فى الليلة الـ 55 من ذكر وفكر البودشيشية: المرونة المعرفية.. تخلق جيلا أكثر حكمة وواقعية
أكد خبراء التصوف أن إتاحة المرونة المعرفية، والجدل الفكرى على أسس علمية، ينتج جيلا من الشباب الأكثر حكمة وواقعية القادر على النهوض بالأُمّة من كبواتها، والوصول بها إلى مصاف الأمم.
جاء ذلك خلال فعاليات الليلة الخامسة والخمسين من ليالي الوصال الرقمية "ذكر وفكر في زمن كورونا"، التي نظّمتها مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية، ومؤسسة الملتقى، بالتعاون مع مؤسسة الجمال، حول موضوع "مكانة الحكمة وأثرها في حياة الفرد والمجتمع".
توزَّع برنامج هذا السمر العلمي والروحي بين المداخلات العلمية والوصلات الإنشادية، وشهادات حيّة لمريدي الطريقة من خارج المغرب، الذين أبرزوا من خلالها الأثر الايجابي للطريقة على حياتهم وتربيتهم، من بينها شهادة كل من أحمد شامي وعمر ديغون من مدينة بروكسيل.
افتتحت الليلة الرقمية بآيات بيّنات من الذكر الحكيم بصوت المقرئ حكيم عبدالرحيم من السودان، ليفسح المجال أمام أولى المداخلات العلمية، التي كانت للدكتور محمد مصطفى عزام- استاذ التعليم العالي- بيّن من خلالها أن علماء الشريعة ركّزوا على المقاصد الضرورية فالمقاصد الحاجية ثم المقاصد التحسينية، مشيرا إلى أن هذه المقاصد الضرورية هي خمس: حفظ النفس، الدين، العقل، النسل ثم حفظ المال، مؤكدا على أن حقيقة العبودية هي الرجوع في كل شئ الى الله على حد الاضطرار، و أن الاضطرار مجلبة الإخلاص والإخلاص سر الإجابة.
لتتلوها المداخلة العلمية الثانية للدكتور لحسن الخاوي- عضو المجلس العلمي لتزنيت- الذي تناول موضوع "اغتنام الأوقات للتعرّض للنفحات"، انطلاقا من حديث رسول الله (إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزَّ وجلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقَى بَعْدَهَا أبدًا)، مؤكدا أن التعرّض لنفحات الله هو التعرّض لعطاءات الله العظيمة.
فيما المداخلة العلمية الثالثة فكانت للدكتور محمد باحطاط- الأستاذ بجامعة سان تيتيان بفرنسا- حول الحكم العطائية، لتعقبها المداخلة العلمية الرابعة، للدكتورة أسماء المصمودي- الباحثة بمركز دراس بن اسماعيل لتقريب العقيدة والمذهب والسلوك بالرابطة المحمدية للعلماء بفاس- حول موضوع: "مقومات الصحبة وشروط سلامتها في السلوك الروحي"، استعرضت الشروط التي يجب أن تتحقق في الشيخ المربّي في التربية الصوفية من خلال العلم وكذا الدعوة بالموعظة الحسنة.
أما المداخلة العلمية الخامسة، فكانت للدكتور طارق العلمي- باحث بمركز الامام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية بالرابطة المحمدية للعلماء بوجدة- حول موضوع "التجربة الصوفية والوراثة الروحية"، أبرز من خلالها أن الولاية الصوفية عملت على مقاربة نموذجية مُثلى بكل أبعادها السلوكية والاخلاقية، مشيرا الى أن الولاية الصوفية يرجع لها الفضل في الإفصاح عن الأبعاد الروحية للذات المحمدية.
