رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قراءة في رواية "كونداليني" .. عندما تكون الكتابة الحل الامثل للإفصاح عما بداخلنا

بوابة الجمهورية

رؤية: د. يسرا محمد سلامة

رُغم عشقي الكبير للقراءة منذ الصغر، إلا أنني وجدت نفسي منذ التحاقي بالدراسات العليا، أقرأ فقط في كل ما له علاقة بتخصصي، وجدتني لا أقرأ إلا الكتب التاريخية حتى أنه جاء عليّ وقت تصورت فيه أنّ المخزون الثقافي الذي كونته بعقلي قد مُحيّ بالكامل؛ لعدم قدرتي على تنشيطه من وقتٍ لآخر بسبب البحث العلمي


إلى أنْ قررت فجأةً وبدون سابق إنذار، البدء بشكلٍ فعلي في تغيير نمط حياتي العلمي الرتيب، والبحث مرةً أخرى عن هواياتي الممتعة بجانب الكتابة – التي أُمارسها على استحياء بين حينٍ وآخر – والتصوير الذي لم أكن أدري حتى سنواتٍ قليلة ماضية أني أعشقه، فكانت القراءة بلا شك

بدأت بمجموعة قصصية وشعرية لثلاث من أصدقائي الأدباء، ثم توقفت لمدة عام كامل، حتى عادت الهواية من جديد تُداعبني مع وجود معرض الإسكندرية للكتاب، فعندما وطأت قدماي أرض المعرض قفز إلى ذهني على الفور "رواية كونداليني" للكاتبة السكندرية ابنة مدينتي الساحرة "ميرنا الهلباوي"، حاولت تذكر دار النشر مع صديقتاي اللتان كانتا بصحبتي، حتى نبحث عنها في أرجاء المعرض، ولكنني فشلت – مع أنّه كان هناك صوت خافت بداخلي يُخبرني أنها دار الكرمة، حسب ما أتذكر – لكنني أبيت الانصياع لهذا الصوت، وقررت فتح الانترنت على هاتفي والبحث عن الدار، وحالما شرعت في ذلك، إذا بشخصٍ لا نعرفه على الإطلاق يقف بجانبنا، وقد ألقى السمع على ما نتناوله من حديثٍ عن رغبتنا في شراء الرواية وعدم معرفتنا بدار النشر، فبادر بالقول "إنها دار الكرمة وأشار لنا بمكان وجودها في المعرض"، فوجدتني ابتسم على استحياء حتى لا يُلاحظ أحد ويسألني عن سبب ابتسامتي، وكأنّ الصوت الداخلي يقول لي منتصرًا "ألم أقل لكِ .. لكنكِ لم تُصدقيني"!!

كونداليني – ولن أقول لكم معناها لكن الغلاف سيُخبركم بالمعنى – رواية من الحجم الصغير تقع في 183 صفحة تستحق كل صفحة من هذه الصفحات أنْ تُقرأ أكثر من مرة، تأخذنا فيها الكاتبة في رحلةٍ شاقة وصعبة داخل النفس الانسانية، تضع لنا خريطة واضحة لأسلوب حياة إذا ما تمّ اتباعه، سنصل حتمًا للسلام الداخلي الذي سيجعلنا نواجه مُقدرات حياتنا دون تأففٍ أو ضغوط، تُبلغنا بعدة رسائل – في رأيي هي 14 رسالة وليست سبعة – 7 منها مرتبطات ارتباطًا وثيقًا بالتعاليم الهندية القديمة، والسبعة الأخريات رسائل موجهة من بطلة القصة إلى أشخاصٍ قابلتهم في حياتها تُخبرهم في هذه الرسائل عن مكنون صدرها، تكتب لهم كلماتٍ لم تستطع البوح بها وهي على صلة بهم، أشخاص انقطعت علاقتها بهم لسببٍ أو لآخر فقامت بالكتابة لهم عوضًا عن المواجهة المباشرة، التي فشلت في القيام بها في وقتها، وبالمناسبة كلنا لدينا هؤلاء الأشخاص الذين نعجز أمامهم عن الحديث بما يدور في خُلدنا، لكننا نؤثر الابتعاد الذي نجده بديلا مناسبًا لكل ما كنا نريد قوله، لكن يأتي علينا اليوم الذي لا نتحمل فيه عبء هذه الكلمات التي لم تُقال، فنجد الحل في الكتابة التي تجعلنا نُزيح عن كاهلنا عبئًا ثقيلاً ظل يرزح لسنواتٍ طويلة بداخلنا، دون أنْ نجد له حلا للتخلص منه

ثقافة ميرنا الهلباوي في هذه الرواية عالية المستوى، وهذه سمة سائدة في معظم صفحاتها، تأخذنا من الأمور الروحانية، للسياسية، للأخلاقية، فالدينية، ثمّ لسقطات المجتمع ونظرته لأمور تخص المرأة، ، وأكثر ما أعجبني في هذه الرواية الإسقاط العظيم الذي قدمته ميرنا على قيمة الصديق في حياتنا، وأننا حين نجده لا يُمكننا سوى أن نُحافظ عليه قدر المستطاع – وأنْ نعض عليه بالأنامل والنواجز – حتى لا يضيع منّا، وهي قيمة لا يعرفها إلا من رحم ربي

وأخيرًا أدهشني ذكاء ميرنا في أنها قد ختمت الرواية بجملة تُذكرنا بعنوان روايتها الأولى "مُر مثل القهوة .. حلو مثل الشيكولاتة" – والتي لم أقرأها للأسف لكني وبعد تجربة كونداليني لابد وأنْ أقرأها متى تيسر لي الوقت لذلك

كما أنها استطاعت تحريري من عُقدة القراءة في التخصص، وأعترف أنني لن أتوقف عن ممارسة هوايتي المفضلة بعد اليوم، سأظل أُمارسها ما حييت، والفضل يعود لميرنا الهلباوي، التي لن أنسى حروفها وأنا أرتشف الآن فنجاني من القهوة الذي قد حان موعده

د. يسرا محمد سلامة





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة