رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نقطة ومن أول السطر. تكسير الهيدروجين

بوابة الجمهورية

فى رحلة عبر الزمن عدت فيها خمسة عقود أو ما يقاربها. إلى نهايات الستينات وبدايات السبعينيات من القرن الماضى. والحالة العامة لجموع الشعب المصري الإحساس بالكسرة والحسرة، على ما آلت إليه أوضاع مصر بعد العدوان الثلاثى وهزيمة ٦٧. حينها كنت فى الخامسة من العمر، عند وفاة جمال عبد الناصر. أتذكر ذلك اليوم جيدا.


حملتنى أمى - رحمها الله - إلى سطوح المنزل للابتعاد عن طوفان البشر الحزانى المارين أسفل المنزل فى جنازة الزعيم. رأيت أمي وقد دخلت هي وجاراتنا فى حالة من البكاء العنيف، ولم أكن أستوعب بعد لماذا كل تلك الدموع والنحيب.

جموع من الشعب تجوب الشوارع، لوداع الزعيم، أو للبحث عمن يرث تركة تثقل كاهل الجبال. والشعب يتغنى بعظمة الزعيم، رغم الإنكسار. لم يتذكر الشعب يومها أخطاء الزعيم. فهو بشر وكل ابن آدم خطاء. لم يسرد الشعب الأزمات التى مر بها. لم يتذكر ندرة البضائع والمواد التموينية.

نعم كانت هناك حالة من عدم توفر مواد الغذاء. وقد عاصرت ذلك بنفسي وتعاملت معه عن قرب. فلأنى كنت أصغر أفراد الأسرة، فكان وضعى فى المنزل، القائم بشراء الطلبات من المحلات والدكاكين المجاورة.

فمثلا: كانت أمى تعطيني " تعريفة ،أو قرش " (عملة ذلك الزمان) لأبحث لها عمن يبيع سكر الطعام. كانت أيام قاسية كنت أدورُ فيها على الدكاكين بحثا عن السكر ولا أجده، وربما لو أسعدنى حظى ودلنى أحد الأطفال من أولاد الجيران عن تاجر يبيع السكر سرا، وكان يباع فى قراطيس من الورق ثمنها يتراوح ما بين تعريفة إلى قرشين حسب حجم القرطاس. وأحيانا كان السكر يأتى مضغوطا في شكل قمع. وكم قضينا من العمر انتظارا فى طوابير شراء المواد التموينية، سكر، أرز ، حبوب، وصابون ...

عشنا سنوات أغلب أيامها مع ظلام فرضه عدم توفير الكهرباء بشكل كافى ودائم. ورفيقنا فيها اللمبة الجاز رقم عشرة للإنارة والمذاكرة . وعند النوم تضعها أمى على الأرض، وتعلق فى مسمار فوقها مثبت فى الحائط دماسة فول. لتستفيد من جاز اللمبة فى الإنارة والطهى معا؛ لعدم وفرة الكيروسين حينها. أما أخى وأبناء الجيران فكانوا يجتمعون للمذاكرة ليلا على إضاءة عامود نور الشارع.

وفى ٧١ كانت أولى سنواتى فى المدرسة. وفيها كانت أمى تعد لنا السندوتشات بالجبنة والخيار فقط طوال العام الدراسي. وكان ذلك بتدبير منها لتوفر لنا طعام لائق للمدرسة. كان مصروفى الإسبوعى حينها قرشين صاغ . وعلي أن أدبر حالى بهم. وبعد سنوات أصبح شلن( خمسة قروش)، وفى الحالتين كنت حريصة على أن أحوش منه ما أشتري به لأمى هدية عيد الأم. وأكبر انبهار عشناه، كان فى صباح يوم أحد الأعياد وقد سمعنا صوتا يأتى من شباك جار لنا وهرولنا لنعرف ما الخبر، فإذا بابن الجيران ( وكان أخا لى فى الرضاعة) يلوّح بيده بورقة نقدية فئة جنيه. وتسمرنا فى أماكننا مبهورين بأب عائد بعد عام من العمل بليبيا وعلامات الثراء الفاحش قد ظهرت على ابنه ومتلبس بالجنيه فى يده.

وبطبيعة الحال كنا فى مدارس حكومية. والزى الرسمى مريلة من قماش والحذاء من باتا..لم نعرف الدروس الخصوصية. ولم يكن يساعدنا أحد فى المذاكرة وعمل الواجب. وكنا نذهب إلى المدرسة سيرا على الأقدام مسافة ثلاثة كيلومتر يوميا ذهابا وإيابا. صاحبنى فيها بعض بنات الجيران زميلاتي فى المدرسة، ولكن كانت حالتهم المادية أكثر ترديا. فمنهن من كان مصروفها تعريفة فى الإسبوع ومنهن من لم يعرف المصروف طريقا لها. ومنهن من كانت تأتى بكيس الطعام وبه بقايا طعام البيت من اليوم السابق. ومنهن من كانت تأتى لتستعير بعض أدوات المطبخ. أو بعض أنواع المواد التموينية - إن وجدت- كانت ناس غلابة. غلابة بمعنى الكلمة البيت عبارة عن كنبتين؛ فى النهار لاستقبال الضيوف وفى الليل يضمان معا لتشكل سرير لنوم الإناث، أما الذكور فكان نومهم على الأرض،على حصيرة من الخوص. أغلب طعام الإسبوع بطاطس وعدس وفلفل وباذنجان وفول وفجل وجرجير، وطبعا البطاطس كانت للسلق لعدم وجود مال لشراء الزيت إن وجد. والأسر الأكثر فقرا كان اعتمادها فى الطعام على طبخ نبات عشبي اسمه( رجلة). أما الجبن فمثلها مثل اللحوم كانت للأعياد.

هذه كانت حياة الموظف أو الأرزوقى الغلبان. وليس غلبان هذا الزمان الذى يعيش فى رفاهية لم تطمح إليها أحلام الإنسان الغلبان بجد. مَن بالكاد يوفر قوت يومه، لكنه مدرك ان البلد فى حالة حرب وشراء السلاح ضرور تستوجب التحمل. لم نخرج فى ثورات ولا مظاهرات. كنا غلابة بجد. لم يكن بالشارع بأكمله من الأجهزة الكهربائية غير اثنان من التلفاز، وثلاث ثلاجات، تكون فى خدمة باقى سكان الشارع طوال شهر رمضان لعمل الثلج. وفى حالة قطع التيار الكهربى. يتسابق الأطفال جريا لشراء نصف أو ربع لوح تلج.

جال كل ذلك بخاطرى وتذكرته مفصلا. بعد قرائتى لأحد متابعى صفحة أخبارية على وسيلة للتواصل الاجتماعى معلقا على خبر افتتاح الرئيس لمصنع مسطرد لتكسير الهيدروجين. فكتب يقول: " تكسير إيه وهيدروجين إيه ؟ إحنا عايزين أسعار الأكل تنزل ومصاريف المدارس تقل" . شعرت حينها بهوة ساحقة بين ماعشناه من معاناه لا يتحملها بسكويت شعب هذه الأيام، وبين رفاهية غلبان اليوم الذى يعيش على هامش الحياة.

فهو لم يكتفى بعدم إدراك أبعاد ولا قيمة التغيير والتحول الإيجابى الكبير الذى تعيشه مصر، بل يسخر من مشروع عملاق تعجز عن تنفيذه دول أغنى منا بمراحل. ناهيك عما يكلف به نفسه بما لا يطيق من عدد الأولاد، وإدخالهم مدارس خاصة أو تجريبي أو حتى عادية، مع الاستعانة بالمدرس الخصوصى ومن أولى ابتدائي، ثم يشتكى بعدها من مصاريف التعليم.

ثم نجد أفقر الخلق- كما يقول- ويعيش فى غرفة تحت سلم، وأهم أولوياته تركيب (دش). ولديه الأجهزة الكهربائية المختلفة، ولا يخلو طعامه من اللحوم ولو مرة فى الإسبوع، أو الشهر.

عن أي فقر وعن أي غلب تتحدثون يا مصريين؟ رحم الله شعب أدرك الأولويات - رغم فقره وقلة حيلته ومحدودية موارد بلاده- فرضى وعاش مطمئنا. وهدى الله شعبا أقصى طموحه هو المم.

د/ ناصرة عبد المتجلي إبراهيم

دار الكتب والوثائق





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة