سيناء – العاصمة الاقتصادية الجديدة
لم تنل سيناء حظاً من فرص التنمية التى شهدتها ربوع الجمهورية منذ عقود مديدة وذلك لأسباب عديدة، منها ما له علاقة بالصراع العربى – الإسرائيلى ومنها ماله علاقة بأولويات التنمية، ومنها ما له علاقة بندرة الموارد القومية المطلوبة لإحداث التنمية الشاملة فى سيناء.
فقد وقعت سيناء فريسةً سهلة لأطماع وأحقاد عديدٍ من الجهات سواء كانت دولاً أوجماعات أو تنظيمات محلية ودولية، وعلى الرغم من أن تلك الأطماع بدت فى الأفق منذ عشرات السنين؛ الا أن الإرادة السياسية حينذاك لم تُقدم على اتخاذ القرار المناسب للتصدى لهذه المطامع البغيضة ووأدها فى المهد.
ولا يغيب عن الأذهان – بل هو حاضرٌ دائماً – ما تتمتع به سيناء الغالية من موارد وثروات طبيعية: سياحية ومعدنية ودينية؛ حيث تبلغ مساحة سيناء الغالية 60088 كيلومترا مربعا بما يعادل نسبة ستة بالمائة من مساحة القطر المصرى، كما تعد سيناء بقعةً جغرافية ساحرة فهى منفذ مناسب لربط قارة إفريقيا بآسيا، بكل ما يحمله هذا الربط من أبعادٍ وفلسفةٍ وأهميةٍ وتاريخٍ ومستقبل سياسي واقتصادى واجتماعى وثقافى.
وقد شغلت سيناء عقل ووجدان المصريين على مدار الدهر منذ كلم الله تعالى نبيَّهُ موسى -عليه السلام- بالوادى المقدس ومنذ مرّ بها المسيح وأمه البتول، وحتى وقتنا هذا فى ظلِّ ما يحاك بها من مكائد ودسائس وخطط لجعلها منطقة نزاع وصراع دائمين وشوكة فى ظهر مصر والمصريين وعلى غير الحقيقة، وفى ظل المحاولات الدائبة للزج بها كمتغير فى معادلة حل قضية العرب الأولى وهى قضية فلسطين الجريحة.
وقد تبارى العديد من الباحثين والكتاب القوميين فى تعديد ثروات سيناء الغالية، حيثُ أُطلق عليها اسم "أرض الفيروز" وأجمل محميات طبيعية على كوكب الأرض فى توصيف د. حسن بخيت عبدالرحمن والذى قال بأن سيناء الغالية تزخر بثروات معدنية هائلة مثل خامات صناعة الأسمنت والسيراميك والرخام والجرانيت والنحاس والرصاص والزنك والموليدنيم والمنجنيز والفحم والبترول والرمال البيضاء.
وإدراكًا لهذه الطبيعة الساحرة والكنوز الزاخرة صرّحت الدولة المصرية بإدارتها وقيادتها فى أكثر من مناسبة فى الآونة الأخيرة أنها بصدد إعداد مخطط شامل لتنمية سيناء؛ على اعتبار أن التنمية سلاح ذو حدين، الأول يستهدف التنمية بكونها فاعلاً حقيقيًا وعمليًا فى القضاء على الإرهاب وأسبابه وخلخلة بيئته التحتية وإفساد مخططاته التى تحاك عبر من يقفون وراءه، والثانى يستهدف استغلال قدرات وموارد سيناء فى التنمية الاقتصادية المستدامة والمستهدفة للقطر المصرى تحقيقًا لرفاهية المواطنين معيشيًّا واقتصاديًا.
وقد كان من مبررات الإقدام على كتابة هذا المقال فى ضوء المعطيات السابقة والإستفادة من الإرادة والعزيمة السياسية الحالية عدد من الدوافع أهمها :
أولاً: أن يتم التخطيط لسيناء الغالية من منظور أن تصبح سيناء العاصمة الاقتصادية الجديدة للقطر المصرى كله ومركزًا للتجارة الآسيوية والإفريقية ومنطقة لوجيستية للتجارة العالمية، مع بقاء القاهرة عاصمة تاريخية بجانب العاصمة الإدارية الجديدة وأن تدور الأنشطة الإقتصادية المختلفة لكل من أفريقيا وآسيا فى فلك سيناء الإقتصادية .
ثانياً: ضرورة أن يكون مخطط تنمية سيناء له هوية تحاكى وتليق بهوية سيناء وتاريخها الدينى العريق والارتقاء بالمقاصد السياحية الدينية وتطوير آثارها وربطها بالديانات الثلاثة وتسهيل زيارة معالمها وشواطئها والعمل على راحة قاصديها .
ثالثًا: تملك الدولة المصرية كل المشروعات العملاقة والاستراتيجية داخل سيناء، وإفساح المجال لجميع جنسيات الدنيا بالاستثمار فى سيناء على مستوى الحكومات والقطاع الخاص فى قطاعات نوعية تحددها مصر وفقًا لرؤيتها التخطيطية للتنمية الاقتصادية الشاملة.
رابعاً: تحقيق قيمة اقتصادية مضافة من الثروات المعدنية الكامنة فى باطن سيناء من خلال إعادة تصنيعها وتحويلها إلى منتج نهائى أو وسيط للاستفادة منها فى السوق المحلية أو التصدير للسوق الدولية عبر موانئ مصرية واتفاقيات مع شركات النقل العالمية.
خامساً: العمل على ربط مصالح دول العالم الاقتصادية باستقرار سيناء، من خلال جذب المزيد من الاستثمارات العالمية لدول الصقور والحمائم بما يحقق ويكفل الاستقرار الاستثمارى وتقليص المخاطر وتعظيم العوائد، وأن يعى العالم بأن استقرار سيناء دالة فى تعظيم ثروات ونهوض اقتصادات دولهم.
والخلاصة، أن تحويل سيناء عاصمةً اقتصاديةً لمصر، من شأنه الإسراع فى تعظيم الناتج القومى المصرى، وتحقيق طفرات فى معدلات التنمية، وتوفير عدد غير محدود من فرص العمل، والقضاء على البطالة، والارتقاء بمستوى دخل الفرد، بالإضافة إلى فرض الانضباط والاستقرار فى ربوع سيناء الغالية، وربط مصالح العالم باستقرارها. وبهذا تصبح سيناء فرصة للتنمية المستدامة واداة قوية لبتر أذرع الخيانة والقضاء على مخططات الفتنة والمطامع والإرهاب.
بقلم – الدكتور محمد سليمان:
الأمين العام لـ"جامعة بدر"