و" الآخرُ".. أيضاً في الجنة.. رؤية نقدية لرواية حزين عمر "آخر أخبار الجنة"
رؤية: أحمد محمد عبده - كاتب وروائي مصري
( آخر أخبار الجنة ), هي أحدث الإبداعات الشعرية للشاعر حزين عمر. رواية شعرية, صادرة عن "مكتبة جزيرة الورد" 2020, تقع في مئة وستين صفحة من القطع المتوسط. أهدى الشاعر روايته الشعرية إلى " المصري القديم/ أبي العلاء المعري/ دانتي اليجييري/ وكل من تجسسوا على الآخرة وهم مازالوا أحياء!!!".
فكان من الطبيعي أن يستدعي حزين عمر في تجربته هذه؛ أصحاب الأعمال الرائدة التي "تجسست" على العالم الآخر!. وهي أعمال قديمة, حاول فيها كُتَّابها السفر بالخيال لرؤية عوالم الجنة والنار, ومفردات كل عالم منهما. تناول المعري العالم الآخر في كتابه "رسالة الغفران", وتناوله دانتي في ملحمته الشعرية "الكوميديا الإلهية", ناهيك عن المصري القديم, الذي انشغل بالعالم الآخر, قبل أصحاب الديانات السماوية!
أما حزين عمر هنا سيكتفى بأن "يتجسس" على جانب واحد من العالم الآخر, وهو الجنة!, ورغبةً منه, أو فضولاً, أو أنه الضد الذي يُظهر محاسن الضد, وبتنصت سريع, لم يذكره باسمه, ولم يستحضر شيئا من أوصافه, حتى لا يلفح الصهد فردوسه, ولا يلفه شيء من الدخان, ولا يُطلع قارئه على ما يكره, ولا يزعجه بما يتشاءم منه, فجاء بخبرٍ من "اللاَّجنة", لم يقل أنها النار, والتي من الممكن أن تكون هي موقف أهل الأعراف, وكانت تلك "اللاَّجنة" عند الشاعر هي مكان "النكِرات" أو " الأشرار" من البشر, من عاشوا في الدنيا كالأنعام, لم تجنِ منهم البشرية سوى الدمار والخراب, أو الكسل وانعدام الضمير.

يُؤكد حزين عمر إخلاصه للشعر, اهتمامه الأول, أنجز فيه عددا كبيرا من الدواوين, لم ينجرف نحو الرواية السردية, كما فعل الكثيرون ممن بدأوا شعراء, وانتهوا كتَّابا للرواية, حقق البعض منهم نجاحا واسعا.
وحينما أراد أن يعالج موضوعا, رأى أن فضاءه أكبر وأوسع, ولا تحتمله قصيدة؛ ذهب لميدان الرواية, أو الملحمة, فتناول موضوعه شعرا, وقد خاض هذه التجربة من قبل في "اليوم العاشر", وهي ملحمته الشعرية عن حرب أكتوبر, صدرت 1993, ثم "المطرود منكِ آب إليكِ" وهي سيرة شعرية, والتجربتان صدرتا عن الهيئة العامة للكتاب.
والرواية الشعرية تتطلب ثقافة واسعة بالتاريخ والحكايات والأمثال الشعبية, إلى جانب الإلمام بجوانب الدراما, وربما فن الكتابة المسرحية, فضلا عن معرفة أسرار وخبايا أوزان الشعر, لذا لا يقترب منها, وكذلك المسرح الشعري؛ سوى من قطع شوطا طويلا في ميدان الشعر. والرواية الشعرية لم تنتشر في أدبنا العربي, ولم تفرض نفسها, فربما لو تقبلها القراء نجد النقاد يبتعدون عنها, بعكس المسرح الشعري, فقد أدت خشبة المسرح لرواجه رواجا كبيرا, وإن انطفأت جذوته اليوم!. كما لا نجد للرواية الشعرية تشجيعا في المسابقات والجوائز, كما يبتعد عنها طلاب الدراسات العليا, لذا فكُتِّابها قليلون, وقراؤها أقل.
