لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك.. تهز عرفات.. وتزلزل القلوب
ارتجت مخيمات عرفات منذ ساعة مبكرة من صباح اليوم، الخميس، بأصوات الحجيج رافعين التلبية , لبيك اللهم لبيك لبيك لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ ، بهذا الدعاء المبارك , ملبين مهللين يرجون من الله الرحمة والمغفرة والعودة إلى ديارهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.
وأجمع الفقهاء على أن الوقوف بعرفة في يوم التاسع من ذي الحجة ركن من أركان الحج، وثبت ذلك في حديث عبد الرحمن بن يعمر، أنه قال: «شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الحج عرفة، الحج عرفات من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج أو تم حجه».
متى يبدأ الوقوف بعرفة
ويبدأ الوقوف بعرفة منذ فجر اليوم التاسع من ذي الحجة، وحتى طلوع فجر اليوم الذي يليه؛ والذي يُسمّى بيوم النَّحر، وهو يوم العيد، وينهي فيه الحُجّاج وقوفهم على عرفة، واسم هذا اليوم مُركَّب من كلمتَي: يوم، وعرفة، أما كلمة يوم فتدل على زمان مُخصَّص، بينما تدل كلمة عرفة على مكان مُعيَّن مُحدَّد، ولهذا المكان مكانة عظيمة؛ لتعلُّقه بشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي الوقوف بعرفة في موسم الحَجّ، وورد ذِكره بلفظ عرفات في قوله -تعالى-: «فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ».
وحرصت السلطات السعودية على توفير كل سبل الراحة لتسهيل وصول ضيوف الرحمن إلى عرفات من خلال محاور رئيسية مجهزة بجميع الخدمات المرورية والإسعاف وجميع الإرشادات الخاصة بتوجيه الأتوبيسات إلى مواقعها وفقًا لما تم الاتفاق عليه ومعاينته مع مسئولي الطوافة والجهات المنفذة لرحلات الحج. من مختلف البلدان الإسلامية.
يباهي الله بهم ملائكته
قال الشيخ إبراهيم رضا، الداعية الإسلامي، إن خير أيام الدنيا يوم عرفة، مشيرًا إلى أن الله تعالى يباهي بالحجاج الملائكة عند وقوفهم بعرفات.
واستشهد «رضا» بما روته السيدة عَائِشَةُ -رضي الله عنها- إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ اشْهَدُوا مَلاَئِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ». رواه مسلم (1348)، والنسائي وابن ماجه.
حكم التلبية الجماعية
أكد الشيخ عويضة عثمان، مدير إدارة الفتوى الشفوية وأمين الفتوى بدار الإفتاء، أن الأيام العشرة الأوائل من ذي الحجة هي أيام نفحات لحجاج بيت الله الحرام ولغيرهم، مشيرًا إلى أن مشاركة الحجاج بترديد التلبية هو ذكر مُحبب في هذه الأيام.
وأوضح «عويضة»، أن التلبية هي نوع من أنواع الذكر، سواء بترديد «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، أو بالتكبير ونحوه من صيغ الذكر الأخرى، هو أمر مطلوب في هذه الأيام المُشرفة.
وقال إن الذكر بكل صيغه وقراءة القرآن، مطلوب ومُحبب في كل وقت، خاصة في هذه الأيام العشر الأولى من ذي الحجة، لأنها هي أيام ذكر وطاعة، وعلى المُسلم أن يغتنم فضلها ويُجرى ذكر الله والتكبير على لسانه.
معنى التلبية
وبيّن الشيخ أحمد ممدوح، مدير إدارة الأبحاث الشرعية وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن هذه التلبية تعني "أستجيب لك يا رب"، فكأن القائم بالنُسُك يقول لله تعالى ها أنا ذا استجبت لك، وسميت هكذا لكي تعبر عن تكرار الاستجابة.
حكم التلبية
ونوه الشيخ أحمد ممدوح، بأن هناك خلافًا بين العلماء حول ما إذا كانت التلبية في الحج واجبة أم سُنة، فمنهم من رأي وجوبها وذهب الجمهور إلى أنها سُنة.
وألمح «ممدوح» إلى أنه إذا اكتفى القائم بالنُسُك بالنية القلبية، فهذا واف، فيما إذا ضم إليها التلبية فهذا أفضل، مشيرًا إلى أن عكس ذلك، أي أنه لبى ولم ينو، فلا ينعقد الإحرام بتلبية دون نية، لأن الإحرام قصد ونية، أما التلبية فهي أمر زائد مقدم على النية.
حكم تلبية الحائض
وأفاد الشيخ أحمد ممدوح، مدير إدارة الأبحاث الشرعية وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، بأنه يستحب للمحرم أثناء الحج أن يلبي قائمًا وقاعدًا وراكبًا على جميع أحواله، مؤكدًا أن الحائض والجنب لا يمنعان من التلبية.
ولفت ممدوح إلى أن ألفاظ التلبية وردت في الذي روي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ».
وأبان بأن قول «لَبَّيْكَ» هُوَ لَفْظ مُثَنًّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ يُونُس: "هُوَ اِسْم مُفْرَد وَأَلِفُهُ إِنَّمَا اِنْقَلَبَتْ يَاء لاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ. وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاء مَعَ الْمُظْهَر. وَعَنْ الْفَرَّاء: هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر، وَأَصْله لَبًّا لَك فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيد أَيْ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَاب، وَهَذِهِ التَّثْنِيَة لَيْسَتْ حَقِيقِيَّة بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ الْمُبَالَغَة".
رفع الصوت بالتلبية
ونبه الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، على أن أفضل أنواع الحج ما اشتمل على رفع الصوت بالتلبية وإراقة دماء الهدي.
واستدل «الجندي» بما روي عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سُئِلَ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ»، موضحًا أن المقصود بـ«العج»: هو رفع الصوت بالتلبية باعتدال، أما «الثج» فإسالة دماء الهدايا -الذبائح-، وقال تعالى: «وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا» أي سيالًا.
3 أخطاء في التلبية
كشف الدكتور محمد الشحات الجندي، عن أن هناك أخطاءً في التلبية يقع فيها الحاج، ومنها ترك التلبية، أو خفض الصوت بها، وهذا خلاف السنة، بل السنة أن يرفع الرجال أصواتهم، وتخفضها النساء؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» رواه أبو داود.
وذكر أن بعض الحجاج يقول: «اللهم إني أريد العمرة -أو الحج- وهذا خطأ، والصواب أن يقول: لبيك حجًا وعمرة إذا كان قارنًا، أو يقول: لبيك عمرة إذا كان متمتعًا أو معتمرًا فحسب، أو يقول: ليبك حجًا إذا كان مفردًا».
وشدد على أن بعض الحجاج يقول التلبية بعدم التدبر في معناها، موضحًا: «فإنها تحمل معنى الاستجابة لأمر الله والانقياد له، والإقبال عليه رغبة ورهبة، فالواجب التفكر في معاني ألفاظها حتى تخرج خالصة من القلب».