رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قطعة جبن وكسرة خبز

بوابة الجمهورية

تكتبها: دينا أبو الوفا

كانت تتضور جوعاً .... كادت تشعر بجوفها يعتصر ألماً .... لقد صامت فترة ليست بالقصيرة .... حتى أنها لم تعد تذكر متى كان آخر عهدها بوجبة شهية ، وجبة ترم العظم كما يقولون ...

أشير لها ان تتخذ مجلسها على رأس طاولة الطعام .... جلست على المقعد ... ظلت تفرك كفيها بحماس استعداداً لتناول أشهى وليمة ...
فقد استحقتها عّن جدارة بعد صبر دام طويلاً ... فمن يصبر ينول ، أليس كذلك !!!

ولاحت البشرى من بعيد حين توافدت الأصناف والأطباق واحداً تلو الآخر .... المحمر والمشمر والمحاشى والطواجن واللحوم الطيبة والطيور ... كل ما لذ وطاب استقر أمام عينيها .... صار على بعد ذراع منها ....

مدت يدها لتلتقط الصنف الأول فوجدت من يعنفها "لا لا ليس لكى"

فهمست لنفسها "لا بأس ،فالاصناف أمامى كثيرة" .... مدت يدها لتلتقط نصيبها من الطبق الثانى ، فوجدت من يضربها على كفها الممتد "أجننتى ، أتطمعين فى هذا!"

فابتسمت على استحياء واعتذرت ، ربما تطلعت لأمر قد عظُم عليها .... وراحت تمد يدها للطبق الثالث فنهرها صوت من بعيد "اتركيه على الفور، لقد أعِد لغيرك"

لا بأس ربما كان رزقاً مقسوماً لغيرها ، ستنتظر رزقها لينادى عليها .... ألا يقولون ان الرزق ينادى على صاحبه !!!

ثم أعادت الكرة فى الصنف الرابع والخامس الى آخر الأصناف الشهية الدسمة أمامها ، فقط لتتكرر نفس النتيجة المخزية .. وانتهى الأمر بأنها لم تتذوق منهم شيئاً ....

جلست على المنضدة مطأطأة الرأس ، بأعين أطلت منها نظرة حزينة منكسرة والجوع كذئب مفترس ينهش فيها ....

الى ان وضع أمامها فى نهاية المطاف طبقا يحتوى على قطعة جبن صغيرة وكسرة خبز وقيل لها "هذا طعامك"

"أهذا حقاً طعامى !!! أهذا كل ما أحصل عليه ... أهذا نهاية صبرى !؟ " أجابها الصوت من بعيد بقسوة غير مبررة " نعم هذا طعامك ... ولكى أن تتناوليه أو تتركيه كيفما شئتى.... الأمر متروك لكى ..."

لم تجد من المفردات والكلمات ما يعبر عّن شعورها فى تلك اللحظة ... فقد تأتى بعض المفاجآت صادمة أحياناً .... لتكن أفجع بكثير مما توقعنا ... لتفوق قدرتنا على الرد ...

وتأتى الخيارات مبهمة تاركة ايانا فى حيرة من أمرنا .... فتفضيل المُر على الأمر ليس بالأمر الهين ... خاصة وانه يصعب تحديد أيهما المُر وأيهما الأمر !؟!؟

وعليها ان تختار الآن بين الموت جوعاً و بين تناول قطعة الجبن وكسرة الخبز "

وعند هذا المشهد الأخير أفاقت من غفوتها وانتهى الحلم الذى راودها خلال ساعات نومها القليلة

تسمرت فى فراشها وحل عليها الصمت ..... فما رأته فى حلمها لم يكن سوى انعكاس لحقيقة عاشتها على مدار سنوات عديدة ماضية ولا تزال تعيشها ...

فقد كانت امرأة طموحة تجد وتجتهد .. تنحت فى الصخر بأظافرها ...

تلهث وراء أحلامها دون كلل أو ملل ...

حلم تلو الآخر كان يلوح فى الأفق من بعيد ، تترقبه يدنو منها شيئا فشيئاً ... حتى يصير نصب عينيها ... تمد يدها بنشوة وحماسة لتحصد ما زرعت ... لتروى ظمأ سنوات ... لتعوض سنوات عجاف .. وقبل ان تتمكن منه فى قبضتها ، يأتى من يختطفه منها خلسة.... يحدث ما يحول بينها وبين ادراكه !!!!

كانت تحاول باستمرار ان تبقى شعلة الحماس متوهجة بداخلها ، كانت على يقين انها لو انطفأت لن يعيد ليشعلها شئ على ظهر الكون فكانت تواسى نفسها بعبارات لم تكف عّن ترديدها سراً وعلانية ... فى نومها وصحوها ... فى صلاتها ودعائها .... فى قمة يأسها وانكسارها ....

"الخير فى ما اختاره الله"

"فرج الله قريب "

"رب الخير لا يأتى الا بالخير "

"وعسى ان تكرهوا شيئاً وفيه خير لكم وعسى ان تحبوا شيئاً وفيه شر لكم "

ولكن الى متى !!! الى متى تنتظر الحلم الذى لا يتحقق والأمل الذى لا يكتمل

الى متى تعيد على مسامعها تلك العبارات ...

الى متى !؟

تنتابها أحياناً لحظات ضعف ، لحظات يوسوس اليها ابليس ويهمس لها

ان تنسى أحلامها ، ان تلقى بكل طموحاتها عرض الحائط ، ان تفقد الأمل ، ان تستسلم لليأس وتفسح له طريقاً كى يتسلل داخلها ... ان تسلم بأن الخير الذى ترجوه على الارجح لم يكتب لها ... وان ما كتب لها فوق الجبين، أبعد ما يكون عما سطرته هى فى مخيلتها

كانت تفقد السيطرة أحياناً أخرى ، وتنظر الى السماء بأعين تفيض بالغضب ، تصرخ بعلو صوتها " هل تختبرنى !؟ هل تمتحن صبرى وجلدى ... هل تختبر إيمانى ويقينى !؟

ان كانت تلك هى المسألة فقد اكتفيت اختبارات ... لقد فاض بى الكيل ... لقد أخفقت ... فلنكتف بهذا القدر .... فلنكتف"

وليلة أمس كانت ليلة أخرى انتابتها فيها حالة الجنون تلك .... كانت تنتظر ان يمن الله عليها بوليمة تشبعها ، الا انه لم يمنحها سوى "قطعة جبن وكسرة خبز "





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة