رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الصين تتجاوز 2020 وتمضي في طريق نهضتها

بوابة الجمهورية

تنسحب سنة 2020 مخلفة وراءها ذكريات مريرة للبشرية جمعاء. وبينما تنقشع غيوم هذه السنة والعالم بين الأمل والرجاء في أن يكون القادم أفضل، يثبت الصينيون، مرة أخرى وليست أخيرة، أن المحن تجعلهم أكثر عزيمة وتلاحما وإصرارا على المضي في طريق نهضة بلادهم وتحقيق الرخاء للإنسانية، إيمانا منهم بالمصير المشترك للبشرية.


وبنظرة خاطفة إلى الصين على مدى الاثني عشر شهرا المنصرمة، تبرز مشاهد مضيئة لقادة الصين وحزبها وشعبها، لعل أكثرها إشراقا هي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج، يوم الثلاثاء العاشر من مارس لمدينة ووهان التي كانت بؤرة تفشي فيرو كورونا الجديد (كوفيد- 19). في ذلك اليوم توجه الرئيس مباشرة إلى مستشفى هوهشنشان، حيث تفقد أعمال المستشفى وعلاج المرضى وحماية العاملين الطبيين والبحوث العلمية هناك. زار الرئيس شي، وهو أيضا الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، المرضى وقدم تحياته إلى الأطقم الطبية، قبل أن يتوجه إلى تجمع سكني حيث السكان الذين كانوا يخضعون للحجر الطبي المنزلي.

السيطرة على الوباء

لقد مثلت جائحة كوفيد- 19 اختبارا لمنظومة وقدرة الحوكمة الصينية. تولى الرئيس شي جين بينج بنفسه أعمال التنظيم والتوجيه، وتم إجراء التعبئة العامة على المستوى الوطني، واتخاذ تدابير الوقاية والسيطرة الأكثر شمولا وصرامة واكتمالا. حُشدت أفضل الطواقم الطبية من أنحاء البلاد بسرعة لدعم ووهان، وتم بناء وتشغيل مستشفيات طوارئ جديدة، وتمكين المرضى من تلقي العلاج في الوقت المناسب، كما كُرست القدرات الوطنية لتطوير أدوية العلاج. إن قدرة الصين على إدارة الوباء بُنيت بهدوء منذ جائحة الالتهاب الرئوي اللا نمطي الحاد (سارس) عام 2003. تم تعزيز دور المركز الصيني للسيطرة على الأمراض والوقاية منها بشكل كبير من خلال قانون الأمراض المعدية الذي تم تعديله في أغسطس 2004. كما تم وضع نظام إلكتروني جديد للإبلاغ عن الأمراض يتم بموجبه الإبلاغ مباشرة إلى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها من جميع المصادر الصحية. لقد كانت استجابة الصين للجائحة فعالة حقا. الإجراءات الجادة التي تم اتخاذها في البداية وما تبعها من تتبع منهجي واختبار وعلاج إجراءات مبتكرة وفعالة، دليل على أنه من خلال السياسة الجيدة والعلم معا، يمكن إدارة أزمة بالغة الصعوبة مثل كوفيد- 19. حُشد المجتمع بأسره لمنع تنقلات الناس غير الضرورية. خاضت الصين كلها معركة كوفيد- 19، واستطاعت قبل أي بلد آخر السيطرة على الوباء وإعادة فتح اقتصادها، فقد أصبحت أول دولة كبيرة تحقق نموا اقتصاديا بلغت نسبته 4.9% في الربع الثالث من سنة 2020 على أساس سنوي، بعد أن شهد اقتصادها انكماشا بنسبة 1.6% في النصف الأول من السنة.

استعادة الاقتصاد ودفع النمو العالمي

في ظل الضربة القاسية التي وجهتها جائحة كوفيد- 19 للاقتصاد العالمي، من المتوقع أن تلعب الصين دورها كمحرك رئيسي لإنعاش النمو العالمي في المستقبل. ستكون الصين الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي يحقق النمو هذا العام، وفقا لآخر تقارير آفاق الاقتصاد العالمي الصادرة عن صندوق النقد الدولي. وأشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أيضا إلى أن الصين هي الدولة الوحيدة في مجموعة العشرين التي يتوقع أن تشهد ناتجا اقتصاديا إيجابيا هذا العام. فعلى الرغم من استمرار الوباء في التسبب في قدر كبير من عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، حافظ الاقتصاد الصيني على الانتعاش المستدام بفضل سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية لتعزيز التنمية الاقتصادية، مما أدى إلى تحسين مرونة وإنتاجية الاقتصاد الصيني. لقد أظهرت الصين للعالم مرونة اقتصادها. الصين هي الدولة الأولى التي لم تقتصر على احتواء الوباء فحسب، وإنما أيضا أطلقت سلسلة من المبادرات لاستعادة سوقها الديناميكية. لقد اغتنمت الصين الفرصة لتعميق الاستهلاك المحلي كدعامة للاقتصاد خلال هذا الوقت. تم وضع سياسات هذه الركيزة بعناية قبل وقت طويل من انتشار الوباء. لقد كان من المثير مشاهدة كيف اجتمعت عناصر هذه السياسات، من المعاملة الضريبية إلى التجارة، خلال هذه الفترة. إن جزءا كبيرا من إصلاحات الصين يهدف إلى جذب الاستثمار الأجنبي، لا سيما في القطاعات المستهدفة. إن عبارة "الوصول إلى الصين"، كقوة عالمية كبرى ومحرك للاقتصاد العالمي، تعني أشياء مختلفة بالنسبة للبلدان المختلفة.

أقامت الصين في شهر نوفمبر الدورة الثالثة لمعرض الصين الدولي للاستيراد. وعلى الرغم من حالة عدم اليقين في السوق العالمية الناجمة عن جائحة كوفيد- 19، بلغت قيمة الصفقات التي تم التوصل إليها لمشتريات السلع والخدمات لمدة سنة واحدة في هذه الدورة 6ر72 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 2.1%. وشارك في تلك الدورة نحو 80% من الشركات المدرجة على قائمة مجلة فورشن لأقوى خمسمائة شركة عالمية، كما شاركت فيها إحدى وثمانون علامة تجارية تقليدية صينية.

تحقيق هدف التخلص من الفقر

تمثل سنة 2020 نهاية فترة الخطة الخمسية الثالثة عشرة للصين (2016- 2020). على الرغم من التحديات الخارجية المتزايدة والتداعيات الخطيرة لجائحة كوفيد- 19، استطاعت الصين تحقيق الأهداف المحددة في الخطة، بما في ذلك تحسين الهيكل الاقتصادي وإصلاح جانب العرض والانفتاح على نطاق واسع وتحقيق ظروف معيشية أفضل للناس. و2020 أيضا العام الأخير للصين لبلوغ هدفها المتمثل في بناء مجتمع الحياة الرغيدة (شياوكانج)، وهو الموعد الذي حددته للتخلص من الفقر. في السادس من مارس عام 2020، أشار الرئيس شي جين بينج في كلمته التي ألقاها في ندوة "كسب المعركة الحاسمة لتحقيق انتصار حاسم في التخفيف من حدة الفقر" إلى أنه "بعد إنجاز مهمة التخفيف من حدة الفقر هذا العام، سيتخلص حوالي مائة مليون فرد في الصين من الفقر، وبذلك تحقق الصين هدف تخفيف حدة الفقر ضمن أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 للأمم المتحدة قبل الموعد بعشر سنوات. لا توجد دولة أخرى في العالم يمكن أن تساعد هذا العدد الكبير من السكان على التخلص من الفقر خلال هذه الفترة القصيرة، وذلك له مغزى هام للصين والعالم." وبرغم الجائحة استطاعت الصين أن تفي بوعدها.

الخطة الخمسية الرابعة عشرة

في كلمته أمام الجلسة الخامسة الكاملة للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني في بكين في الفترة من السادس والعشرين إلى التاسع والعشرين من أكتوبر 2020، طرح الرئيس شي جين بينج مقترحات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن صياغة الخطة الخمسية الرابعة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للصين للفترة من سنة 2021 حتى سنة 2025، والأهداف الطويلة المدى حتى عام 2035. وقد ركزت المقترحات بشكل رئيسي على جملة من الأهداف، في مقدمتها، التنمية العالية الجودة وبناء نمط جديدة للتنمية يعتمد على "التداول المزدوج" وإعادة التوازن نحو السوق المحلية الصينية من أجل "تسهيل اتصال أفضل بين السوق المحلية والخارجية لتحقيق نمو أكثر مرونة واستدامة. ودعا الرئيس شي إلى التمسك بتوسيع الطلب المحلي كأساس إستراتيجي وتعزيز دورة إيجابية للاقتصاد الوطني، كما دعا إلى نظام إمداد أكثر توافقا مع الطلب المحلي. وقال إن نمط التنمية الجديد لن يكون بأي حال من الأحوال تداولا محليا مغلقا، مشددا على أنه بدلا من ذلك سيكون تداولا مزدوجا مفتوحا يشمل الأسواق المحلية والخارجية. وأوضح أنه سيكون هناك العديد من العوامل غير المستقرة وغير المؤكدة في البيئة الخارجية في الفترة المقبلة حيث قد تؤثر العديد من المخاطر الكامنة على التنمية الاقتصادية المحلية، مضيفا أن جائحة كوفيد- 19 لها تأثير بعيد المدى وقد تؤثر على الاقتصاد العالمي. وأكدت المقترحات على أهمية "الرخاء المشترك"، إذ دعت إلى "مزيد من التقدم الملحوظ والجوهري في تعزيز الرخاء المشترك للجميع" و"بذل جهود قوية لدفع الرخاء المشترك قدما". وأكد الرئيس شي على تحقيق هدف بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل في الموعد المحدد، وهو احتفال الحزب الشيوعي الصيني بالذكرى المئوية لتأسيسه. إن مقترحات صياغة الخطة الخمسية الرابعة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية والأهداف البعيدة المدى حتى عام 2035، تؤكد على الابتكار والطلب المحلي وجودة التنمية والانفتاح الرفيع المستوى من بين أمور أخرى، والمزيد من فرص التنمية وتحقيق الرخاء المشترك.

إنجازات لا تتوقف

في صباح يوم الخميس السابع عشر من ديسمبر 2020، وقبل أيام من مغادرة سنة 2020، رجعت إلى كوكب الأرض، وتحديدا في محافظة سيتسيوانج بمنطقة منغوليا الداخلية الذاتية الحكم في شمالي الصين، كبسولة العودة للمسبار الصيني تشانج آه- 5، حاملة أول عينة للصين والتي تم جمعها من القمر، لتكون الصين أول دولة في العالم تجمع عينات من القمر منذ أكثر من أربعين عاما.

تواصل التعاون الصيني- العربي

خلال مكافحة كوفيد- ١٩، تبادلت الصين والدول العربية الخبرات والمساعدة بشكل فعال، مما يقدم للدول النامية نموذج التعاون وتعزيز التعاون والممارسات بين الصين والدول العربية، ويكتب فصلا جديدا لبناء رابطة المصير المشترك بين الصين والدول العربية. وخلال عام 2020، عقدت الصين مع الدول العربية عشرين اجتماعا عبر تقنية الفيديو لتقاسم الخبرات والتجارب بشأن مكافحة الوباء. تولي الصين اهتماما بالغا لاحتياجات الدول العربية من اللقاحات وتتعاون معها لجعل اللقاحات منتجا عاما عالميا وتعزيز بناء رابطة الصحة المشتركة للبشرية. وعُقدت في السادس من يوليو 2020، الدورة التاسعة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي، بتقنية الفيديو، وأصدرت ثلاث وثائق هي: "إعلان عمّان" و"خطة العمل لمنتدى التعاون الصيني- العربي 2020- 2022" و"البيان المشترك بشأن التضامن معا لمكافحة كوفيد- 19". وتتعاون الصين مع العديد من الدول العربية، ومنها مصر، في مجال لقاحات كوفيد- 19. في العاشر من ديسمبر، تسلمت مصر أولى شحنات اللقاح الصيني (سينوفارم)، وكان في استقبال شحنة اللقاح المكونة من خمسين ألف جرعة كل من وزيرة الصحة المصرية الدكتورة هالة زايد وسفير الصين لدى مصر لياو لي تشيانج والقائمة بأعمال سفير الإمارات لدى مصر مريم الكعبي.

عام جديد.. أمل جديد

في عام 2021، ستستمر جهود الحكومة الصينية للاستثمار في مشروعات البنية التحتية الجديدة، مثل المواد الجديدة والطاقة الجديدة والمتجددة وأنظمة النقل الذكية الجديدة وبرامج الفضاء الجديدة والسفن القتالية الجديدة ونماذج الأعمال الجديدة. في الوقت نفسه، ستستمر الدولة في طرح مشروعات السكك الحديدة العالية السرعة والمطارات والمواني، ودفع عملية التحول الحضري للسماح للمزيد من العمال الريفيين المهاجرين بالاستقرار في المدن.

على الرغم من أن جائحة كوفيد- 19 لا تزال تشكل تحديات خطيرة للاقتصاد العالمي، شهد العالم مرونة الصين خلال هذه الأوقات الصعبة. وكمحرك للنمو الاقتصادي العالمي، فإن تعافي الصين من الوباء يعد أمرا بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي. إن أنظار العالم ستركز على كيفية رسم الحكومة الصينية لأولويات سياستها وخطط عملها الاقتصادية، والتي من المؤكد أنها ستؤدي إلى انعكاسات واسعة النطاق وتأثيرات مضاعفة عبر الاقتصادات الأخرى. ومن المرجح أن يشهد الاقتصاد الصيني في الربع الأول من عام 2021 بداية قوية، فقد وضع نجاح جهود الحكومة في تضييق الخناق على فيروس كورونا الجديد الأسس للصين لتحقيق انتعاش اقتصادي ممتاز منذ أواخر إبريل 2020.

إن المبادرات الرئيسية، بما في ذلك متابعة النمو الاقتصادي المرتكز على الإنتاجية والمدفوع بالطلب المحلي والتركيز على توطين التكنولوجيا والتداول المحلي والارتقاء في سلسلة القيمة العالمية وفتح الأسواق المالية والرقمنة والتوسع الحضري والاقتصاد الأخضر، كلها تعتمد على مستوى تصميم وتنسيق السياسات بين الحكومة المركزية وحواضر المقاطعات الأخرى، وهذه سمة هامة للنظام السياسي والاقتصادي المتميز في الصين. تستقبل الصين عام 2021، وهو العام الأول من الخطة الخمسية الرابعة عشرة، بعزيمة أقوى على مواجهة التحديات، ومنها التأكد من قدرة الدولة على تحقيق معدل نمو مرتفع نسبيا وإيلاء اهتمام أكبر لمواجهة تحديات مثل الاختناق التكنولوجي وعدم المساوة الاجتماعية وانبعاثات الكربون، خاصة بعد أن طرحت الصين خلال الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة هدف الوصول إلى ذروة الانبعاثات الكربونية قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060.

سوف تشرق أشعة العام الجديد من الصين باعثة الأمل في كل أرجاء العالم، وستواصل الصين مسيرتها من أجل سلام وتنمية العالم.

-------------------------------------------

وانج ماو هو، عضو المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني.

حسين إسماعيل، نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة ((الصين اليوم))





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة