نسخة أفضل
قصة قصيرة
بقلم: دينا أبو الوفا
من بين أولادها الثلاثة ، الذين أنعم الله عليها بهم فى سنوات زواجها الاولى ، لم يكن يشغل بالها ويقلقها أحد منهم بقدر ما كان يقلقها ابنها الأصغر "آخر العنقود سكر معقود" .... كانت شخصيته تختلف كثيراً عن شخصيتها وشخصية أختيه الاثنتين ..
منذ ان بدأ يكبر أمام عينيها ، لاحظت انه من ذلك النوع من البشر الذى لا يبالي كثيراً بالعالم من حوله ... لا يأخذ شيئاً على الاطلاق على محمل الجد ... الحياة نفسها لا يأخذها على محمل الجد ... المدرسة بالنسبة له نزهة مملة لا لزوم لها .... والحصص المدرسية والدروس مضيعة لوقته الثمين لا أكثر ... والجلوس للاستذكار اهدار لطاقته ...
لا شئ يهمه فى الكون سوى أمور قليله تعد على أصابع يد واحدة ... السيارات بماركاتها وموديلاتها ، البلاى ستيشن وألعابها الحديثة ، الخروج مع أصدقائه وتمضية الوقت معهم ، لعب كرة القدم وأخيراً وليس آخراً التسوق فلا شئ على وجه هذه الارض يدخل السعادة والبهجة فى قلبه كشراء ملابس وأحذية جديدة وباهظة الثمن بالطبع ...
لم تبادره بالسؤال يوماً عن طموحاته وأحلامه ومشاريعه وخططه المستقبلية ، الا وقابل سؤالها باستهزاء وسخرية ... أى مشاريع وأى أحلام تتحدث عنها تلك المرأة المجنونة !!!!
بتلك العبارة الساخرة ، كانت تنطق عينيه كل مرة الحياة فى منهجه الخاص ، أبسط بكثير من أن نعقدها بهدف سامٍ وطموحات وخطط ، تحتاج حتماً الى مجهود وجد واجتهاد وعزيمة واصرار وروح تحدٍ... وكانت تستشعر الأم ان كل تلك الأشياء لا تتعدى كونها هراء وهزى بالنسبة لابنها.
كانت تصبر نفسها وتواسيها فى أحيان كثيرة ، بفكرة ان كل صبيان هذا الجيل على شاكلة ابنها .. وان ما تعانيه من خيبة أمل تعانيه الآلاف من الأمهات غيرها ... ولكن أكانت تلك الخاطرة تكفى لتريح بالها حقاً .... بالطبع لا فلا يهمها سوى ابنها ... لا يهمها سوى ان تراه صاحب هدف وله رؤية واضحة ... ان تراه ناجحاً متفوقاً ...
ولأنها تعلم ان الدراسة فى مدارس ألمانية أمر بالغ الصعوبة ، فقد رضخت منذ ثلاث سنوات لرغبته فى الانتقال الى المدرسة الأمريكية لأنها أبسط بكثير ولا تتطلب نفس القدر من المجهود والعمل الشاق ... وقد وصل الآن الى العام الثانى من المرحلة الثانوية وعليه ان يخوض اختبار "اي سى تى" للمرة الاولى فى دور ديسمبر ...
لا تنكر الأم انها رأته على غير عادته ، يبذل مجهوداً استثنائياً فى المذاكرة حضر جميع الدروس بانتظام "أون لاين" وبذل جهداً لا بأس به فى الاستذكار ، لكن ذلك لم يمنعها من القلق والترقب ... نعم هى المحاولة الأولى ويحق له عدة محاولات يحسن فيها مجموعه الكلى ولكن تبقى المحاولة الأولى مؤشراً لما ستعقبها من محاولات ... دخل الامتحان ولم تكف الأم عّن الدعاء له بالنجاح والتوفيق وبعد ثلاثة أيام ظهرت النتيجة ... وكما توقعت الأم ، لقد اجتاز الاختبار ولكن ليس بمجموع عال ...
وكان أمامها خيار من اثنين اما ان توبخه وتؤنبه ، واما ان تعرب عّن تقديرها لمجهوده ، وتقبلها للمجموع الذى حصل عليه كونها محاولته الأولى ... فاختارت الحل الثانى ...
"مبروك يا حبيبى ... مَش بطال كمحاولة اولى ، بس انت ذكى وقدراتك أكبر من كده بكتير .."
وراحت تشرح له كيف يحسن مجموعه فى المرة المقبلة ، مشيرة الى نقاط ضعفه ونقاط قوته ...
"مامى بقولك ايه ... حاضر ... بس عشان تبقى عاًرفه انا احسن نمرة فى كل اصحابى ...
فى اصحاب ليه منجحوش اصلاً... فانا كده تمام اوى"
"لا يا حبيب مامى" قالتها وهى تناغشه "كده مَش تمام اوى ولا حاجة وركز بقى معايه فى اللى هقوله "
وراحت تسرد له وجهة نظرها بكل جدية فى عدة نقاط
كان أول تلك النقاط ، ان أخطر الأخطاء التى قد نقع فيها ، هى ان نقارن أنفسنا ونقارن نجاحنا وما وصلنا اليه بمن حولنا ... فلا أحد منا يشبه الآخر ... كل له طابعه الخاص وقدراته الذهنية والبدنية الخاصة وله شخصيته المنفردة بذاتها ... ومقارنة انفسنا بمن حولنا لهو أمر ساذج ... فربما كان كل من حولنا أقل منا من حيث القدرات والامكانيات والمؤهلات ولهذا لم يصلوا الى ما وصلنا اليه ، فنظن خطأ اننا نجحنا نجاحاً ساحقاً ماحقاً ووصلنا الى المنتهى ولم تنجب الأرض منا اثنين ... ولكن حقيقة الأمر ان الأعور يصير ملكاً على العميان ... لا أكثر !!!!
فتكون العاقبة اننا ننزلق الى الأسفل الى القاع بدلاً من التطلع الى الأعلى الى القمة ...
وربما كان كل من حولنا يتمتعون مثلنا بنفس القدرات والامكانيات ولكنهم لا يبذلون جهداً كافياً ، وبالتالى لا يحصلون على النجاح المرجو ، ومرة أخرى نتأثر نحن سلباً ونكف عّن بذل مزيداً من المجهود
وقد يكون من حولنا أفضل منا من حيث القدرات والامكانيات وأشياء أخرى عديدة وعليه نظل نلهث فى محاولة بائسة للحاق بهم دون جدوى وتستنفذ طاقتنا ونفقد الحماسة والدافع الذى يحركنا الى الأمام ...
ونقف “محلك سر” أو ننزلق الى القاع ...
ولهذا علينا ان نقارن أنفسنا بشخص واحد على وجه هذه الارض ... شخص واحد نسعى ان نكون غداً أفضل منه ... ذلك الشخص هو نحن ... يجب ان نسعى لنكون نسخة أفضل من أنفسنا كل يوم ...
بدت على وجه ابنها علامات الاقتناع ... فعلى الرغم من كل شئ فان ابنها يتحلى بقدرة كبيرة على الاستماع للمنطق والعقل ...
ابتسمت الأم ، وقبلت رأسه وانهت حديثها معه داعية الله بصوت عال ان يطيل الله فى عمرها لترى ابنها يوماً ما فى أفضل نسخة منه على الاطلاق ...