رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

تغريدات متنمر

بوابة الجمهورية

بقلم / أحمد الوحش

غرد أحدهم قائلاً "بتوع الأرياف فلاحين كحيانين مكانهم الغيط". تزلزلت الأرض من تحت أقدامي، لا أشعر بصلابتها كأنها انشقت؛ لتبتلعني وتشدني للأسفل، وسقف الغرفة يكاد ينطبق على رأسي وهاتفي؛ ليسحقهما من الغضب، وشعرت بالهاتف ترتفع حرارته حدَ الانفجار، وكأن تلك التغريدة التي قرأتها للتو تعويذةٌ قد لونت الدنيا بالأسود...


وضعت هاتفي جانباً، واستغرقت في التفكير، وبعد دقائق استفقت من غيبوبتي، فوجدت فطوري وكوبَ القهوة قد أصبحا باردين، ثم تسائلت "هل ترتبط الثقافة بمكانٍ أو فئةٍ؟ وكيف وصل بنا الحال لهذا الوضع الكارثي؟"
إن الفلاح رجلٌ شريفٌ مجتهدٌ عصاميٌّ، وهو الإنسان الوحيد المنتج دون أن يعتمد على أحد، بينما المنتج فينا مُستَهلِك، ونعتمد عليه اعتماداً كلياً.

يزرع الفلاح تحت الشمس الحارقة، ويحرث أثناء العواصف، ويحصد في جوٍّ ماطرٍ، بينما نحن النائمين في منازلنا نتحدث من خلف الشاشات بالسوء عن هذا المُكَافِح.
ومن الخطأ استخدام وظيفة أو فئة كإهانة؛ لأن ذلك يخلق وصمةَ عارٍ لهم في المجتمع، وهو ما يتنافى مع الآداب العامة وحقوق المواطنة.

لقد كرم الإسلام الفلاح تكريماً يليق بمكانته وأهميته في المجتمع، فالزراعة من أساسيات الحياة التي نموت دونها، وقال رسول الله -ﷺ-: "مَا مِن مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ" رواه البخاري ومسلم.

إن الريف المصري هو منشأ كل جميل، حيث العادات والتقاليد والمحبة واحترام الكبير...إلخ من المبادئ والأخلاق الحميدة.
أتقصد بالريف مسقطَ رأسِ طه حسين عميد الأدب العربي؟ أو ميت أبو الكوم حيث وُلِدَ السادات؟ وغيرهم من علماء وزعماء وفلاسفة مصر.
لو أن العقاد بيننا اليوم، لأعطاك درساً عن قيمة الريف وأهله، أو ابن قرية أبنود الصعيدي الذي نشأ فقيراً، وأصبح عبدالرحمن الأبنودي أحد أعلام الشعر والثقافة في مصر.

لقد أصبح التنمر ظاهرةً ملموسةً في سلوك الشارع المصري، وهذا التغير الطارئ على مجتمعنا يتزايد يوماً بعد يومٍ، ويمس كثيراً من فئات المجتمع التي تملك حقوقاً متساوية في الوطن.
لم يقتصر التنمر والعنصرية على ذلك فقط، بل تَزَايَد الوضع، وأكثر ما جَذَبَ انتباهي قصة شاب سوداني تم رميه بالبيض أثناء سيره في الشارع، وقد نشر كلماتٍ حزينة على فيس بوك عن معاناته من التنمر، فسارَع كلُّ مصري شريف؛ ليعتذر عن هذه التصرفات الفردية، والتي لا تعبر عن أخلاق الشعب المصري الأصيل...

انظر عن يمينك، ذلك الفقير الذي لم يختر يوماً الفقر خليله، يعامله البعض بتعالٍ وتَنَمُرٍ، فهل يُعَابُ المرء أنه ولد فقيراً؟ ماذا لو أصبحت مكانه يوماً؟
انظر عن شمالك، تلك عروس شابة تَنَمَرَ عليها البعض؛ لأنها قصيرة القامة، فلم تسلم من لسان القاصي والداني، مما أفسد عليها الفرحة التي لا تتكرر مرتين في العمر، ألم يخلق الله الإنسان في أحسن تقويم؟
أو الفيديو المشهور، حيث مجموعة من الشباب عديمي الرحمة تركوا كلباً يعض طفلاً معاقاً ذهنياً، والطفل يستنجد صارخاً من شدة الألم، لم يقتصر التنمر على الأذى النفسي فقط، لكنه تَطَوَّرَ للأذى الجسدي.

إن التنمر لا مبرر له سوى فساد النفس وضياع الأخلاق، وهو سلوك فردي لا يعبر عن مجتمعنا المصري، ويجب علينا أن ندافع عن المساواة والأخلاق، وتقديم الدعم لكل من يحتاجه؛ ليستعيد الثقة لا أن نسلبه إياها.
فهل نرى في المستقبل قانوناً يحمي هؤلاء الأبرياء من المتنمرين والعنصريين؟





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة