مصر والسودان علاقات متميزة في الماضي والحاضر
ضوء علي الحقيقة
رؤية: هاني سالم
تتسم العلاقات بين مصر والسودان بإرث تاريخي وأواصر دم ومصاهره تتجاوز العلاقات السياسيه بين البلدين ، مهما اختلفت وتغيرت الأنظمه الحاكمه ، فهي علاقه أزليه تربط بين شعبي وادي النيل ، وتحرص مصر دوماً علي إقامة علاقات تدعم أواصر المحبه والتعاون في شتي المجالات ، علاقات متشعبه في كل الإتجاهات والمجالات ويدعمها أن البلدين يجري فيهما شريان واحد يمد كل منهما بالحياه متمثلاً في " نهر النيل " الذي يمثل مرتكزاً أساسياً وقوي للعديد من مشروعات التعامل ، وخلاف ذلك هناك صلة نسب ومصاهره بين البلدين الشقيقين ، لاسيما أهالي " أسوان " ، لذا نجد أن العلاقات المصريه السودانيه هي ترجمه للروابط القويه بين الشعبين والتشاور والتنسيق السياسي بين كلا البلدين دائماً علي مستوي القاده والزعماء ، فالتشاور بين القاهره والخرطوم أمراً مهماً لصالح الأمه العربيه وقضاياها ، فلا تترك مصر مناسبه إلا وتؤكد علي الموقف الإستراتيجي الثابت تجاه دعم وإستقرار أمن السودان وشعبه الشقيق ، وأن مصر داعمه لإختيارات الشعب السوداني للحفاظ علي دولته ، ومتابعتها الحثيثه لكل التطورات الراهنه علي الساحه السودانيه ، وكان واضحاً ذلك مدي قوة العلاقه المصريه السودانيه في الفتره الأخيره ، لا سيما بعدما وقفت القاهره مع خيارات الشعب السوداني ودعمته علي مختلف الأصعده وتطورت العلاقات بشكل كبير ، فبكل تأكيد مصر تدرك أهمية دعم الإستقرار في السودان ، فهو أمناً قومياً لمصر والعكس صحيح وكلا البلدين عمق إستراتيجي للآخر ، تاريخ طويل بين أبناء وادي النيل ، حيث تمتد الحدود المشتركه بين البلدين لنحو 1273 كم ، وتمثل السودان العمق الإستراتيجي الجنوبي لمصر ، لذلك فإن أمن السودان وإستقراره يمثلان جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري ، السودان تاريخياً يعتبر إمتداداً جغرافياً لمصر وارتبط رسمياً بمصر منذ أن نشأت العلاقات الدبلوماسيه المصريه السودانيه في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، حينما بدأ « محمد علي » في بناء الدوله الحديثه ، وفي عام 1820 تقدمت جيوش الدوله المصريه لتقوم بلملمة أطراف المناطق الواقعه جنوبها ، لتصنع من كل هذا كياناً إدارياً وسياسياً واحداً وهو الذي اصطلح تسميته ب « السودان » ، وكان فتح " السودان " هو ثالث الحروب التي خاضت مصر غمارها في عهده لتأليف وحدتها السياسيه ، ومنذ هذا التاريخ أصبح السودان جزءاً من مصر وصار البلدان دوله واحده ، وظل الترابط وأواصر العلاقات المتينه بين مصر والسودان قائمه ولم تنقطع ، إلا في عهد الدوله المهديه من عام 1885 إلي عام 1898 ، حيث عادت مصر مره أخري للسودان عبر الحكم الثنائي ( المصري _ البريطاني ) إلي أن حصل السودان علي إستقلاله في يناير عام 1956 ، فبعد قيام ثورة 23 يوليو وسقوط الملكيه في مصر وانطلاقاً من تبني نظام الثوره سياسه تعلي من قيم تحرر الشعوب وحقها في تقرير المصير ، تم الإقرار للسودان بحقه في الإستقلال عن مصر عام 1956 ، ولم يكن استقلال السودان مصدر إزعاج لمصر ، بل كانت العلاقات السياسيه بين البلدين تتسم بالإستقرار ، وظلت مصر دائماً حريصه علي إستقرار " الخرطوم " وحرصت مصر علي التعامل الإيجابي علي ما شهده السودان من تطورات علي المستوي السياسي لاسيما علي مستوي أزمات الجنوب وأزمات " دارفور " وغيرها من الأزمات ، ومنذ إستقلال السودان في ذلك العام والعلاقات المصريه السودانيه تمر بحالات من المد والجزر أو بدورات من الصعود والهبوط ، وفي التسعينيات من القرن العشرين تدهورت العلاقات المصريه السودانيه بشكل غير مسبوق وصل حد التراشق بين الأنظمه ، وهذه المرحله رغم سودوايتها وظلاميتها كانت لها إيجابيات ومفيده علي الأقل من ناحية إتخاذ العبر والدروس المستفاده لعدم الإنزلاق إلي هذه الحقبه مره أخري ، ومن أجل إدراك الحقيقه وهي أن مصر والسودان لا غني لإحداهما عن الأخري مهما كان إختلاف الأنظمه الحاكمه هنا أو هناك ، فمصر والسودان باقيان في هذا المكان منذ فجر الخليقه وسوف يظلان كذلك ، مهما كانت الأحداث أو التطورات في شمال الوادي أو جنوبه ، ومن ثم فإن التعاون من أجل الصالح المشترك هو الأجدي والأكثر نفعاً وهو المنطق الطبيعي للأمور ، ومهما إفترقت السبل فإنه ليس هناك مفر من التعاون والتفاهم والتنسيق ، وتحرص السياسه المصريه في هذه المرحله الجديده الفارقه في تاريخ البلاد بعد ثورة الثلاثين من يونيو ، علي إقامة علاقات تتميز بالخصوصيه والتفاهم العميق مع " السودان " الشقيق وتطوير العلاقات الإقتصاديه المشتركه وإحداث نقله نوعيه فيها لتحقيق ما يطمح إليه شعبي البلدين ، فالسودان يعد الدوله الوحيده التي لديها قنصليه في « أسوان » وهذا يعكس نمو حجم التبادل التجاري ، وهذه القنصليه تعمل بالفعل علي تقوية العلاقات التجاريه والإقتصاديه بين البلدين ، فمنذ تولي الرئيس « عبدالفتاح السيسي » مقاليد الحكم وهو يعطي الأولويه للعلاقه مع السودان الشقيق وأفريقيا بشكل عام ، ليقوم بتغيير المفاهيم المغلوطه التي سادت لفتره طويله في السياسه الخارجيه لمصر ، وامتدت لأكثر من خمسة عقود حيث كانت تري أن العلاقه مع دول إفريقيا أكثر تكلفه من العائد منها ، وهي رؤيه غير صحيحه وخاطئه لأنها بذلك أهملت إمتدادها الجغرافي والطبيعي ، والواقع أثبت خطأ تلك النظريه فكان لابد من إعادة تصحيحها والمضي قدماً في المسارات الصحيحه والمتوازيه مع إعطاء الأولويه للأشقاء والجيران فهم جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والإستراتيجي لمصر ، ولذلك قام الرئيس « السيسي » بزيارات عديده منذ توليه مسئولية الحكم للدول الإفريقيه شرقاً وغرباً وجنوباً لا سيما الزيارات المتكرره للسودان ، مما أعطي قوة دفع غير عاديه للعلاقات المصريه السودانيه وإعادتها إلى المسار الصحيح بعد فتره سادها القلق والجمود والتوتر ، فالبلدين بينهما روابط إفريقيه وعربيه وتاريخيه وإجتماعيه وغيرها من الروابط والعلاقات التي ترسخ مرحله جديده بين الدولتين .
وقد شاهدنا الزيارات المتبادله بين المسئولين المصريين للسودان ، ونظرائهم السودانيين للقاهره ، والتي أسهمت في تدعيم العلاقات التعاونيه بين البلدين بشكل كبير في مختلف المجالات وتقريب وجهات النظر في ملفات عديده ، فمصر والسودان تدركان أهمية التنسيق والتشاور في جميع القضايا الثنائيه والإقليميه ، فتلك الزيارات المتبادله أحدثت نوعاً من التفاهم في التعامل مع مختلف القضايا وفي مقدمتها أزمة " سد النهضه " ، ومؤخراً كانت الزياره العظيمه والمؤثره والملموسه وغير المسبوقه التي قام بها الدكتور « مصطفي مدبولي » رئيس مجلس الوزراء مصطحباً عدداً كبيراً من الوزراء المصريين في شتي المجالات والتخصصات ، وهذا له مؤشرات ودلائل منها الدعم الكامل للحكومه السودانيه خاصة في هذا الوقت الحساس ، وكذلك دعم جميع القطاعات في السودان ونقل الخبرات المصريه إليها كالطاقه المتجدده والتعليم والصحه والربط الكهربائي وغير ذلك الكثير ، وخلاف ذلك هناك حُلم القطار الذي ينطلق ليربط بين القاهره والخرطوم ويتم الآن دراسة كل المسائل الفنيه والإقتصاديه المتعلقه به لتنفيذه علي أرض الواقع ، ستظل علاقات مصر والسودان علاقات متميزه حاضراً ومستقبلاً لن تتأثر بأي شيء ، ولن يستطيع أحد أن يزعزع تلك الثقه الكبيره بين الدولتين فمصر والسودان تمتلكان مقومات إقتصاديه وتجاريه هائله مما يسمح بتحقيق أضعاف حجم التجاره بين البلدين ، والعلاقه بينهما تكامليه وليست تنافسيه ، فالعلاقات بين الدولتين لا مثيل لها في تجذر وعمق الروابط التي ربطت بين الدولتين والشعبين على مر العصور ، وإيمان كل منهما بوحدة الدم والتاريخ والثقافه والمستقبل والمصير ، فما بين مصر والسودان عميق عمق نهر النيل وقديم قدم الأزل.