***
صاغ الشاعر روايته شعرا تفعيليا خالصا, تسطع فيه الموسيقى, لم يمزج سردا بشعر, ولا سردا بلغة شاعرية, كلغة قصائد النثر مثلا. وتتكون (آخر أخبار الجنة) من ثلاثة عشر عنوانا داخليا, تقوم مقام الفصول, هي: الصدق, اجتماع مجلس التحرير, الهجرة, البعث, إحياء الصدق, خبر, الغوغاء يعكرون الجنة, فيضان في جنة عدن أغرق قصر ميخائيل, اجتماع مجلس التحرير, حوار مع مينا موحد القطرين, إدريس يؤكد آياته, تحقيق عن الجنس, المؤامرة.
وروايتنا الشعرية "آخر أخبار الجنة"؛ تقوم على مفارقات سلوكيات شخصياتها الواقعية, يتضافر معها استبطان فكر شخصياتها المُتَخيلة, والتي سيتم رصدها في الجنة أو اللاجنة, أما مكانها فهو ما بين الدينا والجنة المُتَخيلة, وقد أخضع الشاعر زمن الجنة الميتافيزيقي, ليتفاعل مع زمن الدنيا.
كل أديب, كل شاعر؛ هو يكتب نفسه بالأساس, همومه الذاتية المختلطة بالهم العام, والهم العام المؤثر على همه الذاتي, فنجد شاعرنا هنا يُحمِّلُ روايته على أبناء مهنته كصحافي. فهيئة تحرير صحيفة "الصدق", أفرادها هم من سنجدهم على طول الرواية, هم من سيديرون دفتها وبوصلتها حسب الموقف, حسب متطلبات السياق, تتوزع عليهم أدوار الرواية, كل منهم سيأتي "بكتلة شعرية", طالت أم قصرت, هو مكلف بها لزوم البناء الدرامي, ومن ثَمَّ إتمام الحبكة الروائية, حتى تكتمل ملامح العمل, وكل "كتلة شعرية" قصيرة أو طويلة, لكل شخصية, تشكل في المجمل ما يشبه الحوار في بعض فصول الرواية, وفي بعضها تقوم شخصية أخرى بمضمون الفصل كله, فيما يشبه القصيدة الطويلة المستقلة.
ومع أول صفحات الرواية؛ لا زلنا في الدنيا. مع مقطع شعري منفصل بذاته متصل بالمتن كله, بعنوان "الصدق", يصور وضع صحيفتهم التي هي( إصدارٌ صحفيٌ فاشل/ يخلو من "ساسبنس" الفن/ وعريِّ الرقاصات/ ومانشتات الكورة/ ومقالات البصاصين الأفّاقين المرتزقة/ جادٌ في زمن الهزل), كلمات قليلة اختصرت واختزلت أسباب فشل صحيفة "الصدق".
من هنا ستكون هيئة التحرير هي مجلس "الصدق", هؤلاء الذين يغردون خارج السرب, يأخذون الأمور بجدية وحسم ونزاهة, لكن للأسف؛ تصاب الصحيفة, الجادة في زمن الهزل؛ بالإفلاس.
***
في البداية يستعرض رئيس التحرير حال الصحيفة المؤسف, يصور الوضع الذي يسحقهم, ماديا ومعنويا وسياسيا, وهم المتصفون في الرواية بــ "مجلس الصدق", يقول ( ينخرُ فينا إهمالُ القراء/ وبُخل الإعلانات/ وبطش الدولة/ ما منا إلا مُعتَقلٌ, مسجون, مطحون/ متهم بمعاداة الواقع/ وبفضح فسادِ الأرواح/ الحالُ تميلُ علينا/ توزيعُ جريدتنا عدة أصفار), فيرى مدير التحرير أنه لابد من مجاراة الواقع, فيقول ( ماذا لو جارينا الريحَ/ حملنا الصاجات/ وطبلنا في الأفراح/ وفي الأتراح؟!! )
وحينما يستهجن محرر الثقافة طرح مدير التحرير, يبرر الأخير رأيه قائلا ( بل اصطادُ وميضَ الواقع/ من حولي/ احتالُ لنحيا/ ونربِّي أطفالا/ خربشهم ظِفرُ الجوع).
وبعد حوارات متباينة من أفراد "مجلس الصدق", تتراوح مقترحاتهم ما بين سلوك طُرق معوجة وأخرى مستقيمة, فيحسم رئيس التحرير الموقف ( إن نُسجنْ خيرٌ من تسليمٍ/ بالرشوة والظلم ونهب الشعب, وبالتطبيع)
فيؤكد محرر الثقافة على رأي رئيس التحرير ( والسجن لأهل الرأي مُباح/ شرف حصَّله العقاد وصدقي والعالِم).
نلاحظ هنا صدق محرر الثقافة مع نفسه, ومع دوره كرجل مسئول عن الوعي, فلم يسمح بوجود فجوة بين نفسه والتطبيق العملي.
اقترحوا الهجرة!, ولكن ( هجرتهم ليست في البحر وفوق الأمواج/ اختاروا أوردة الوطن: البرَّ/ سفائنَ تحملهم نحو الصحراء/ فالوطن العلَّةُ والداء / والوطن شفاء ودواء). فمهما تكن أزمتهم مع الصحيفة ومع الدولة, فهم أكثر نزاهة من أن يركبوا البحر في هجرة غير شرعية!
في هجرتهم إلى صحراء البحر الأحمر, يرون الذهب والمعادن النفيسة وخيرات الجبال والصحراء, في وطن استعذب الفقر, ولا يريد أن يبحث عن خيرات بلاده, لتوزيعها على المواطنين توزيعا عادلا. ولأن المال السائب يُغري المطحونين بالسرقة, جاء صوت جماعي لم يحدده الشاعر, ربما هو صوت "مجلس الكذب" والتدليس المنتشر على أرض الواقع, يقول " أحجارٌ ماسٌ وعقيق/ الرمل ثراء/ البيدُ ثراءٌ, وحكوماتُ الوطن التائه/ غطَّتْ في نومٍ وفسادٍ وخواء!!/ فلنحملْ ما نقدر منه, ثم نعود).
لكن يوقظهم رئيس التحرير من غفلتهم ( أوَ جئنا نسرقُ في خفية؟), ثم يقرر محرر الثقافة (هذا مِلكُ الناسِ, الأبناءِ, الأحفاد ).
حيرتهم وأزمتهم بقدر امتداد الصحراء, فلا تريد الصحراء أن تكون أرحم من واقعهم في الداخل, يظهر لهم كهف من بعيد, فيقول رئيس التحرير( قُضيَ الأمرُ.. فلا تقريعَ ولا توبيخ!!/ ليس هنالك إلا الجبل ُ وهذا الكهف,... لندخل فيه ), وكأنهم يسيرون للأبد, الكهف وكأنه يبتعد, كأنه سراب ( باب الكهف قريبٌ منهم/ ... راحوا يتجهون إليه بأنفاسٍ/ قَّطعها التيه/ راحوا يمشون ويمشون/ والباب ــ الأقرب من حبل وريد ــ يخطو عكس مشيئتهم!! ..), ثم تحن لهم الطبيعة القاسية ( بعد نهارٍ ساروا فيه كألف نهارْ/ ها هو ذا قد فُتحَ الباب...)
يستقر بهم الحال في الكهف, ينغلق عليهم بظلامه, وكأنهم يمرون بمراحل الموت, فهم في قبورهم الآن, ليدخلوا بعد ذلك في مرحلة, عنوانها "البعث".
***
يتراوح فضاء الرواية مابين الدنيا والجنة, بإسقاطات على الواقع السياسي والاجتماعي والإيماني, الواقع الذي تكمن ورائه جنة حزين عمر, بحيث لو ازحنا ستارة الغفلة عن وجه هذا الواقع, لظهرت لنا جنة من الممكن أن نخلقها لنا في الدنيا. فجنة الرواية هنا ليست جنة القرآن, هم لم يغادروا أرض الوطن, ولن يغادروه, يصنعون لهم جنتهم الخاصة, جنتهم النفسية ( هجرتهم ليست في البحر وفوق الأمواج/ اختاروا أوردة الوطن: البرَّ/ سفائنَ تحملهم نحو الصحراء/ فالوطن العلَّةُ والداء / والوطن شفاء ودواء).
تتجول الشخصيات داخل الجنة, وأيضا "اللاجنة" المُتخيَّلتين,
لقد انطلقوا من الكهف إلى البعث إلى الجنة مباشرة, فيقول لهم رئيس التحرير ( هُبوا يا أخوةُ واجروا/ سيْحوا في الجنةِ/ لا ضنكَ هنا/ لا ظلمَ ولا طغيان). ثم يقررون إحياء صحيفة الصدق, لتبدأ التغطيات الصحفية لآخر أخبار الجنة ( فلنحشدْ للعدد الأول/ تحقيقاتٍ وتقاريرَ وأخباراً وثقافة/ فانتشروا في أنحاء الجنة! ), فكان هناك "خبر" عن وقفة احتجاجية للمطالبة بطعام الدنيا, البصل والثوم والعدس والكرات والجرجير, فسكان الجنة أصابهم الملل من طعام جنة القرآن!, وكان هناك "تعليق" عن الغوغاء الذين يعكرون الجنة, و "حوادث" موضوعها فيضان أنهار الجنة التي أغرقت قصر ميخائيل, و " حوار" عن مينا موحد القطرين, ثم " توضيح واجب" عن النبي إدريس الذي راح يؤكد آياته, إلى أن جاء فصل " التحقيق", فنقرأ فيه أن " سكان الجنة لا يدرون ..معاني الجنسِ ولذتَهُ/ ليس لديهم شهوات.. عورات.. رغبة!!). وقد عمَّق "التحقيق" هنا فكرة الجنس وفلسفته, ثم يرصد الصحفي نماذج من كل أصناف البشرية داخل الجنة.
***
حكم الشاعر على الشخصيات بأسمائهم, مصرية وعربية وعالمية بأنهم في الجنة, (من أعلامٍ في هذي الجنة: في العلم وفي الفكر وفي الفن/ وبعض الساسة/ أذكرُ منهم: بشاراً, أحمد شوقي/ عبد الناصر, صداماً, والبارودي, وجوته...), لنرى النظرة الانسانية الواسعة, التي لم يخنقها فكر عقائدي طائفي ضيق, وكان محرر الثقافة ورئيس التحرير هما صوت الشاعر هنا, فالناس بأعمالهم وما أعطوا للبشرية, فمشكلة المسلمين اعتقادهم الراسخ بامتلاك الجنة, وأنها محجوزة لهم حصريا!, من دون البشرية, وكأن المسلم المهمل منعدم الهمة والضمير, لهو أفضل ممن اخترع التخدير لرحمة البشرية, وممن أضاء لها حياتها ويسرها باختراعاته واكتشافاته, وكأن ذلك المسلم المتكاسل في عمله, الآكل بالرشا والتدليس, لمجرد أنه مسلم رقم قومي!؛ لهو أفضل من مارتن لوثر كينج الذي نادى وقُتل في سبيل المبدأ الإسلامي القائل لا فضل لأبيض على أسود, وكأنه أفضل من مجدي يعقوب, الذي عالج وأصلح وأراح وداوى قلوب البشرية.
جاءت الرواية بآفات الدنيا التي هي من صنع أيدينا, الفشل والفساد والكساد, ليعقد في مقابل ذلك عالم الجنة الذي يتوق إليه الفاسدون, المتكلون على مجرد انتسابهم للدين. لكن هيهات!, فجاءت بنظرة إنسانية تتسع وتشمل البشرية النافعة للإنسانية, وكأن الإخلاص هو ثمن أو قل دين الجنة!
وقد جئتُ في العنوان بالمصطلح أو التوصيف الطائفي " الآخر" الشائع بين عامة المسلمين ومثقفيهم, وربما هو مصطلح أكثر نعومة, من تسمية المتشددين لهذا "الآخر" بالكفار!!
سنجد أمين الخولي ومحمد عبده بجوار هيمنجواي وأحمس وديجول وإليوت, ونجد عبد المنعم رياض وأحمد لطفي السيد بجوار مكرم عبيد ومارتن لوثر كينج وبودلير وكونفشيوس.../ سنجد فاتن حمامة ورجاء النقاش وأم كلثوم بجوار تيودور بلهارس/ برنارد شو/ جان بول سارتر/ هوجو شافيز... ( كل دعاة العلم, السلم, الخير, التوحيد, نبوات)
وكنوع من استكمال التحقيق الاستقصائي, جاء التحقيق بنماذج بشرية من " اللاجنة", لم يُرد أن يسميها النار, حكم عليهم بأفعالهم وصفاتهم فهم ( عُبَّاد الجاهِ/ السلطةِ/ والمال/ من عاش العالمُ ـ في الدنيا/ بأياديهم اصناف الظلم, الإزلال), يقول محرر التحقيقات ( فملايين العظماء هنا/ وملايين أخرى حُجزت في" اللاجنة" ), ويذكر بعضا من عتاة الظلم والقتل( ألمحُ منهم تاتشر وكيسنجر/ بوش الأب وبوش الابن/ ايدن وشامير وروجرز/ .../ أبا لؤلؤة المجوسي/ وعبد الرحمن ابن ملجم/ وسليم الأول/ وهولاكو/ وأردوغان/ والبرادعي وهيلاري...)
***
وينتهي "التحقيق" بطرح رئيس التحرير سؤاله عن الجنس ( ليس لدينا غيرُ سؤال/ حول الجنس ), وذلك على مجموعة من الأعلام منهم: طه حسين ونجيب محفوظ وثروت أباظة ومحمد عبده وأحمد عرابي وغاندي وعمر المختار وعبد الناصر وغيرهم.. فيأتي الجواب من كل واحد منهم في شكل مقطع شعري قصير, رد يتناسب مع فكر واهتمام وشخصية وتكوين وتوجه كل منهم, إجابات تكشف صورة صاحبها, "تكلم حتى أراك", نقتطف من كل إجابة مطلعها, فمثلا يأتي رد ثروت أباظة على سؤال الجنس, بلغة الباشا الإقطاعي ( الجنسُ؟! أيةُ جنسٍ هذي؟!/ أجمادٌ أم حيوانٌ أم حشرهْ؟!/ أتوجسُ من أسئلةٍ كوجوهكم الحمقى!!/ فاسألني عن ناصر وجريمته/ ضدَّ الناسِ بأنْ أمَّمَ أموالاً/ شركاتٍ, ومصانع/ ويعادي العِلْيَةَ والسادة/ أما السِفلةَ/ فيحابي ويصانعْ...). فماذا كانت إجابة عبد الناصر عن سؤال الجنس؟ ( هوى الفقراءِ متعةُ كلِّ صبِّ/ ونشر العدل أمنيتي وحبي/ فما متعُ الحياة سوى هباءٍ/ وغاشيةٍ تقودُ لغير دربِ/ لذاذاتُ النساء نذير هولٍ/ ولذةُ مصرَ طول العمرِ حسبي...). ويرد طه حسين بطريقته اللغوية المعروفة بالتكرار والتأكيد( الجنسُ بُنيَّ.. الجنسُ؟/ الجنسُ..نسيناه!!/ وأظنُ الجنسَ سلوكا من أفعال الأشرارْ/ وأظنُ ــ ويعلمُ ربي ــ معنى الجنسِ/ محاطاً بسراديب الأسرار...), ثم يأتي رد الشاعر عبد الحميد الديب متوائما مع حياته البائسة ( قد كنتُ أعيشُ بسردابٍ/ كالذئب الأبديِّ الأزليْ/ دامسةٌ كلُّ جوانبهِ/ مُقفِرةٌ من ومضة ِ أملِ/ أتخبطُ فيه وألعنهُ/ فيردُ اللعنةَ في قُبُليِ/ أُعمى وأصمُّ عن المتعِ/ لا أعرفُ طعما للقُبلِ/ فإذا تسَّاءلُ عن جنسٍ/ لا أنثى أدري من رجلِ...), ويكون رد ماوتسي تونج( لا أذكرُ فحوى أن ضاجع ذكرٌ أنثى/ أو أنثى ضاجعت الرجلَ/ افترسته/ التهمته/ ما اذكرهُ في هذي الجنات الفيحاءِ/ بلادَ الصينْ/ كانت عشقا, جنسا, وكفاحا ليس يلينْ/ ضد الظلمِ الغربيِّ المتجسد قهرا, تسليماً, وخمولا/ يزرعه في النفسِ الأفيونْ...), ثم يأتي رد مارتن لوثر كينج ( الناسُ سواءٌ: لا دين َ ولا جنسَ ولا لونْ/ الأبيضُ أجمل إن فاضَ شذاهُ على العالم / الأسودُ أجملُ إن يحملْ أعمدة الحب/ ويزرعها في التربة/ خيراتٍ ومدائن َ ومعالم/ الأصفرُ أجملُ حين يكفكف ُ دمع َ الأشجان/ عن الثكلى...)
ثم تنتهي الرواية بمضمونها الأساسي, المؤامرة بكل أبعادها, المؤامرة التي يصنعونها لنا, أو التي نصنعها نحن لأنفسنا, بدأت بإغلاق الصحيفة وتشرد مجلسها, إن جنة الرواية هي دنيا الشاعر, كانت الجريمة أنه دشن العدد الأول عن الجنس في تلك الجنة, ربما أراد أن يمشي مع التيار السائد, فلا تخلوا صحيفتهم من "ساسبنس" الفن (... وعريِّ الرقاصات/ ومانشتات الكورة/ ومقالات البصاصين الأفّاقين المرتزقة ...)
ويتم حبس مدير التحرير ( في غرفةِ سحبٍ داكنةٍ/ قد حُبسَ مدير التحرير/..../ من بُعدٍ يلمح جورنالَهْ/ قد صدَّرَ" تحقيق الجنس".
يقوم هذا الفصل على كاهل مدير التحرير, وكأنه هو المسئول الوحيد عما تكتبه الصحيفة, يجري حوار بينه وبين إبليس, يفلسف له إبليس بعض مسائل الحياة, ونلاحظ هنا التناص مع طرد آدم من الجنة , فيقول مدير التحرير( الدنيا ألعنُها لكن أرجوها/ في الدنيا أمثالي كُثرُ/ لكن رفاقي رفضوها...), فيقول إبليس( ستعودون..كمطرودين/ أفسدتم أعرافَ الجنةِ/ .../ بالعريِّ أحِّركُ شهوتهم/ أتلبسُ أشكال الأنثى ...) فكما غوى إبليس آدم بالأكل من الشجرة المحرمة, هنا سيتحول إبليس إلى أنثى حسناء, لغواية "مجلس الصدق"( أُطلقُ في أعينهم نهدي/ خصري/ جيدي/ شعري/ شهوة ثغري...), فيتم طردهم من الجنة, ليجدوا أنفسهم مرة أخرى على باب الكهف.