أنا منسحبة " الجزء الثاني
قصة بقلم: غادة حامد
فجأة وجدته امامها يرتدي كامل ملابسه ا في عز الظلمة و هو يردد كلمة واحدة لا غير : انا خارج
قالها و اختفي .. وكانه شبح من الجن ظهر و اختفي قبل ان تنطق بكلمة
انه يريد ان ينسي هو أيضا تلك اللحظات الثقيلة او يتناساها ، يخرج من تلك الذبذبات السلبية التي أصبحت تعبئ الجو في البيت يريد ان يتنفس هواء نقي صحي .. يتنفس بعمق يملاء صدره ليشعر ثانية بقوته ويستعيد توازنه فيفكر بشكل سليم .. ليبحث عن حل لقلبه .. لحياته .. انه يبحث عن هواء نقي لانفتسه و عقله و قلبه
شعرت بحركة ، سمعت صوت طقطقة خشب الارض ، فتحت عينيها .. لا بد انه عاد..
اخذتها الأفكار ثانية الي ذات الدوامة.. يبدو ان علي ان اتعلم كيف أعيش وحدي.. كيف احول الأسود الي ابيض .. لن أعيش في درجات اللون الأسود .. لن اسمح للون الأسود أصلا ان يتسلل لحياتي و لا حتي أي درجة من درجاته.. لا لن اسمح بهذا
اغمضت عينها وغطت في سبات عميق في راحة عجيبة !
استيقظت صباحا بل ربما كان الوقت فجرا لا تدري.. تشعر ان عددا من الساعت قد مر.. لا يهم كم ساعة مرت علي لحظة شعورها بعودته .. المهم ان دوامة الأفكار انقضت علي راسها الصغير الذي يحتل حيزا ضئيلا من الوسادة.. وهل نجحت من قبل ان احول الأسود لابيض،، لم انجح ابدا في السيطرة علي مجريات الأمور في حياتي.. دائما ما افشل.. اذكر جيدا كيف كنت انوي تغيير طباعه قبل الزواج و كيف ازدادت طباعه سوءا بعدها،، كنت اتعشم ان يأسره حبي و ان يتغير من اجلي.. لكن لم تنقض عدة اشهر فقط الا و منيت بالفشل .. و كم مرة حاولت بعد ذلك و في كل مرة اعود بخفي حنين.. يالسذاجتي .. اعتقد الان انني سانجح؟ انني في الأساس فاشلة في تغيير نفسي، فكيف أتوقع ان اغيره او اغير مجري الأمور في حياتي.. .. كيف مضت سنوات العمر تلك و لا زلت اتوهم اني ناجحة او اني قادرة علي عمل شيء مفيد.. لم احقق أي نجاحات في حياتي من قبل كل شيء انتهي الي فشل في فشل كل محاولاتي، كل افكاري، انا في الاساس انسانة ضعيفة تلبس رداء القوة لنبهر من حولها لكني اعرفك جيدا يا نفسي انا الوحيدة التي اكشف حقيقتك .. انا و انتي فقط نعلم كم انتي فاشلة .. لم تكد تصل الي هذه الحقيقة حتي شعرت بتلك القطرات الساخنة تنهمر واحدة تلو الأخرى كالسيل من عينيها الواسعتين كمحيط كان هادئا من قبل.. و ما هي الا لحظات هتي هبت العواصف و شعرت بنفسها يعلو و صوت نحيبها يكاد يوقظ زوجها النائم في الغرفة الاخري .. فهبت من مكانها .. خرجت الي الشرفة تبحث عن مخبأ لها.. لسعتها نسمة الهواء الباردة .. جففت دموعها للحظة ،، استنشقتها بعمق و جلست في احدي الأركان تتطلع الي السماء تبحث عن أي بصيص نور .. لكن نظرتها لم تطل .. و هبت غمامة من الأفكار السلبية تغلف المحيط الذي كاد ان يهدأ في عينيها.. اغرورقت عينيها ثانية و هي تري المستقبل مظلم .. حياة زوجية فاشلة .. زوجة ضعيفة لا تعرف كيف تدبر امرها.. تهرع لصديقاتها تنتحب و تشكو وتطلب المشورة..
صوت بكائها يعلو و لا شيء يعلو عليه الا صوت المؤذن يؤذن للفجر.. اخذت تسترق السمع لصوت المؤذن العذب ،، و تتأمل كلمات الاذان و كانها تسمعها لأول مرة .. حي علي الصلاة حي علي الفلاح.. الله اكبر الله اكبر
حقا و صدقا الصلاة هي الفلاح و الله اكبر من أي شيء و من كل شيء.. هدأت روحها و سلمت امرها لله .. عادت لغرفتها ..توضأت و صلت و دست جسدها الصغير في الفراش كانها تختبئ من افكارها و سرعان ما غطت في النوم ثانية
استيقظت في الصباح لتسمع زوجها يطرق الباب خارجا لعمله، بلا سلام و لا كلام .. علي قدر ما المها تصرفه، الا ان شيئا في داخلها ارتاح فهي لم تقرر بعد كيف ستتعامل مع الامر
قامت ببطء متكاسلة تعد إفطارا بائسا سريعا، و فنجانا من القهوة وجلست تشاهد برنامجا مملا في التلفزيون و كأنها روبوت تتحرك بالية و انهاك شديدين..
