أم الدنيا
مصر، الفاتنة الساحرة، درة تاج الشرق وواسطة عقد قلوب العرب، سكن حبها نفوس أبنائها حتى لم يدع في قلوبهم فراغا لغيرها، نسمع اسمها فتتقافز أضلاعنا حول قلوبنا من فرط حبها، نتغرب عنها فيكاد الحنين يشق حجاب القلب اشتياقا لها؛ فما أسمج وجه الحياة بعيدا عنها، وما أشد ظلمة نهار شمسه أشرقت بغير سمائها.
مسميات وألقاب كثيرة اشتهرت بها مصر، المحروسة، هبة النيل، أرض الكنانة، الشقيقة الكبرى، وهذا الأخير يظهر على الساحة السياسية عند حدوث بعض القضايا الشائكة التي تستدعي وجود مصر وقيامها بالدور المنوط بها في المنطقة؛ فتستدعيها البلدان العربية الشقيقة لحل الأزمة من أجل استقرار الأوضاع، وما انتفاضة القدس منا ببعيد، إلى غير ذلك من مسميات وألقاب أطلقها العرب والمؤرخون على مصرنا حبا فيها واعترافا بفضلها.
لكن أكثر تلك المسميات شهرة وذيوعا، "أم الدنيا"، وقد قيل أن من أطلق هذه التسمية عليها ابن خلدون، وقيل أن من سماها بذلك هو سيدنا نوح عليه السلام وكان قد لاقى بعض الخير في ابنه " مصرايم" فدعا له أن ينزله الله في " غوث العباد وأم البلاد"، فطارت الكلمة في الآفاق تقطع الأجيال وتتخطى رؤوس القرون حتى وافتنا إلى يومنا هذا، أما اسم " مصر " فهو نسبة إلى " مصرايم " بن سيدنا نوح عليه السلام.
ألا يدعونا كل ذلك أن نتأمل تلك العبارة الجميلة التي ذاع صيتها وتناقلها الناس من أين أتت وما مصدرها؟!
قيل أنها سميت بذلك لأنها صاحبة أعرق حضارة امتدت عبر آلاف السنين، وقيل بسبب مكانة مصر الثقافية والفنية ولأن اللهجة العامية المصرية هي أكثر اللهجات شهرة وأوسعها انتشارا بين ربوع الوطن العربي، وذهب البعض إلى أن الرومان هم من أطلقوا عليه هذا الاسم لأنها كانت المصدر الأساس لتزويد الإمبراطورية الرومانية بالطعام والقمح، وقد كانت مصر دائما هي سبب الخير ومصدره، حتى في أشد أوقات القحط كانت مصر قادرة أن تكفي أهلها والعالم في الوقت الذي قعدت فيه بقية البلدان عن كفاية أهلها فضلا عن غيرهم، فهي كما عهدنا دائما لا تزيدها الأزمات والشدائد إلا قوة وصلابة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن تلك التسمية لها أصل علمي وراثي، فإذا كانت هاجر أما للعرب، وإبراهيم عليه السلام أبا للعرب، وإذا كان إسماعيل عليه السلام من أب عراقي وأم مصرية، فالعرب إذن أنصاف عراقيين، أنصاف مصريين، أي يحملون في جيناتهم الحضارة المصرية والبابلية في آن.
وما دمنا نتحدث في الكروموزومات والجينات؛ فالتفكير العلمي يقودنا إلى أن إسماعيل عليه السلام يحمل "x" كروموزوم من والدته هاجر المصرية، "y" كروموزوم من والده إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام، ثم تزوج إسماعيل عليه السلام من امرأة مصرية "xx" كروموزومات مصرية، جاءت منهما إناث تحمل كرومزومات "xx" مصرية، أحدهما خلال إسماعيل من أمه هاجر عليهما السلام، والآخر خلال زوجته المصرية؛ وبناء على هذا التفسير البيولوجي تكون نساء العرب جميعا "xx" مصريات مائة بالمائة.
أما أبناء إسماعيل عليه السلام وزوجته المصرية، فيحملون "x" كروموزوم مصرية من جدتهم هاجر خلال ابنها إسماعيل عليه السلام، "y" كروموزوم عراقية من جدهم إبراهيم عليه السلام؛ وعليه، يكون رجال العرب أنصاف مصريين أنصاف عراقيين.
الشيء الجميل أن الهندسة الوراثية أثبتت مؤخرا أن جينات الفكر والذكاء محمولة على الـ"x" كروموزوم وليس الـ"y" كروموزوم، وعلى هذا يكون رجال العرب مصريين فكرا، عراقيين جسدا؛ من أجل ذلك يمكننا أن نوقن أن مصرنا الحبيبة أم الدنيا فعلا، ليس فقط علما وحضارة ومكانة عظمى، بل كروموزومات وجينات، حفظ الله مصر أم الدنيا وأهلها، وحماها رئيسا وقيادات، وشعبا وأرضا ونيلا وسماوات، وكل مصري داخلها أو خارجها ونطفا في بطون الأمهات، وأدام عليها حب أهل الأرض قاطبة وأورثها محبة أهل السماوات ...
بقلم -أسماء عبد الحكيم راتب:
مدرس الأدب والنقد
بكلية البنات الإسلامية بأسيوط