"النصف من شعبان".. ليلة البراءة والغفران
غدا يحتفل المسلمون بليلة النصف من شعبان .. هذه الليلة المباركة التي كرم الله فيها نبيه صلي الله عليه وسلم بتحويل القبلة من المسجد الأقصي إلي المسجد الحرام استجابة لرغبته الشديدة وحبه لمكة التي ولد وتربي فيها وكان يشتاق إليها فؤاده وتهفو نفسه لها بعد أن هاجر إلي المدينة مرغما وابتعادا عن بطش قريش .. فأراد الله أن يعوضه فأمره بتحويل القبلة حتي يطمئن قلبه.
حول فضل هذه الليلة المباركة وما يستحب فيها من أعمال يقول د.محمد أبوليلة الأستاذ بجامعة الأزهر إن الله سبحانه وتعالي أمر بتحويل القبلة ليرد علي اللغط الذي كان يروج له اليهود حول قبلة المسلمين .. حيث صلي رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وهو يتوجه لبيت المقدس بهدف تأليف قلوب أهل الكتاب للإسلام ولكن لما لم يجد استجابة منهم توجه بقلبه إلي السماء وأخذ يقلب وجهه ويتمني تحويل القبلة إلي الكعبة المشرفة دون أن يطلب ذلك صراحة من الله عز وجل حتي استجاب ربه لرغبته وأمره بتحويل القبلة كي تقر عينه.
أشار إلي أن المسلمين عليهم اغتنام المنة والهبة التي يمنحها الله لهم في ليلة النصف فيكثرون من الدعاء والصيام والصلاة حتي ينالوا مغفرته ورضوانه فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إن الله عز وجل يطلع علي عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين. ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم".
ليلة البراءة
أكد د. إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم أن ليلة النصف من شعبان سميت "ليلة البراءة" أو "الغفران" أو "القدر" وجميع هذه التسميات لا مانع منها شرعًا .. فالمعني المراد من ذلك أنها ليلة يقدر فيها الخير والرزق ويغفر فيها الذنب. وهو معني صحيحى شرعًا. وموافقى لما ورد في السنة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال "إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا» فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَي سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِري فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقى فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًي فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا. أَلَا كَذَا..؟ حَتَّي يَطْلُعَ الْفَجْرُ".
أضاف أن الله سبحانه وتعالي عظم هذه الليلة حيث ينزل علي جميع خلقه مغفرته ورحمته إلا المشرك أو المشاحن .. لذلك ننصح المسلمين في هذه الليلة المباركة أن يبتعدوا عن كل ما يؤدي إلي الفرقة والشحناء التي تفسد الود والمحبة بينهم وأن يكونوا عباد الله إخوانا يتعاملون مع بعضهم البعض بنفس صافية حتي يستقبلوا رمضان بأعمال متقبلة فينالون من نفحاته ويقبلهم الله جل شأنه في رحابه.
أشار إلي أن هناك دعاء يحرص علي ترديده كثيرون في ليلة النصف من شعبان وهو"اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ. يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ. يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَام. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئينَ. وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ. وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ. فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي. وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ.. فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَي لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ. إِلهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ. الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْري حَكِيمي وَيُبْرَمُ. أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ. إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ. وَصَلَّي اللهُ عَلَي سَيِّدِنَا مُحَمَّدي النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَي آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ".
حب الأوطان
د.حمدي طه الأستاذ بجامعة الأزهر يري أن تحويل القبلة إن دل علي شيء في المقام الأول فإنما يدل علي الولاء وحب الوطن فنحن نعلم أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان قلبه متعلقا بمكة ولذا عندما خرج في الهجرة وقف ونظر إلي مكة وقال "أعلم أنك أحب البلاد إلي الله والله يعلم أنك أحب البلاد إلي نفسي ولولا قومك أخرجوني ما خرجت" .. فنزل عليه قول الله سبحانه وتعالي "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلي معاد" أي سوف تعود إليها مرة ثانية في يوم من الأيام وقد حدث ذلك عندما فتحها في العام الثامن من الهجرة.
وعندما فرض الله الصلاة علي رسول الله في العام العاشر من البعثة أمره بأن يستقبل المسجد الأقصي وهي قبلة المسلمين الأولي وكان النبي إذا أراد الصلاة في مكة يجعل بينه وبين المسجد الأقصي المسجد الحرام حبا وولاء لهذا البيت العتيق قبلة أبيه إبراهيم والأنبياء من بعده .. فلما هاجر النبي إلي المدينة كان إذا استقبل المسجد الأقصي يكون المسجد الحرام خلفه لذلك كان يقلب وجهه في السماء يرجو الله أن يعيده إلي المسجد الحرام ولاء وحبا لوطنه واشتياقا إلي مسقط رأسه وتمجيدا لقبلة إبراهيم وإسماعيل أجداده ومفخرة قومه حيث إن قريشا كانت تتفاخر بأنهم سدنة البيت الحرام القائمين علي تطهيره وتعميره للزائرين له.. لذلك كانت نفس رسول الله صلي الله عليه وسلم مشغوفة ومتعلقة بالمسجد الحرام فكان يدعو الله في صلاته أن يتخذ من المسجد الحرام قبلة .. ويقول الله سبحانه وتعالي تسجيلا لما كان يدور في نفس النبي "قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره".