زينب بنت جحش ..المرأة التى زوجت بأمر الله من السماء
شخصيات اسلامية .."6"
نستعرض فى حلقاتنا المتباينة يومياً قصص الاولين السابقين فى الاسلام حيث نعرج على بعض مشاهد من حياتهم وسيرهم التى قد لا يعلمها البعض من الاجيال الحديثة لعلنا نساهم ولو بالقليل عن استحضار الروح الايمانية لهؤلاء ومعرفة ادوارهم التى لعبوها فى تأسيس قواعد ديننا الحنيف
ومن تلك الشخصيات زينب بنت جحش والتى زوجت بأمر الله من السماء مرتين ونزلت فيها ايات محكمات
فمن هى زينب بنت جحش
هى احد امهات المسلمين التى جاءت خطة زواجها من السماء لترسى قواعد هامة منها المساواة بين الموالى والاسياد لينهَى بذلك عصوراً من الطبقية والعنصرية والفوارق الاجتماعية التى ربما مازال يدعوا اليها البعض فى مجتمعات تتميز بالرقى والتقدم الشفهى فقط
كما ارسى زواجها ايضاً تحريم التبنى والادعياء فى الاسلام وهى مبادئ كانت عميقة من الصعب انذاك القضاء عليها فكان الترتيب الربانى الحكيم الذى جعلها مستساغة دون عناء
نسبها
* فهى برة بنت جحش بن رئاب وينتهى نسبها لخزيمة الاسدية كما انها ابنة اميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد غير النبى صل الله عليه وسلم اسمها الى زينب وكانت رضى الله عنها من السابقين الاوائل فى الاسلام فكانت من اولائك الذين لحقوا بالرسول الى المدينة كما كانت اولى زوجاته الاتى لحقن به الى الرفيق الاعلى
خطة زواجها السماوية
بعد هجرتها الى يثرب "المدينة طلبها زيد بن حارثة للزواج وكان اول من اسلم من الموالى وقد تبناه الرسول صل الله عليه واشهد الناس على ذلك وكان لذلك قصة تبداً حينما فضل زيد صحبة الرسول صل الله عليه وسلم وكان حينها غلاماً عبداً عند النبى وقد رافقه مدة من عمره وصاحبه خلالها
وعندما خير بين صحبة الرسول والرجوع الى اهله وعشيرته حراً عقب تعرفهم عليه ورغبتهم فى فديته لم يفضل سوى النبى
فما كان للرسول صل الله عليه وسلم ان انذاك الا ان اشهد من حوله انه بمنزلة الابن يرث كل منهما الاخر لقوله "يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني"وهنا اصبح اسمه زيد بن محمد
ونعود الى قصتنا وقد رفضت زينب بنت جحش خطبة زيد الى انها تزوجته فيما بعد ولكن لم يكن بطاعة من امرها انما جاء الامر من السماء بأيات محكمات
قال فيها تعالى " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا "
وبذلك تجزر مبدأُ جديد وهو المساواة بين السادة والموالى فالناس كأسنان المشط فى الارض والسماء
ولم تدم الحياة طويلاً بين زيد وزينب رضى الله عنهما انما دبت المشكلات وتعكر صفو الحياة بينهما حتى اشتكى منها زيد لرسول الله صل الله عليه وسلم مُطلعه على رغبته فى طلاقها وهنا ما كان من رسول الله الا ان قال له اتقِ الله و امسك عليك زوجك
*لتنزل للمرة الثانية ايات محكمات من الحى القيوم الذى دبر امر الكون ويعلم مستقر كل شئ ليؤسَس مبدأًً تشريعياً جديد يحطم به التبنى ويسقطه وكان قد اطلع الله نبيه على ذلك وان زواجه من زينب بنت جحش امراً محتم الى لا خيار له فيه الى ان خشية الرسول من تقول المنافقين قد دفعه لرد زيد عند اظهاره لرغبته فى طلاقها "فخبره كان معلماً فى السماء قبل ان يدب فى صدره من عالم الغيب "الله جل وعلا "
ومن هنا نزل قوله تعالى " : {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب: 37]
وقد تحققت خشية الرسول الانتقادات التى طالما وجهها المنافقين اليه من امر زواجه من زينب رضى الله عنها الى ان ثقته فى الله لم يكن لها حدود عند اطاعة الامر الربانى وكان رد السماء للمرة الثالثة على اولائك الذين يهتزون عند كل موقفٍ يخالف ما وجدوا عليه ابائهم
لينزل قول الحق سبحانه وتعالى
"مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" [الأحزاب: 40].
وقال أيضًا: "ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" [الأحزاب: 5
*صفاتها رضى الله عنها
وكانت رضى الله عنها اواهة خاشعة متضرعة لله سبحانه وتعالى وذلك لقوله صل الله عليه "إِنَّ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَوَّاهَةٌ". فقال رجل: يا رسول الله، ما الأوَّاه؟ قال: "الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ، "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ"
كما انها كانت صادقة الحديث وكانت الاطول يداً فى زوجات الرسول "اى الاكثر تصدقاً حتى انها لقبت بأم المساكين
وقد جاء عن عائشة رضى الله عنها فى وصفها لزينب بنت جحش
"كانت زينب هي التي تساميني من أزواج النبي ولم أرَ امرأة قطُّ خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشدَّ ابتذالاً لنفسها في العمل الذي يُتصدَّق به، ويُتقرب به إلى الله ، ما عدا سورة من حدَّة كانت فيها، تُسرع منها الفيئة"
وكان لها قولاً مأثوراً فى واقعة الافك عندما سألها رسول الله صل الله عليه وسلم عن امر عائشة رضى الله عنها وارضاها والتى خاض البعض فيه دون علم اوسند فقد قالت "أحمي سمعي وبصري" فلم تسند لها ما لم تسمعه او تراه
وفاتها رضى الله عنها
وقد توفت رضى الله عنها فى 20 من الهجرة فى عهد عمر بن الخطاب بعد حياة حافلة بطاعة الله وتقاته شاركت خلالها رسول الله فى غزوتى خيبر والطائف وحجة الوداع عن عمر ناهز 53 عاماً