الحكمة بكل اللغات
فيما كانت المداخلة العلمية السادسة للدكتور منير القادري بودشيش، مدير مؤسسة الملتقى ورئيس مركز المركز الأورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم، والتي حملت عنوان "مكانة الحكمة وآثارها في حياة الفرد والمجتمع"، واستهلها باستقراء مجموعة من التعاريف التي أُعطيت للحكمة سواء عند الغرب أو العرب، وأشار الى أن للحكمة مكانة عظيمة في دين الله وحياة الناس، إذا اتصفت بها أقوال وأفعال العباد صار لها قدر وقيمة، وإذا تباعدت عنها استحقَّت الذمّ ووصفت بالرعونة والطيش والحمق، مذكّرا بقوله عزّ وجلّ: "وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً" [سورة البقرة: 269]، وموردا قوله صلى الله عليه وسلم "الكلِمةُ الحِكمةُ ضالَّةُ المؤمِنِ فحيثُ وجدَها فَهوَ أحقُّ بِها" (رواه الترمذي وابن ماجه).
أوضح أن الحكمة هي وضع الشئ موضعه وتوفية الأمر حقّه، وهى القول الصائب والمثل السائر، وهي الإيضاح والبيان، وزاد أنها مَلَكَة يتأتَّى معها وضع الأمور في مواضعها، ووزن الأمور بموازينها، حتى سمّي العلم حكمة، لأنه يردع صاحبه عن الباطل ويعينه على الحق.
وفي ذات السياق ذكّر بما جاء عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "ضمّني رسول الله إلى صَدْرِهِ، فدعا لي وقالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ" [رواه البخاري]، إضافة الى إيراده بعض أقوال سلف الأمّة، منها قول ابن القيم في مدارج السالكين "والله تعالى أورث الحكمة آدم وبنيه، فالرجل الكامل من له إرث كامل من أبيه، وأكمل الخلق في هذا الإرث الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا امتنّ الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمّته بما آتاهم من الحكمة كما قال تعالى: (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) [النساء:113].
ولفت الى أن الحكمة من جملة ما أعطاه الله لنبيه، مستشهدا بقوله تعالى: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (آل عمران 164)، وبيّن أن هناك توجيها ربانيا لنبيه من خلال قوله تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" [النحل: 125]، مؤكدا أن هذا التوجيه الرباني الكريم، وإن كان موجّهًا إلى النبي فهو أمر لأمّته جميعًا.
واستعرض د. القادرى، مجموعة من أهم فوائد الحكمة، أولاها أنها تُعدّ من أهم طُرق التواصل مع الله، فهي تُقرّب العبد إلى مولاه، وثانيها أنها صفة من صفات الأنبياء والصالحين، وثالثتها أنها ترفع من درجات الإنسان وتزيده تشريفًا وقدرًا بين الناس، ورابعتها أنها تدفع الإنسان للعمل وفقًا لأحكام الشريعة مما يجعله مُصيبًا في أقواله وأفعاله وتفكيره، وخامستها أنها تمنع الإنسان من ارتكاب السوء والمحذورات والتجنّي على غيره من الناس.
وأكد أن المؤمن الحق مطالَب بأن يبحث عن الحكمة؛ ليتعلّمها ويُعلِّمها في كل مجالات حياته، داعيا الى إعلاء قيمةَ الحكمة في بيوتنا ومجتمعاتنا، معتبرا أنه من غير المعقول أن يكون لدينا المنهج الإلهيُّ والميراث النبوي، ثم بعد ذلك نكون أبعدَ الناس عن الحكمة قولًا وفعلًا!
وأشار الى إن الحكمة من وجهة نظر عرفانية تعني استخدام أرشد الطرق وأفضلها لإقامة منهج الله تعالى، وتيسير السبل لتحقيق غايات الله في خلقه، وأنها عطاء كبير من الله لا يمكن أن نأخذه من دون اتصال به، لقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [ سورة الجمعة الآية: 2 ]، والحكمة لا تُنال إلا بطاعته عزَّ وجلَّ، وأن من أعظم أسباب ذلك "التجرّد والإخلاص والتقوى وطلب العلم الشرعي من مظانه، والاستشارة والاستخارة، وبُعد النظر وسمو الأهداف وفقه السنن الكونية والشرعية، والعدل والتثبّت والمجاهدة والدعاء والصبر والرفق ولين الجانب"، مستشهدا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم "من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"، (رواه أبو نعيم في الحلية، والسيوطي في الجامع الصغير).
وتطرّق الى أقوال مجموعة من المفكّرين الغربيين بشأن الحكمة، منها ما ورد في دراسة الباحث "جنيفر جيدلي" من جامعة سيدني والمعنونة بـ"تعليم للجميع أم تعليم للحكمة"، والتي جاء فيها "أن ما يحتاج إليه العالم الآن هو نُظُم تعليمية متماسكة على مستوى كل من المدرسة والمجتمع، تساندها نظم معرفية من مستوى أرقى تشمل الكون كله، وهذه النظم المعرفية هي التي تدعو إلى جعل الحكمة هدفا لعملية التعلّم، وجعل التغيّر هدف المجتمع المتعلّم، وهذا يجعل الحكمة ترسي دعائم التشبّع بروح الحوار والتسامح وقبول الآخر ونبذ العنف والكراهية والتعصّب والصدام مع الآخر".
الصوفى الحكيم
ونبّه د. القادري الى أن الصوفي عند الصوفية هو الحكيم، المتحلّي بالحكمة، وأن من لم يكن حكيماً فليس له حظٌّا من التصوف، موردا قول ابن عربي "ومن شروط المنعوت بالتصوف: أن يكون حكيماً ذا حكمة؛ وإن لم يكن فلا حظَّ له من هذا اللقب".
وتابع: أن الطرق الصوفية منذ نشأتها عبر مدرسة التصوف، سعت إلى التأكيد على ثمرات صحبة الشيخ العارف بالله في تهذيب النفوس وتوجيهها إلى أهمية حسن الظن بالله وبعباده، وأن صلاح أحوال العباد و البلاد مرتبط ارتباطا وثيقا بصلاح القلوب. والتصوف مدرسة تسعى إلى تقديم رؤية شمولية للتربية المتكاملة، تربية تعتمد على القيم الروحية والاخلاقية أساسا لبناء شخصية الإنسان المتكامل جسدياً وعقلياً وروحيا انفعالياً ووجدانياً، وجعله شخصا مبدعاً ومتكاملاً وحكيماً في استثمار هذه المعرفة لخيره ولخير المجتمع.
وشدّد على أن الصالح العام ومستقبل الأمّة الإسلامية والبشرية جمعاء، يقتضي أن تتضافر جهود جميع الفاعلين من أجل تحفيز التفكير الجدلي والتكاملي والمرونة المعرفية لدى الشباب وتعليمهم مهارات حياتية قيّمة، تكسبهم مزيداً من الحكمة في التعامل مع الحياة واتخاذ القرارات، فذلك سيعطينا جيلا أكثر حكمة وواقعية من ذي قبل وأكثر وعيا بمقومات ماضيه وحاضره وأكثر ثقة بالنفس واستعدادا لمواجهة التحديات المستقبلية في زمن متسارع الأحداث.
وتناولت الفقرة الصحية "الصحة والروح أي ارتباط"، بيّن من خلالها المتدخل أن وجود صحة روحية جيدة، يعزِّز قدرة الإنسان على محاربة السلبيات التي يتعرّض لها من خلال بثّ روح التسامح والخير والثقة بالنفس.
تخلّلت هذه الليلة العلمية والروحية وصلات من النغم والمديح لمسمّعين من داخل المغرب وخارجه، شنّفوا مسامع وقلوب المتابعين، ويتعلّق الأمر بكل من المنشد طارق العبيد من مدينة برشلونة، والمنشد حكيم خيزران من المغرب، ومجموعة من مسمّعي الطريقة بكل من مدن تزنيت، مكناس، ومجموعة الصفا من فرنسا، والمجموعة الرسمية للطريقة القادرية البودشيشية، إضافة الى برعمات الطريقة بمذاغ.
واختتمت أطوار هذا السمر الروحي بفقرة "من كلام القوم"، خصصها إبراهيم بلمقدم- باحث مؤطر بمركز أجيال للمواكبة والوقاية والتمنيع بالناظور التابع للرابطة المحمدية للعلماء- للحديث عن "شذرات من كلام العارف بالله عبدالوهاب الشعراني" من خلال كتاب الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية".