رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رمانة الميزان في دائرة النسيان

بوابة الجمهورية

بقلم: إيمان ماهر منسي

يحكي أن مواطنا مصريا من الطبقة المتوسطة ذو طموحات و تَطَلُعات و مهارات، خلد إلي النوم، قريرَ العين ليلاً، كي يواصل نهاراً كفاحه و جِدٍه ليحيا كريماً في وطنه. و لكنه استيقظ علي كابوس مرعب؛ ليجد نفسه غير قادر على تسديد فواتير الكهرباء و لا وقود سيارته و لا مصاريف مدارس أبنائه، بل و منتميا للطبقة الفقيرة التي تجد، بالكاد، ما يكفي حاجتها لتعيش أو لتتعايش علي أرض الوطن.

ما أقُصُه عليك، عزيزى القارئ، ليست بحكايا خيالية من قديم الزمن، و إنما أسرُد لك جزءاً من الواقع المرير الحالي الذي يعيشه المواطن المصرى المنتمي للطبقة المتوسطة أو ما تسمي برمانة الميزان، و التي أصبحت منهكة القوي، عليلة و هزيلة، تشكو السقم و المرض، محاصرة بين مطرقة ارتفاع الأسعار و سندان انخفاض الدخل.

و مع ذلك، طبقة مصر المتوسطة، و التي تضم عشرات الملايين من أبناء الشعب المصري، بكل شرائحها و تنوعاتها، و رغم معاناتها، مُتَّهَمة أنها الأكثر سُخطا و صَخبا علي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر.
ماذا حدث للطبقة المتوسطة لتفقد قوتها و صلابتها و تصبح هشَّة إلي هذا الحد؟

قبل أن أجيبك، قارئي الفاضل، علي تلك التساؤلات، دعني أذكرك أن الطبقة المتوسطة تمثل الركيزة الأساسية لإحداث التوازن الاقتصادي و الاجتماعي، باعتبارها مصدراً هاماً لاستمرار الإنتاج و الاستهلاك و الإستثمار معاً. و لذا تعد تلك الطبقة الأكثر تأثيراً في تحقيق التوازن بين فئات المجتمع المختلفة. و علي ذلك فإن الطبقة الوسطي تعد المسئول الأول و الأخير عن الحِراك الاجتماعي: فعندما نتحدث عن الطبقة المتوسطة فإننا نعني تلك الطبقة التي علمت مصر و طببتها و ثَقَفَتها، و هي مَن أدخَل إلي أرض الكنانة الفن و الأدب و الشعر و العلم.

إلا أن تلك الطبقة مرت في مصر بمتغيرات و تحولات كبيرة، و واجهت عدة أزمات، منذ نشأتها في مطلع الخمسينيات و على مدار التاريخ، أدت إلي تآكلها بشكل ملحوظ. فقد كان يقدر حجم الطبقة المتوسطة في أواخر القرن التاسع عشر بحوالي 10 % من سكان مصر و التي نمت بسرعة البرق- في أقل من خمسين عام- لتصل عند قيام ثورة يوليو إلي 20% من سكان مصر. و الجدير بالذكر، أن هذه النسبة كانت مستقرة و مُتَّزنة و لكن لم يبق الوضع علي ما هو عليه، حيث أنه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، تَطَوَّر التعليم و تم فتح باب التوظيف للمواطنين الكادحين، مما أدي للاتحاق نسبة كبير جداً من الطبقة الكادحة للطبقة المتوسطة. فضلا عن تحديد الملكية و الذى تسبب بدوره هو الآخر في انضمام نسبة من الطبقة العليا للطبقة الوسطي فتوسعت هذه الطبقة بشكل كبير لتصل إلى 60% من المجتمع المصرى. زادت، بعد ذلك، نسبة الطبقة المتوسطة في عهد الرئيس محمد أنور السادات، بسبب سياسة الانفتاح التي ترتب عليها سفر كثير من المصريين لايجاد فرص عمل بدول الخليج و لكنها لم تعد متماسكة، بالإضافة إلي ظهور فروق واضحة بداخلها: حيث أصبح أغلبها ينتمي للطبقة المتوسطة الدنيا أو الطبقة المتوسطة العليا مما جعلها طبقة غير مستقرة بالمرة.

وفي التسعينيات، حدثت تَغَيُرات اجتماعية جمَّة، كان لها دور ملحوظ في التأثير علي الطبقة الوسطي و التي بدأت في التناقص مع دخول الألفية الجديدة بسبب الارتفاع التدريجي للأسعار و زيادة نسبة البطالة و سيطرة القطاع الخاص علي المشهد. هنا ظهرت الطبقة الوسطي كجزر منعزلة، و تحولت في داخلها لشرائح تقترب بعضها من الطبقة الفقيرة، و البعض الآخر من الطبقة العليا. و لا يمكن أن ننسي التأثير السلبي لثورة 25 يناير علي رمانة الميزان حيث تسببت في تذبذب أوضاعها بشكل عام.

و اليوم و بعد تَعَرُضْ الطبقة الوسطي لهذا الكم الهائل من الصفعات، أصبح وَضعُها مُقْلِقاً للغاية؛ إذ أنها علي حافة الهاوية خاصة و أن محدودي الدخل ترعاهم الدولة بشكلٍ شبه كامل عن طريق إمدادات الجيش و العلاج بالمجان و التموين و بناء المساكن و توفير العلاج من فيروس سي إلي غير ذلك... أما الطبقة المتوسطة- و التي تُعَد الطبقة الأكثر انتماء للوطن باعتبار مواطنيها مُلَّاك الوطن الذين يدفعون الدعم من إنتاجهم و ضرائبهم و يمتنعون عن شراء السلع المدعومة- باتت هائمة علي وجهها تعاني اليُتم. فتآكلت لتشكل- وفقا لخبراء الاقتصاد- من ثلاثين إلي خمسة و ثلاثين مليون نسمة - و هي نسبة غير مستقرة- بل و فقدت الطبقة الوسطي قدرتها علي الدفع إلي الأمام، علماً بأن حجمها لم يعد يصل إلى مايسمى بالكتلة الحَرِجة. و لذلك تُمَثِّل الطبقة الوسطى القوة الشرائية العظمي أو بعبارات أخرى: عندما تزيد الأسعار يزداد الأغنياء غنا و يزداد الفقير فقراً؛ لأنه مع زيادة الأسعار يتساقط عدد هائل من المواطنين من السلم الاجتماعي إلي الطبقة الدنيا.

و لأوضح لك أيها القارئ الواعي الوضع الحرج الذي وصلت إليه الطبقة المتوسطة، سأضرب لك مثالا توضيحيا. فالمجتمع كالقطار المكون من ثلاث درجات، الطبقة الوسطى هم ركاب الدرجة الثانية التي لا تمتلك مبلغاً كافياً من المال لشراء تذكرة الدرجة الأولي و لا يمكن أن ينتهي بها الحال مع ركاب الدرجة الثالثة لأنها لم تعتادها و إذا حدث خلل في عربة الدرجة الثانية سيختل توازن القطار بأكمله فيخرج عن القبطان.

و لذا بات علي الحكومة أن تعمل جاهدة لتخفيف تلك المعاناة، إذا أرادت الحفاظ علي تلك الطبقة التي لم تستطع، حتي الآن، أزمات الزمان أن تنال من وجودها و حتي لا ينهار العمود المحافظ علي جسم المجتمع فينقسم بدوره إلي مشهد غير مرغوب فيه إما أغنياء إما فقراء؟





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة