"نقطة ومن أول السطر"..بين الهوية والهاوية ضياع أمة
قسّم عٌلماء الاجتماع البشر إلى عدة سلالات، تتشابه كل منها فى صفات عدة تميزها عن غيرها. وجاء تصنيف الإنسان المصري كأحد سلالة سكان البحر المتوسط اللذين يشتركون معاً فى بعض الصفات.
وقد تميز المصري عن باقى مجموعته ببعض الخصائص المميزة له؛ بسبب تأثير البيئة الجغرافية والدينية وميراثه الثقافى والتاريخى والسياسي... واختلاطه بالعديد من الأعراق والجنسيات واللغات المختلفة سواء كان ذالك نتيجة استعمار أو هجرات من مختلف المناطق. كل ذلك أثر فى مكونات الشخصية المصرية بشكل فريد جعلها فى المجمل تجمع بين الكثير من المتناقضات. مثل المرح والحزن، التفاؤل والتشاؤم، البساطة والتكبر، العمل والكسل، الصبر والعجلةِ، التدين والمجون، وغيره ... وجميع تلك الصفات نسبية ومتفاوتة بين الظهور والخفوق. إلا أن الصفة الدائمة الوجود فى صفات الشخصية المصرية هى حب الاستقرار وعدم التغير السريع. فماذا حدث للشخصية المصرية وكيف تغيرت بهذا الشكل الفج، والذى يميل إلى السلبية والاستهتار وتبلد المشاعر وإذلال الغير والتنمر وغيره من صفات تجمعت معاً وظهرت على السطح فى الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ خاصة بين عدد غير قليل من شباب مصر.
إن المتابع لحركة المجتمع المصرى يرى تصرفات لم تكن لتظهر بهذا الكم فى وقت واحد بين صفوف الشعب المصري من خيانات زوجية - من الطرفين-، إلى سهولة التفكير والتنفيذ لعمليات قتل وبشاعة التنفيذ، قتل الأهل والأقرباء بما فى ذلك الأبوين أو الأبناء، تصدٌر مصر لعدد قضايا التحرش الجنسي- بما فى ذلك الأطفال-، زنا المحارم، الشذوذ الجنسي، الاعتداء على كبار السن، وذوى الاحتياجات الخاصة، طرد الأبوين - أو أحدهما- أو التخلص منهما بإيداعهما دار المسنين، وحتى الحيوانات لم تسلم من هوجة التغييب التى أصابت كثير من شباب مصر، والتى جعلتهم يتلذذون بتعذيب مخلوقات الله.
والأغرب فى كثير من تلك الحالات أن يصور الجانى تلك الوقائع ويتم بثها عبر الإعلام ووسائل التواصل المختلفة. بعد هجر مبدأ إذا " ابتُليتم فاستتروا"، وإقرار مبدأ " الجهر بالسوء" فى بجاحة ووقاحة لم يشهدها المجتمع من قبل. فما الذى حدث لهذا الشعب، ومن أين أتى بكل هذا الكم من المتغيرات السريعة والمتلاحقة.
نعم .. العديد من تلك القضايا موجودة وقديمة قدم الإنسان. وفى كل مكان على الأرض، لكنها كانت قليلة الحدوث، وعلى فترات متباعدة. وبطبيعة الحال فللزيادة السكانية، والتقدم التكنولوجي المخيف فى توصيل المعلومة، والانفتاح الهائل على العالم والمجتمعات المختلفة، أثره ودوره فى تغيير نمط الحياه لشعب مصر. كذلك الحركات الثورية الأخيرة فى المنطقة وخاصة بعد أحداث يناير، التى فجرت كبت سياسي واجتماعي فى أبشع صوره وأخرجت أسوء ما بنا، ورّسخت فى فكر الكثيرين رفع الحرج، ومسح الحدود واعتبار الوقاحة صراحة، والتبجح وبالصوت العالي شجاعة، والتعدى على الغير حرية، وعدم الاكتراث لا بمبادئ ولا أصول ولا آداب الحوار، ولا احترام الآخر، ولا احترام الكبير.
لم نعد نحن كما كنا. إننا نسير بسرعة فائقة نحو تدمير هويتنا. ولابد من أن يكون هناك وقفة اجتماعية واضحة تضع أسس التقويم السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بتنفيذ مبدأ " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته". بداية من الأبوين بالتزامهما بتربية جيل ينشأ فى بيئة سوية، لا يتشتت فيها الأبناء بين أقوال الآباء وتناقضها مع تصرفاتهم. يتعلم فيها على يد معلم لا يقرن المعلومة بثمن. يتعامل فيها مع موظف يراعى الله فيما يُطعم به أبنائه.
بيئة يعاد فيها احترام صلة الرحم، يلتزم فيها كل فرد بما عليه قبل أن يسأل عما له. والاعتراف بالمسئوليات وعقد العزم وبصدق على تحملها. تعديل الكثير من القوانيين التى صدرت منذ قرون، وأصبحت عاجزة عن التوافق مع حركة العصر. فأغلبها لم يعد رادع لجريمة. مثل تحديد سن الطفولة، عقوبة الاغتصاب، عقوبة القتل الخطأ، عقوبة تعذيب الحيوان، وغيره ... كل ذلك يشجع ضعاف النفوس على ارتكاب جرائمهم مستهينين بالعقوبة، وبالمجتمع ومن فيه. دافعينه بكل جهد نحو الهاوية.
وأبدا لن نرضى بالهاوية. نحن فى حاجة ماسة إلى استعادة هويتنا، وترسيخها فى قلوب أولادنا. لإعادة بناء أمة لا ترضى بغير الخلود بديلا. لابد وأن ينتصر الأصل العريق فينا. تأصيل الهوية هى الخلاص لنا. فلنسارع فى إصلاح أنفسنا ثم من حولنا. وليكن ذلك بداية لنا جديدة من أول السطر.
د/ ناصرة عبد المتجلي إبراهيم
الهيئة المصرية العامة لدار الكتب والوثائق القومية