رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

المكالمة

بوابة الجمهورية

قصة قصيرة

بقلم: غادة حامد


وقفت علي اخر سلمة من السلالم الخرسانيه الملاصقة لشاطئ البحر و هي تملأ عينيها من لون الرمال الترابي و تناغمه مع درجات البحر الزرقاء السماوية،، ثم انحنت بخفة و سرعة تخلع حذاءها لتستمتع بملمس حبات الرمل الدافئة التي تدغدغ باطن قدمها ، ذلك الملمس الذي تشتاق اليه كثيرا

كانت فرحتها بالقدوم للبحر تشبه فرحة طفل صغير انتظر المصيف طوال عام دراسي ثقيل و ان له الأوان ليلهو و يعبث بحرية تامة، بلا قيود وباقل القليل من الملابس ..طفل يريد ان يبني بيوتا و قلاعا من ذلك الكنز الأصفر المترامي امامه و كأنه منحم من مناجم الذهب التي لا يشعر بقيمتها احد ..

خلعت حذاءها و دفعت قدمها سريعا تغطس في الرمال الذهبية و سارت وهي تستمتع بكل حبة رمل تحت قدميها و كأنها في جلسة مساج من الطبيعة.. تستمتع بكل خطوة تخطوها و بكل نسمة هوا نضيف داعبت وجنتيها.. سارت منتشية بالطبيعة و لفحات الهواء من حولها حتي وصلت اول شيزلونج بحر .. ذا مرتبه زرقاء سماويه تكاد تنافس في زرقتها كلا من البحر و السماء .. نظرت حولها فلم تجد الا اسرة او اثنتين علي اكثر تقدير في الشاطئ كله.. تماما كما توقعت .. فنحن في شهر أكتوبر و المصيف انتهي من فترة و اليوم هو يوم عمل و الكل في عمله او مدرسته .. لهذا قررت ان تأتي وحدها لتستمتع بالطبيعة بلا صخب ، لتشعر و كان البحر ملكها وحدها او كانها حورية البحر علي رمال الشاطئ

لم يكن هناك أي صوت اخر الا صوت الموج و الهواء .. ملات رئتيها بالهواء النقي استنشقته ببطء شديد واخرجته بحرص اشد و كانها تغسل صدرها من كل ما ضاقت به نفسها .. من تلوث البشر و صدماتهم ..

كانت تريد ان تجلس وحدها .. ربما ارادت ان ترتاح بين كفي الطبيعة فيساندها الرمل و يتحملها البحر و تداعبها النسمات.. تبحث عت الرفق و السند الذين لم تجدهما عند البشر.. لابد ان الله قد اودعهما في كل ما خلق و من نعمته لم يجعلهما حكرا علي الانسان فقط..
تمددت .. وضعت سماعة الموبايل علي اذتيها و ضغطت الزر للموسيقي الهادئة تعزف ابدع الالحان

اغمضت عينيها قليلا و سرحت مع نفسها.. هل حقا يمكن ان يتغير البشر بين يوم و ليلة؟ هل يمكن ان اعتقد اني اعرف انسانا ما "عز المعرفة" ثم انام و اصحو لاجده قد غير احد مبادئه الأخلاقية .. دون نقاش.. دون تبرير .. مدعيا انها حرية شخصية؟! هل يمكن ان يكون ذلك الشخص القابع جواري اكثر من عقد من الزمان .. بير غويط مالوش قرار للدرجة دي؟ ثم يعلن علي فجأة تغيير فكري او عقائدي ويطلب عدم المناقشة في أسباب التغيير ثم يتوقع نفس المعاملة كأن شيئا لم يتغير؟

كل ذلك دار في خيالها عندما فاجأها صباحا اخوها بأنه قد انضم الي جماعة دينية ، مع انه كان ضدهم طوال الوقت ، يهاجمهم و يطالب بعدم الانصياع للجماعات او الأحزاب الفكرية، ثم اليوم يفاجأني بكل بساطة ، اثناء حديثنا التليفوني اليومي العادي : علي فكرة انا انضميت للجماعة الدينية .. عقدت المفاجأة لساني و شلت ذهني و اعتقدت انه يمزح .. لكنه بكل ثبات أعاد الجملة ثانية بهدوء و وقار شديدين و أضاف ( ارجو الا تسألينني عن السبب ، فأنا احب ان احتفظ به لنفسي، و اري انها حرية شخصية لا تؤثر عليكي في شيء)

ثارت كل هذه الذكريات في رأسها .. اخذها موج البحر في تراجع و انحسار و مد و جزر شديدين ، حتي شعرت بدوار البحر يصيبها!
هل هذه حرية شخصية؟ هل هذا القرار لا يؤثر علي علاقتهما؟ هل ليس من حقها ان تسأل او تفهم؟ و لا بحق الاخوة و لا العشرة؟ طيب تمام

لكن ظل سؤال واحد يتردد عليها مذ تلك المكالمة الغامضة: هل بعد ان تغير عقيدة مهمة كتلك بمقدار ١٨٠ درجة ، هل انت لا تزال انت؟

هل انت نفس الشخص الذي اعرفه؟ هل يمكن الا أتوقع انك ممكن ان غير أي عقيدة او شعور او قيمة اخري تخصني بنفس الطريقه وتفاجأني بنفس الرد (حرية شخصية)؟

جاءت للبحر ترمي الودع و تبين زين .. جاءت ترمي افكارها و تنتظر الالهام و تصفي ذهنها ، هل هي متحاملة بسبب المفاجأة ، او بسبب عدم رضاها عن انضمامه؟ هل تبالغ عندما تفكر في ان من يغير عقيدة كانت راسخة عنده كل هذا الرسوخ لا يمكن الوثوق في تصرفاته مستقبلا مادام لا يمكن استنتاجها!

فتحت عينيها،، و لا تزال الموسيقي الهادئة تعزف علي أوتار قلبها من خلال السماعات المتصلة بالمحمول.. وجدت الشمس غربت ، حل الظلام، اشتد الهواء فارتعدت اوصالها، اسرعت تلملم حاجياتها، ارتدت حذائها و غادرت مسرعة مهرولة من حيث أتت و كانها تخاف ان تلاحقها أمواج البحر و تلتهمها في طياته العميقة..





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة