
فتاة لما تتجاوز العاشرة من عمرها، حدقان سوداوان يسبحان في ماء ماسي طازج البياض، شعر أسود رقيق تعتليه حمرة الكدّ الداكنة، تتطاير من فوق عينها شعيرات ؛ لتخفف من رؤيتها الحزينة لعالم أسود ماكن حولها، قامة نحيلة العظم واللحم، تجلس بجوارك كأن نحلة رزينة تخالف عادة سياحة فضائها؛ لتهبك رؤيتها عن قرب دون إجهاد بصرك؛ فعادتها العطاء المبرأ من المقابلات، والأخذ الذي يقابله منح الأرواح!
نظر إليها فوجد نفسه ضئيلا أمام ضآلتها، غرق في مأساة عينها، رَبّتَ على كتفها قائلا :
- صائمة؟
- نعم؛ ولذاك ابعد يدك عني!
- منذ متى وأنتِ صائمة؟
- الفقراء لا يعرفون غيره، حياتهم كلها صوم .. حياتهم كلها منع؛ ولذاك هم أسعد منكم! تتعدد أطعمتكم، ويدوم واحد طعامنا، وقد يذهب؛ لنبيت دونه، ورغم ذلك نتم سويا الحياة، ومع ذاك كلنا يرحل بإرادة الله!
لا أعرف ما هي فلسفتكم حين تجلسون على موائد طعامكم، وتنوعون بين الأصناف والألوان؟! ألا يدري أحدكم أن مآلها إلى مخرج واحد، وأن هضمها في مكان واحد، وأن مذاقها الوقتي - مهما اختلف - فنهايتها متفقة، ولن يأخذ أحد منها إلا ما أراده الله - تعالى-
- هل تعملين؟
- نعم أعمل في حقول الكُزبرة الخضراء، أقوم بِتربّيطها، مائة من الرُبَط بجنيه واحد، مائة مجهود مكرر بجنيه واحد، وإني لأرى الجنيه من خلف هذا العمل لكبير جدا!
- تغرغرتْ دموعُ عينه، كأنها شعرتْ ببكائه، توجه أمامها شاردا في عالمها العميق!
- ما اسمكِ؟
- ناهد
تمتم قائلا: سبحان ربي! هل عشقها البروز والصمود قبل مجيئها؛ فألهم أبويها اسمها؛ ليكون اسمها عنوانا لحياتها؟!
- كم تنجزين في اليوم من وراء ذلك العمل؟
ربما أربط أربعمائة ربطة، لكن صاحب المحصول يجور فيظلمني في خمسين وآخذ - حامدة - ثلاثة جنيهات ونصف، أذهب بهن لأمي؛ لتسد بهن من احتياجاتنا ثغرا!
أطرق كثيرا وأثناء ذلك انسابت من أمامه كما ينساب الماء من بين الأصابع، بحث عنها كضال في الصحراء أججه العطش، فأخذ يهرول في كل اتجاه باحثا عن الماء، وما وجدها..
لازمته صورتها طوال يومه، وعندما جلس على مائدة إفطاره اكتفى بالقليل .. وتذكر ناهدَ ...