رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

خصائص ليلة القدر

بوابة الجمهورية

فها هو الشهر قد اقتربت نهايته، والخيل إذا قاربت نهاية المضمار، أخرجت أحسن ما عندها، وكان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها؛ لأنهﷺ كما قالت عائشة: "كان يعتكف فيها، ويتحرى ليلة القدر خلالها، إنه إيقاظ للأهل، وشد للمئزر"، واجتهاد في العبادة، وإلحاح بالدعاء، وتلاوة للكتابوذكر للرب، وإخبات، وتضرع، وتوبة، إنه رجاء الله أن يعطي الأجر والثواب ويجزل، فهو كريم ، وفي هذه العشر ليلة القدر التي خصها الله -تعالى- بخصائص منها:


أنه نزل فيها القرآن كما قال -تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِالقدر: 1، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍالدخان: 3، ووصفها بأنها خير من ألف شهر، كما في قوله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍالقدر: 3، خير من عبادة ثلاثة وثمانين سنة، لما علم ربنا قصر أعمارنا في هذه الأمة بالنسبة لمن سبقنا من الأمم عوضنا خيراً كثيراً ، فجعل لنا مواسم تضاعف لنا الأعمال أضعافاً مضاعفة، ومن ذلك هذه الليلة، ووصفها بأنها مباركة، فقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍالدخان: 3، وكذلك فإنه : أخبر بتنزل الملائكة والروح جبريل ، ولشرفه خصه بالذكر، فيكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، الملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ووصفها بأنها سلام، أي: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو أذى، وتكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب بما يقوم العبد من طاعة الله .

وسادسا: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍالدخان: 4، أي: يفصل من اللوح المحفوظ إلي الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وكل أمر محكم لا يبدل فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، وكل ذلك مما سبق علم الله -تعالى- به وكتابته له ولكن يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، يفصل من اللوح المحفوظ إلى ألواح الملائكة، ماذا سيحدث في هذه السنة المقبلة من حياة، ووفاة، ورزق، وصحة، ومرض، وأحداث، كل ذلك يفصل في هذه الليلة.

وسابعا: أن الله تعالى يغفر في ليلة القدر لمن قامها إيمانا واحتسابا ما تقدم من ذنبه، كما قال ﷺ: ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه إيمانا بالله، وتصديقا بوعده، واحتساباً للثواب، وطلبا للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه، وفي هذا ترغيب عظيم لقيام هذه الليلة، وابتغاء وجه الله بذلك.

تحري ليلة القدر

ولهذا كان النبي ﷺ يلتمس هذه الليلة ويتحراها مسابقة منه إلى الخير، وهو القدوة للأمة ﷺ، فقد قال أبو سعيد الخدري : إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير، قال: فأخذ الحصير بيده، فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه، فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: إني اعتكفت العشر الأول، ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم أتيت، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف.

ما معنى ليلة القدر؟ ما هو القدر؟ذات قدر وعظم، ذات منزلة شريفة لهذه الخصائص التي اختصت بها، والذي يحييها يصير ذا قدر أيضاً، وقيل القدر تضييق من قوله -تعالى-: فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُالفجر: 16، يعني: ضيقه؛ لأن الأرض تضيق بالملائكة؛ لأن الملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى، تشريف للطائعين والعابدين ينزل الله ملائكته إلى الأرض في هذه الليلة ترحيباً وتشريفاً لهؤلاء القانتين العاكفين الذاكرين، وقيل: القدر بمعنى القَدَر؛ لأنه يقدر فيها أحكام السنة، كما قال: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍالدخان: 4، ويكفي في شرفها أن الله أنزل في شأنها سورة تتلى إلى يوم القيامة، ذكر فيها شرف هذه الليلة، وعظم قدرها. ليلة القدر في العشر الأواخر، كما قال النبي ﷺ: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وفي أوتار العشر آكد، لحديث النبي ﷺ: تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، وقد اختلف العلماء في تعيينها أي ليلة هي من ليالي العشر؟ بناء على اختلاف الأدلة فيها، وقد قال النبي ﷺ: وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، وفي رواية لمسلم: وإن أريتها ليلة وتر، وأني أسجد صبيحتها في ماء وطين، قال أبو سعيد الخدري: "مطرنا ليلة إحدى وعشرين فوكف المسجد في مصلى رسول الله ﷺ، صار الماء ينزل من السقف في جهة الإمام، ومكان النبي  قال: فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل طينا وماء"، وورد في رواية أخرى عن أبي سعيد، لكنه قال: "فمُطرنا ليلة إحدى وعشرين"، وفي رواية قال ﷺ: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى، وأرجى ليالي الأوتار ليلة سبع وعشرين، حلف على ذلك أبي ابن كعب لا يستثني، قال زر بن حبيش: فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال بالعلامة أو بالآيةالتي أخبرنا رسول الله ﷺ: أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها.

ورجح بعض العلماء أنها تنتقل وليست في ليلة معينة كل عام، قال النووي-رحمه الله-: "وهذا هو الظاهر المختار لتعارض الأحاديث الصحيحة في ذلك، ولا طريق إلى الجمع بين الأحاديث إلا بانتقالها.

وإنما أخفى الله -تعالى- هذه الليلة ليجتهد العباد في طلبها، ويجدّوا في العبادة، كما أخفى ساعة الجمعة وغيرها.

وقد كان سبب الاخفاء فيه عبرة، وهو تلاحي رجلان من المسلمين، فرفع العلم بتعيينها لأجل ما حصل من المخاصمة بينهما، وهذا من شؤم الاختلاف والمخاصمة والتلاحي بين المسلمين، لكن لعل في ذلك خيراً؛ لأن الناس يجتهدون في العشر كلها بدلاً من ليلة واحدة يجتهدون فيها ثم يتركون البقية، فيزدادون بذلك أجراً، إذا اجتهدوا في كل العشر.

قالت عائشة -رضي الله عنها-: يا رسول الله: أرأيت أن وافقت ليلة القدر ما أقول، قَالَ: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.

الشيخ احمد الششتاوي

كبير أئمة بأوقاف القليوبية





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة