مصطفى عبد الله يروى قصة لقاءه بصدام حسين فى بغداد من 40 سنة
حكاية صورة ولكن الحقيقة أقوى
كما نقول فى مصر له ما له وعليه ما عليه سواء اتفقت أو اختلفت معه يبقى أكثر الشخصيات إثارة للجدل حولها فى تاريخ الوطن العربي، فقد تأرجحت حياته بين الهيبة والرعب، والحرب والسلام، والنصر والهزيمة، والحرية والقبو، والزعامة والمشنقة.
رحل صدام حسين عن هذا العالم شنقًا منذ 14 عامًا وهناك في العراق وفي الوطن العربي من يرفعه إلى قمة القداسة ومن يهبط به إلى أسفل سافلين.
قاد الجيوش وخاض الحروب، وتحالفت ضده الكتائب من الشرق والغرب، وارتكب من جرائم القتل والإبادة ما يملأ الصفحات، وعانى من الفشل والعجز والخيانة حتى احتل المستعمر أرضه، ودنس وطنه، وقتل شعبه.
ويروى لنا الكاتب الصحفي الكبير مصطفى عبدالله حكاية الصورة التي جمعته بصدام حسين فى بدايات الثمانينات من القرن الماضي فى بغداد فى ذروة حرب صدام حسين مع إيران. وكان اسم صدام حسين وقتها كفيلًا بإلقاء الرعب في قلب من يبتعدون عنه، فما بالنا بصحفي ومثقف مصري لا يملك سوى قلمه، ولا يخشى مسدسه المعلق في خاسرته، ولا عينيه المتعطشة للحرب والقتل والإبادة، ولا عيون الحراس الأشداء من حوله، وشراسة معاونيه.
ويروي الكاتب الصحفي الكبير الحكاية وهو يخترق بذاكرته حجب السنين فيقول:
تعود هذه الصورة الى نحو 40 عامًا، إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما كنت المحرر الأدبي لجريدة الأخبار، فكنت قد دعيت لحضور مهرجان بغداد الشعرى الأول، وكان من المدعوين لهذا الحدث الثقافي المهم وقتها: نزار قباني،وسعاد الصباح، والشيخ مبارك بن سيف آل ثاني، ومن مصر كانت الدعوة موجهه لفاروق شوشه ومحمد ابراهيم أبو سنة، وأحمد سويلم، والدكتور أحمد عبدالرحمن الشرقاوي، وعبد الستار سليم وعزت الطيري، ومحمد آدم، ووفاء وجدى، فضلًا عن: عبدالوهاب البياتي، الشاعر العراقي الذي كان خارج العراق في منفاه الاختياري، والشاعر التونسي المنصف المزغني، والمغربي محمد الطوبى وغيرهم.
وكانت هذه اول زيارة لى للعراق، وكانت الحرب العراقية الإيرانية في أوجها، وكان العراق قد أعلن حالة التأهب القصوى، وكان الرئيس العراقى صدام حسين يرتدى الزي العسكري هو وكافه الوزراء، وحتى المنظمين العراقيين لمهرجاننا يرتدون الزي العسكري، ولم يكن غيرنا من يرتدون الزي المدني.
وافتتح المهرجان في قاعة المؤتمرات الملحقة بفندق قصر الرشيد الفاخر، وكانت الحفاوة العراقية واضحه جدًا على وجوه العراقيين، والإمتنان على وجوهنا.
وحضر الرئيس صدام حسين شخصيًا افتتاح المهرجان، وألقى نزار قباني قصيدته حول بلقيس زوجته العراقية التي استشهدت في حادث السفارة العراقية في بيروت.
وفي أثناء فاعليات المهرجان، همس أحد العراقيين المرافقين لنا في أذني قائلًا: "ارتدي بدلتك غدًا"، فتوقعت بحسى الصحفي أننا سنلتقي غدًا بالرئيس صدام حسين.
وبالفعل طلبوا منا في الصباح التوجه إلى الحافلات، وكنت الوحيد ممن أعرفهم الذى يرتدي بدلة.
وكانت الاجراءات الأمنية صارمة حتى أنهم طلبوا مننا أن نترك كل ما في جيوبنا من أوراق وأقلام وجوازات سفر، وحتى النقود فى أظرف نغلقها بأنفسنا ونكتب عليها أرقام غرفنا في قصر الرشيد ثم نسلمها إلى سيارة سوداء مرافقة لنا.
وتحركت حافلاتنا من قصر رئاسي إلى آخر، إلى أن وصلنا في النهاية إلى القصر الذي سنلتقي فيه بالرئيس العراقي، فأدخلونا قاعة معده لإستقبالنا وخصصوا أماكن في صدر القاعة لنزار قباني وسعاد الصباح، وكنت في مكان استطيع أن أرى المنصة بوضوح.
ودخل الرئيس صدام يرتدي البدلة العسكرية التي في الصورة، ومسدسه في جانبه الأيمن وهو وسط مرافقيه.
وتوجه لمصافحتنا وبدأ بالصف الذي أجلس فيه، وعندما صافحني شعرت بأنني في مواجهة شخص له حضور أخاذ، وكان وزير الاعلام يقدم له كل ضيف منا، وصوَّب صدام نظره إليّ باهتمام وكأنه يدعوني لأن أتحدث إليه، وكنت وقتها أصغر الحضور سنًا، وبدون أية حسابات ويدي في يده، قلت له: يا سيادة الرئيس لماذا تقطع العلاقات مع مصر؟ ووجدته يتحدث بإهتمام بالغ لمدة خمس دقائق عن مكانة مصر، وحبه لها، وكيف أنها فى قلب كل عراقي، وكيف أنها الشقيقة الكبرى، وعلاقته بها أكبر من أي علاقات دبلوماسية.
وقد كانت مصر وقتها تساعد العراق في حربه مع إيران رغم المقاطعة العربية لها، وعدم وجود علاقات سياسية مع العراق.
وكان كل من حولي يلتفتون الى كلام الرئيس العراقي، ومنهم الدكتور أحمد عبدالرحمن الشرقاوى والاعلامى عادل معاطى وغيرهما.
وفى الصورة اتكلم والرئيس يصغي.
وبعد اللقاء كان لابد من أن أنقل الخبر الى أخبار اليوم، لان كلامه يعتبر نقله كبيره في العلاقات بين العراق ومصروتصريحًا يهم كل مصري وكل عربي.
وطلبت من سويتش الفندق ان يتصل بمؤسسة أخبار اليوم لأنقل تصريح الرئيس العراقي، وبالفعل رد علىّ صحفي كبير فى الديسك المركزي، وأثناء إملائي الخبر عليه فوجئت به يقول لي "يا راجل كنت أظن أنك ستنقل خبرًا يستاهل .. خليك في الثقافة بتاعتك!" وهاجم كلام الرئيس صدام حسين، فنبهته منفعلًا الى أن دوره أن يوصل الخبر للأستاذ موسى صبري.
وفوجئت أن موظف السويتش في الفندق يتدخل في المكالمة ويكلم الصحفي الزميل ويقول له كيف تقول هذا الكلام عن الرئيس صدام حسين؟!
وقد جعلني هذا الموقف في حالة رعب شديد من عواقب أن ينقل عامل السويتش ما دار في المكالمة محرفًا للسلطات العراقية، لا سيما وأن الأمن العراقى كان فى منتهى القوة والسلطوية، وكانت المرافقات لنا من العراقيات يتحدثن معنا في حديقة الفندق خوفًا من وجود أجهزة تسجيل في القاعات المغلقة.
ورغم ذلك أعجبت بشخصية صدام حسين في قوته وكاريزمته، وصلابته وقيادته في الحرب العراقية الإيرانية.
ويكمل الكاتب الصحفي مصطفى عبدلله قائلا: ظلت هذة الصورة تائهه لسنوات طويلة، وعدت إلى العراق عده مرات لحضور مهرجاناتها الثقافية. وكنت في سعادة بالغة عند الإلتقاء بالمثقفين العرب والعراقيين هناك، لكنني توقفت عن السفر عندما بدأت جثث المصريين تعود من العراق دون تبرير واضح لأسباب قتلهم.
وقلت لا يمكن أن أسافر إلى بلد يقتل به هذا العدد الضخم من المصريين.
وصدام حسين كان رمزًا للشموخ العربي ولا يزال بالنسبة لكثير من الناس، وله رصيد من الحب وبخاصة بعد العدوان الأمريكى على العراق رغم أن صورته أهتزت كثيرًا بعد غزو الكويت.
وقد شجبنا ذلك وكان ذلك بداية النهاية بالنسبة له.
وفور نشري هذه الصورة - التي ظلت سنوات طويلة شاردة - على حسابي على الفيسبوك تلقيت العديد من الرسائل الثائرة من أصدقاء عراقيين يطلبون الإدلاء بشهاداتهم، ومنها هذه الرسالة التي وصلتني من طبيب بريطاني من أصل عراقي تقول فيها:
الشخصين اللذين يقفان خلف صدام حسين في هذه الصورة هما: الشخص الذي على اليسار، ووجهه واضح بالكامل هو "صباح مرزة" الذي كان المرافق الأقدم لصدام حسين، والشخص الواقف إلى يمين الصورة والذي لا يظهر بالكامل اسمه "حسين كامل"، وهو الذي كان عسكريًا مغمورًا برتبة "نائب عريف". وفجأةً، ولأنه من أبناء عمومة صدام، أصبح من المرافقين لصدام، وتزوج إحدى بنات صدام. وارتفع في الرتب العسكرية إلى أن أصبح جنرالاً، ورئيسًا لهيئة التصنيع العسكري!!!
وكان لحسين كامل أخ اسمه "صدام كامل" تدرج أيضًا في الرتب العسكرية، وتزوج هو الآخر بنتًا أخرى من بنات صدام حسين . وهو الذي لعب دور صدام حسين في فيلم "الايام الطويلة".
وفي العام 1995، هرب الأخوان: حسين وصدام كامل إلى الأردن، خوفًا من بطش "عدي" الابن الأكبر لصدام حسين، وفضحوا سياسات نظام صدام، وملفه النووي.
وبعد سنة في الأردن، وبعد سلسلة من التعديات من قبل حسين كامل على صحفيين أردنيين، قرر الأخوان الرجوع إلى العراق بعد أن حصلا على وعد من صدام بالعفو عنهما باعتبارعما زوجا ابنتيه.
واستقل الأخوين سيارتيهما مع زوجتهما وأولادهما، وفي نقطة الحدود بين العراق والأردن كان في انتظارهم عدي صدام حسين الذي كان مشهورًا ببطشه واغتصابه للفتيات، فاتجه عدي إلى السيارات التي كانت تقل أختيه واصطحبهما إلى سيارته، واخبر الاخوين بان يواصلا سفرهما إلى بغداد بدون عوائلهم .
وبعد أيام من وصولهما إلى بغداد، هجمت عليهما مجموعة كبيرة من عشيرة "المجيد" التي ينتميان، هما وصدام حسين إليها، وتم قتلهما بصورة شنيعة؛ وحزت رءوسهم من قبل ابن عم صدام حسين "علي حسن المجيد" واخذت هدية إلى صدام حسين على صواني.
هذا هو صدام حسين الذي لم يكتفي بقتل العراقيين، وإنما ذبح أزواج بنتيه ويتم أحفاده .
ولكنى قلت لهم أنا أكتب عن صورى وذكرى حدثت فى حياتى الصحفية تمس بلدى مصر وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع الرئيس صدام حسين فالتاريخ وحده هو الذى يحاكمه الأن فله ماله وعليه ماعليه.