للصبر حدود.. التفاوض حول سد النهضة.. إلي متي؟؟

جاء تحذير مصر لإثيوبيا من تنفيذ المرحلة الثانية من ملء خزان "سد النهضة". قبل التوصل إلي اتفاق قانوني ملزم. ليضع أديس أبابا أمام مسئولياتها. بضرورة الاتفاق علي قواعد ملء وتشغيل السد. المقام علي الرافد الرئيسي لنهر النيل. وأبدي وزير الخارجية سامح شكري. استعداد مصر لإطلاق مسار مفاوضات جاد. يراعي مصالح مصر والسودان وإثيوبيا.
مصر أعلنتها كثيراً: لا فرض للأمر الواقع.. ولا تفريط في نقطة مياه
كانت الحكومة الإثيوبية قد أعلنت مؤخرًا اعتزامها البدء في المرحلة الثانية من ملء الخزان بنحو 13.5 مليار متر مكعب. منتصف العام الحالي. وسبق لأديس أبابا أن أنهت المرحلة الأولي. في يوليو الماضي. بنحو 5 مليارات متر مكعب. في إجراء قوبل باحتجاج مصري سوداني. وتسعي مصر. عبر جهود دبلوماسية مكثفة. لحشد تأييد دولي لموقفها في مواجهة حكومة أثيوبيا التي تنتهك جميع الاتفاقيات الدولية الخاصة بنهر النيل.
ويستمد الموضوع أهميته أيضاً من كونه ذا أبعاد إقليمية ودولية لها علاقة بالمساس بالأمن القومي المائي لمصر. وأصل النزاع أن أديس أبابا لا تخفي رفضها للاتفاقيات السابقة المنظمة لعملية تقاسم المياه. والمتمثلة في المعاهدات والاتفاقيات التاريخية. وهي لا تتورع عن خرق أي معاهدات في سبيل تحقيق ما تريد. دون أدني اعتبار لمصالح الآخرين وحقوقهم!
أديس أبابا تراوغ وترفض التوقيع علي أي التزامات محددة!!
وتكتسب اتفاقيتا عام 1929 بين مصر وبريطانيا. وعام 1959 بين مصر والسودان. أهمية خاصة. فقد ألزمت الأولي دول منابع النيل بعدم القيام بأي مشاريع مياه علي مجري النهر دون موافقة مصر. ومنحت مصر حق النقض "الفيتو" علي أي مشروع من شأنه التأثير علي منسوب مياه النيل التي تصل إلي مصر. باعتبارها دولة المصب. أما اتفاقية عام 1959 فقد حددت حصة مصر من المياه بـ 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وحصة السودان بـ 18.5 مليار متر مكعب.
وانطلاقاً من أهمية هاتين الاتفاقيتين لضمان حصة محددة لمصر والسودان من مياه النيل. تُصِر حكومتا البلدين علي ضرورة تضمين بنودهما في أية اتفاقية جديدة تنظم استخدامات مياه النهر. غير أن هذا التوجه تقابله إثيوبيا بالرفض. كما ترفض أية التزامات محددة تجاه دولتي المصب. مصر والسودان. لكن يجب أن يعلم الجميع أن حقوق مصر المائية تمثل قضية أمن قومي وأن مصر لن تفرط في نقطة مياه واحدة.
لكن يبدو أن الطرف الآخر لا يدرك ذلك. فمع دخول الألفية الجديدة. تضاعف نشاط الدبلوماسية الإثيوبية المائية. مطالبة باعتماد اتفاق جديد لتقسيم المياه وتنظيم استخدامها. ولجأت أثيوبيا لاستمالة بعض دول الحوض للانفراد بإبرام اتفاق عنتيبي بأوغندا عام 2010. ولكن لم يتم الاتفاق حول جميع بنوده. وتركز الخلاف بين دول المنابع. وفي مقدمتها إثيوبيا من جهة. ودولتي المجري والمصب "مصر والسودان" من جهة أخري. حول المادة 14 الخاصة بالأمن المائي لدول الحوض. وتحديداً الفقرة "ب" من هذه المادة. إذ تري إثيوبيا أن تكون صياغة هذه الفقرة بشأن استخدام مياه النيل علي النحو الآتي:
"أن لا يؤثر تأثيرًا ذا شأن علي الأمن المائي لأية دولة أخري من دول حوض النيل¢.
بينما تري مصر والسودان أن تكون الصياغة علي النحو الآتي:
"أن لا تؤثر سلباً علي الأمن المائي والحقوق والاستخدامات الحالية لأية دولة أخري من دول حوض النيل¢.
لقد سعت إثيوبيا. بمقتضي اتفاقية عنتيبي 2010. لتجريد مصر من امتيازاتها في مياه النهر. وأبرزها حق الفيتو في منع إقامة أي مشروع علي النهر خارج أراضيها. واعتبرت اتفاقية 2010 شرارة الأزمة. ولكن منذ اتفاقية إعلان المبادئ حول مشروع سد النهضة سنة 2015. تجاهلت إثيوبيا تماماً ما يجري علي المسار التفاوضي. ومضت في بناء السد.
ويدور الخلاف حاليًا في المقام الأول حول الإطار الزمني الذي يجب أن يُملأ فيه السد. تسعي مصر من أجل ملء بطيء يمتد بين 12 و21 سنة لتجنُّب التراجع الحاد في إمدادات المياه. تسعي الحكومة الإثيوبية لتحقيق ذلك خلال ست سنوات حتي تتمكن من تشغيل التوربينات لتوليد الطاقة بشكل أسرع.
ورغم توقيع اتفاق المبادئ عام 2015. ما زالت إثيوبيا تراوغ حول مسألة فترة ملء السد الذي يعد أكبر سد كهرومائي في القارة الإفريقية.
لقد امتدت المفاوضات والاجتماعات بين إثيوبيا ومصر والسودان منذ عام 2011. ومرَّت عبر محطات عديدة اتَّسمت بالتعثُّر والفشل في التوصل إلي اتفاق عادل ومتوازن. وتعد الوساطة الأمريكية من أبرز هذه المحطات. لكن تهربت أثيوبيا وتغيبت عن حضور الجولة الأخيرة من المفاوضات التي عقدت بواشنطن يومي 27 و28 فبراير 2020. ووقعت مصر المقترح الأمريكي. بينما لم توقعه السودان.
وفي يونيو 2020 تقدمت مصر بطلب لمجلس الأمن الدولي. للنظر في موضوع سد النهضة الإثيوبي. بهدف التوصل لحل متوازن للقضية. وعدم اتخاذ أية إجراءات أحادية قد يكون من شأنها التأثير علي فرص التوصل إلي اتفاق.
كما اتجهت مصر لجامعة الدول العربية واستطاعت الحصول علي قرار بالتضامن معها. إذ أصدرت الجامعة. بدورتها غير العادية في 23 يونيو 2020. قراراً. أكدت فيه أن الأمن المائي لمصر والسودان "جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي". وشددت علي ضرورة امتناع إثيوبيا عن البدء في ملء خزان السد قبل الاتفاق مع دولتي المصب. لما يمثله هذا الإجراء من خرق صريح لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في الخرطوم بتاريخ 23 مارس 2015. ورغم كل ذلك كان التعنت الأثيوبي وخرق الاتفاقات هو اللغة المفضلة من جانب أديس أبابا.
وعادت الدول الثلاث في يوليو 2020 لاستئناف التفاوض برعاية الاتحاد الإفريقي. وتلخصت النقاط الخلافية حول عملية تشغيل وملء السد في فترة الجفاف. والجفاف الممتد. ومسألة الاعتراف بالاتفاقيات السابقة لتوزيع حصص المياه. بالإضافة إلي إشكالية أمان السد. والآثار البيئية المترتبة عليه. واختتمت الجولة الأولي من المفاوضات هي الأخري دون التوصل لحل توافقي. وتزامن ذلك مع قيام إثيوبيا بالملء الأولي للسد. تلتها قمة إفريقية مصغرة عقدت يوم 21 يوليو 2020. دعت إلي مواصلة التفاوض والسعي لبلورة اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.
وانتهت في 28 أغسطس 2020 جولة أخري من المفاوضات بين الدول الثلاث حول سد النهضة دون التوافق علي مسودة اتفاق أيضًا.
من خلال السرد السابق يتضح مدي حرص مصر علي انتهاج مسار تفاوضي سلمي لحل المشكلة ورغم ذلك تتملص إثيوبيا من توقيع أي اتفاق ملزم يضمن عدم الإضرار بالمصالح المائية لمصر والسودان.