ثم امسكت ورقا و قلما و اخذت تفرغ خواطرها عليها كما كانت تفعل و هي طالبة في الجامعة أحيانا
كتبت:
"انا متضايقة جدا .. متضايقة منك .. كل ما نختلف باحس انك بتحاربني، انك بتدور ازاي توجعني ، ازاي تأذي مشاعري، بتبقي مش سامعني.. باحس كانك فاتح مطوة عليا في خناقة في الشارع، عايز تخربشني، تطعنني، حسب ما هتيجي.. كل كلمة بتفهمها غلط، كل حركة بتفسرها بسوء نية و بمعني غير اللي اقصده، و تسخن اكتر و تشوح بمطوتك في وشي..
انا باخاف منك لما بنتخانق .. بابقي زعلانة منك بس خايفة.. مطوتك بتيجي فيا فعلا و بتضطرني ادور علي أسلحة اوجعك بيها انا كمان، و انا مش عايزة كدة ، بس بيبقي دفاع عن النفس، ياما هاسيب نفسي تقطع فيها
لما اتجوزنا كنا عارفين اننا مش شبه بعض و دة طبيعي، بس عمري ما تخيلت اننا نوصل نقطع في بعض كدة و لا نتعمد نأذي مشاعر بعض .. كل مرة بغض النظر عن سبب الخلاف او مين اللي غلطان، باحس نفس الإحساس ، نفس الخوف، نفس الألم.. كان نفسي نبقي بنحل خلافاتنا بطريقة حضارية اكتر، كان نفسي تبقي فاهمني اكتر و اخر حاجة اتوقعتها انك تبقي قاصد توجعني و تجرحني و تأذي مشاعري انا كمان زعلانة من نفسي اني بانجرف وراك و بجاريك عشان ادافع عن نفسي.. علاقتنا مش ماشية في السكة الصح، عشان كدة قلت لك اني منسحبة ،.. قررت كدة عشان ما ننجرفش اكتر عشان ماضطرش ابقي في موقف الدفاع عن النفس و لا عايزة اتخانق مع حد ماسك لي مطوة بيقطع بيها مشاعري وحبي
انا فعلا مش عايزة علاقتنا توصل لكدة.. عايزة أعيش معاك في حب و سلام و نكمل عمرنا سوا.. لو انت عايز نفس الحاجة .. يبقي لازم تتعلم تتخانق ازاي مع حبيبتك .. خناقة مع حد بتحبه مش خنااقة مع حرامي قفشته بيسرق بيتكم! لو هتقدر تكمل كدة هتبقي وفرت علينا حاجات كتير وحشة ممكن نعيشها"
تركت الورقة والقلم و هي تشعر انها أخرجت كل همومها و ضيقها ، أخرجت مشاعرها السلبية كلها وأصبحت في حالة افضل و اقوي بكتير .. وقفت بثقة وهدوء أعصاب لم تشعره من اول ما اتخانقوا ، اتجهت نحو الحمام لتأخذ حماما ساخنا لتطرد بقايا الألم و الضعف الذي كان بداخلها
خرجت من الحمام اكثر راحة.. بدأت ترتدي ملابسها و تتزين امام مرايتها.. حتي سمعت صوت الباب يغلق.. خرجت من غرفتها لتري من جاء الان.. هل عاد زوجها .. ليس موعده!
لم تجد أحدا تفحصت المكان جيدا لكن لفت نظرها ان الورقة و القلم اللذان كانت تستعملهما ليسا في مكانهما بل اصبحا علي طاولة الطعام!
اسرعت اليهما.. هل عاد و قرأ ما كتبت؟ لم تكن قد فكرت اذا كانت تريده ان يقرأ ما كتبت ام لا ! لكن يبدو انه عاد لسبب ما ، و قرأ ما كتبت.. امسكت بالورقة و فتحت عينيها بدهشة!
فقد كتب علي ظهر الورقة ما يلي؛
"طريقتك في اللوم بتستفزني.. بتحسسني اني فاشل و مش عارف ارضيكي.. اصعب حاجة الراجل ممكن يحسها انه مش عارف يسعد حبيبته و انها دايما شايفاه مقصر.. بابقي محبط، مش عايز حاجة من الدنيا ، باحس انها بايظة بايظة و باندفع فيكي من غير ما اقصد..انا كمان مش عايز علاقتنا تبقي كدة .. اوعدك هاحاول امسك نفسي و أتكلم بهدوء عشان اسمعك .. مالناش غير بعض.
ملاحظة ؛ البسي عشان نتعشا سوا النهاردة برة"