رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ليلة رمضانية من بالطريقة البودشيشية": ذكر الله تربية روحية وممارسة أخلاقية

بوابة الجمهورية

شهدت الليلة الرقمية الخمسين، المنظَّمة من طرف مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بشراكة مع مؤسسة الجمال، للعام الثانى على التوالى وبشكل أسبوعى،


ضمن فعاليات ليالي الوصال "ذكر وفكر في زمن كورونا"، أمسية رمضانية حفَّتها الملائكة التى تتنزَّل فى شهر القرآن، خاصة وأن عنوانها "ذكر الله تربية روحية وممارسة أخلاقية".

شارك فيها علماء ومثقّفون وباحثون ومنشدون أغنوا هذا السمر بإسهاماتهم العلمية والفكرية والروحية، والذي تم استهلاله بتلاوة آيات بيّنات من الذكر الحكيم تلاها المقرئ بلال الحموي من تركيا.

وكانت المداخلة العلمية الاولى من د. محمد المصطفى عزام- أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط- تحت عنوان "إشارات اللسان الى مذاقات العرفان"، تناول من خلالها حال الشوق، والفرق بين الحال والمقام، وبين أن الحال مواهب والمقام مكاسب، كما أبرز مراتب المشتاقين، فالعامة همّهم زخارف الجنان والخاصة مبتغاهم نيل الرضوان، وخاصة الخاصة مقصودهم حضرة عيانه سبحانه وتعالى، وأشار الى ان مهمة الشيوخ هي إشعال قلوب العباد بنار الشوق الى الله تعالى بعد تصفيتها وتزكيتها.

لتتلوها المداخلة العلمية الثانية للدكتور عبدالصمد غازي- مدير مركز مسارات للدراسات الاستشرافية التابع للرابطة المحمدية للعلماء- والتي حملت عنوان "أخلاقية الخطاب الصوفي"، بيَّن من خلالها أن التصوف هو التخلّق بالأخلاق المحمّدية المستفادة من أصول الدين، وأن البعثة المحمدية جاءت لتتميم مكارم الاخلاق.

أما المداخلة العلمية الثالثة فكانت باللغة الفرنسية، قدمها د. رشيد احميمز- أستاذ التعليم العالي بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة والمتخصص في الدراسات الصوفية الفرنكفونية، تحدّث فيها عن أخلاق الأدب في القرآن الكريم، مستشهدا بمجموعة من الآيات والاحاديث النبوية التي تبرز اهتمام القرآن الكريم بالجانب الأخلاقي.

فيما كانت المشاركة العلمية الرابعة من د. منير القادري- رئيس مؤسسة الملتقى، مدير المركز الأورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم- بمداخلة علمية استهلّها باستعراض مجموعة من الاحاديث النبوية المرغِّبة في ذكر الله عزَّ وجلَّ والمبيّنة لمكانته وفضله، منها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الامام الأحمد "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعمَالِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى"، والحديث الوارد في صحيح البخاري عن أبي موسى، "مَثَلُ الذي يذكر ربّه، والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميّت" وغيرها من الاحاديث النبوية، وذكر ثُلَّة من أقوال السلف والعلماء، منها قول عَبْدُاللهِ بْنُ عَوْنٍ: «ذِكْرُ النَّاسِ دَاءٌ، وَذِكْرُ اللهِ دَوَاءٌ»، أعقبها بتعليق الامام الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ على هذا القول في كتابه سير أعلام النّبلاء "قُلْتُ: إِي وَاللهِ، فَالعَجَبَ مِنَّا وَمِنْ جَهْلِنَا كَيْفَ نَدَعُ الدَّوَاءَ وَنَقْتَحِمُ الدَّاءَ؟! وَلَكِنْ لاَ يَتَهَيَّأُ ذَلِكَ إِلاَّ بِتَوْفِيقِ اللهِ، وَمَنْ أدْمَنَ الدُّعَاءَ وَلاَزَمَ قَرْعَ البَابِ فُتِحَ لَهُ"، وقول الحسن البصري في معنى قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)، "فاذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي" وكذا قول سعيد بن جبير في معنى ذات الآية: "فاذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي ورحمتي".

وأشار د. القادرى الى أن الذكر هو التّخَلُّص من الغفلة والنسيان، بدوام حضور القلب مع الرحمان، وأنه استغراق الذاكر في شهود المذكور، واستهلاك ذات العابد في حضرة المعبود، حتى لا يبقى منه أثر، فيقال قد كان مرةً فلان، وزاد بأنه لذة قلوب العارفين ومعراج أرواح الذاكرين وباب الواصلين إلى حضرة ربّ العالمين.

أوضح أن التسبيح والتكبير والاستغفار والدُّعاء والصلاة والصوم وقراءة القرآن، كلها عبادات من الذكر وبالذكر، وأن غايتها تزكية النفس وصفاؤها وشعور القلب بالأمن والاطمئنان في قرب مولاه، موردا بخصوص هذا المعنى قول ابن القيم رحمه الله "إن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عزّ وجلّ، فأفضل الصائمين أكثرهم ذكراً لله في صومهم، وأفضل المتصدِّقين أكثرهم ذكراً لله، وأفضل الحجيج أكثرهم ذكراً لله، وهكذا في سائر الأحوال".

وزاد: أن ذكر الله روضة من رياض الجنّة فيها حياة القلب وطمأنينته، وأن من أُعطي الذكر فقد أُعطي منشور الولاية، مذكّرا بقول ابن القيم: "الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عُزل، وهو قوت قلوب القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطّلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الذي به يقاتلون قُطَّاع الطريق، وماؤهم الذي يُطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست فيهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب".

ولفت الى أن رؤوس مواضيع الذكر تكمن في عناصر خمسة، ينبغي للعبد المؤمن أن يضعها في أهم أولوياته وهو ينظّم جدول يومه وليلته، تتمثّل أولاها في: القرآن الكريم قراءة وتعبّدا، مشيرا الى أن الله تعالى سمّاه ذكرا في غير ما آية، منها قوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون"،.

وثانيها: الصلاة على النبي، مذكّرا بقوله "من صلَّى علي صلاة واحدة ،صلَّى الله بها عليه عشرا".

وثالثتها: الأذكار والأدعية الوظيفية التي تضم الأوراد الفردية و الجماعية، وغير ذلك مما ينبغي أن يحفظه ويحافظ عليه المريد الطالب وجه الله في حياته اليومية.

وتابع شارحا: أن الأفضل هو أن ينشغل المؤمن بذكر الله غير متعلّق بأغراض دنيوية دنية، موردا قول ابن عطاء الله في حكمه: "لا يستحقر الورد إلا جهول: الوارد يوجد في الدار الآخرة، والورد ينطوي بانطواء هذه الدار، وأولى ما يعتنى به –ما لا يخلف وجوده- الورد هو طالبه منك، والوارد أنت تطلبه منه، وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه"، ليخلص الى أن الخاصية العامة للذكر تتجلّى في قوله تعالى في سورة الزخرف "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانا فهو له قرين" (الآية 36) .

ورابعها: الاستغفار، مشيرا الى انه خصّصه بالذكر بسبب كثرة ما ورد بشأنه في كتاب الله وسنّة رسوله، موردا قول النووي في الأذكار "والآيات في الاستغفار كثيرة معروفة، وأما الأحاديث الواردة في الاستغفار، فلا يمكن استقصاؤها"، وكذا الحديث القدسي "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".

وخامسها: الدعاء المطلق لله بما يحتاجه العبد من خيري الدنيا والآخرة وغير ذلك بلا توقيت معين، مشيرا الى أن صحابة رسول الله كانوا يسألون الله الملح في طعامهم، وأن ذكر الله تعالى أفضل من كل شئ سواه، وأن هذا مذهب أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وقتادة، مذكِّرا بقول ابن القيم: (وقال ابن زيد وقتادة: معناه: ولذكر الله أكبر من كل شئ. وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ فقال للسائل: أما تقرأ القرآن: "ولذكر الله أكبر".

ونبّه الى أن ذكر الله يقيم التوازن بين مطالب الروح والجسد ويلقي في النفس البشرية قوة تتضاءل أمامها هموم الحياة.

واستطرد د. القادرى: إن ذكر الله عامل من عوامل الاصلاح الاجتماعي، ومحاربة الفساد، والانحطاط، المتمثّل بالفحشاء والمنكر، وأنه يعود بأفضل النتائج الاصلاحية على حياة الفرد والمجتمع والدولة، حيث يصبح الفرد السالك سبل الذاكرين نواة وجزءا من المجتمع الذاكر الله، ومركزاً لإشعاع الخير والإصلاح والاستقامة، مؤكدا أن التربية على الذكر تزرع في النفس يقظة الضمير بدوام الاتصال بالله والخوف من معصيته، والحياء من مخالفته، فالذي يذكر ربّه ويتصوّر عظمته: يخشع قلبه ويلين، فلا يصدر عنه من الأفعال إلا كل خير لانه يعلم أن الله مطّلع عليه، إضافة الى أنها تربّي في النفس الرغبة في التوبة والاقبال على الصلاح والاستقامة بدوام الاستغفار وتكرار الاستعاذة من الذنوب، فتتّسع في النفس مسافات البُعد بينها وبين الجريمة والمعصية، وتتأكد فيها الرغبة في الصلاح والاستقامة، كما أنها تربّي في نفس المريد حبّ الخير للجميع، وتنقذه من الحقد والأنانية اللّذين هما مصدر كلّ الشرور والمآسي البشرية في كلّ مجالات حياتها، موضحا أنه بدعائه يطلب الخير للجميع، ويدعو لهم بالخير والمغفرة، فتنمو في نفسه مشاعر الحبّ بأوسع صيغها الاجتماعية الشاملة ليتجسّد سلوكاً وعملاً تحيا الانسانية في ظلاله آمنة مطمئنة.

وبيَّن أن أولياء الله فطنوا وتيقَّنوا أن ذِكْرهم لله هو مصدر قوّتهم، وأن حاجة أرواحهم للزاد الروحي أحوج من حاجة أجسادهم للغذاء، لذلك كانت قلوبهم معلَّقة بالله، وألسنتهم تلهج بذكر الله، موردا مجموعة من أقوالهم منها يقول يحيى بن معاذ: "يا غفول يا جهول، لو سمعت صرير الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند ذكرك مولاك لمِتَّ شوقًا إليه".

أضاف: أن الصوفية جعلوا الذكر العُمدة في الطريق والرُّكن الركين في السير والسلوك، والأساس المتين في التخلية والتحلية والترقّي، وجميع الخصال المحمودة عندهم راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر؛ مِن ذلك قول الإمام أبو القاسم القشيري: "الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، بل هو العمدة في هذا الطريق، يقول ابن عجيبة: "واعلم أن الذكر أقرب الطرق الموصّلة إلى الله تعالى، إذا كان بشيخ كامل".

واختتم مداخلته بالتأكيد على أن التربية الاحسانية العرفانية على يدي الشيخ المربّي تقوم على غرس القيم ومكارم الأخلاق والثبات في مجاهدة النفس والمواظبة على الأذكار، فالتجربة الصوفية هي ممارسة حيّة عملية تُكْسِب المريد ممارسات ذوقية شخصية تجعل منه فردا صالحا في نفسه ومصلحا في مجتمعه.

وعرفت هذه الليلة تقديم الحصة الفقهية من طرف الطيب شوقي- متخصص في الفقه- تطرّق خلالها الى أحكام قطرات العين والأنف والأذن.

والفقرة الصحية كانت للدكتورة نوال السروتي- طبيبة واخصائية في التغذية- قدّمت مجموعة من النصائح حول التغذية السليمة التي ينبغي اتّباعها في شهر رمضان الكريم، حتى يتسنى الاستفادة من الصيام.

كما تمّ عرض ربورتاج حول الذكر وأهميته وثماره على النفس والفرد والمجتمع.

وتخلّلت هذه الليلة الروحية وصلات من النغم والمديح لمسمّعين داخل المغرب وخارجه، شنَّفوا مسامع وقلوب المتابعين، ويتعلّق الأمر بكل من حكيم خزران من المغرب، ومجموعة من مسمّعي الطريقة بمدينة الجديدة بالمغرب ومجموعة الصفاء من بلجيكا، إضافة الى برعمات الطريقة القادرية البودشيشية بمذاغ.

واختتمت أطوار هذا السمر الروحي بفقرة "من كلام القوم"، خصصها إبراهيم بلمقدم- باحث مؤطّر بمركز أجيال للمواكبة والوقاية والتمنيع بالناظور، التابع للرابطة المحمدية للعلماء- للحديث عن أسرار قيام الليل، وبيّن أنه دأْب الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين والاولياء والمحبّين.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة