يا بتفكر يا بتحس
قصة قصيرة
تكتبها: دينا أبو الوفا
اقتربت الاجازة من نهايتها ... غداً تعود مع عائلتها الى منزلهم بالقاهرة ...
فكان قرارها اليوم فور استيقاظها من النوم ، بأن تنال أكبر قسط ممكن من نسمات الصباح الباردة وتملى عينيها من البحر قدر استطاعتها ...
ولكن أهم ما كانت تصبو اليه فى هذا الصباح هو بعض الهدوء والسكينة بدلاً من الصخب والضوضاء اللذين فرضا عليها فرضاً من قبل عائلتها فى الايام الخمس الماضيه
كانت تمنى نفسها ببضع ساعات فقط تختلى فيها بنفسها وتجلس معها دون تطفل أو مقاطعة من أحد حتى وان كانوا أفراد عائلتها ...
ليس فقط لانها تميل بطبيعتها الى الانعزال والوحدة وتجد فيهما راحة هائلة بل أيضاً لانها فى الآونة الاخيرة لم يعد لديها القدرة على الانخراط فى أحاديث مع أحد حول اًى موضوع ... لم يعد لديها القدرة على التحاور وتبادل أطراف الحديث حول الامور اليومية العادية ... يكفيها الحوارات الجادة اللانهائية التى تدور داخل رأسها على مدار اربع وعشرين ساعة !!
لم يعد لديها الطاقة التى تمكنها من التظاهر بأنها بخير ... بل لم يعد لديها الرغبة فى التظاهر بأنها بخير ، فقط من أجل ارضاء من حولها ومسايرتهم ... ولم يكن لدى من حولها -اللهم الا أقل القليل -القدرة يوماً على إحتوائها وتفهم مشاعرها المتضاربة المتقلبة فكان الانطواء والعزلة عّن العالم ، حتى أفراد عائلتها الحل الأمثل فى بعض الأحيان ....
فلا ضرر ولا ضرار
فليس من السهل ان يتقبل من حولك فكرة انك لست بخير ... انك لست سعيداً على الرغم من امتلاكك كل سبل السعادة ...
حتى وان كان ظاهرياً ...
وتذكرت مقطعا من أغنية تعشقها وكثيرا ما يرددها لسانها همساً ، للمطربة شيرين - يلخص حالها الذى لا يدركه أحد من حولها - تقول فيه
"أى شخص عنده نقص
لو قد ما بين كامل
تأكد بده اشياء كتير
عندك اياها ومش سائل"
فلديها عائلة ، زوج واولاد .... لديها وظيفة مرموقة ، منزل راق ، سيارة فارهة ، ولديها من المال ما يكفي لتعيش عيشة هنيئة
فكيف لأحد ان يتفهم ذلك التناقض الغريب !؟ كيف تفسر لمن حولها ان ما ينقصها أهم بكثير من كل تلك الأشياء !؟
فليست الأمور المادية فحسب هى ما تحدد مقدار سعادتنا او تعاستنا بل ان الأمور المعنوية تلعب دوراً مماثلاً ان لم يكن دوراً أكبر وأكثر أهمية
فسلامنا النفسي وراحة بالنا وتصالحنا مع أنفسنا عناصر رئيسية تتشكل بها سعادتنا
عناصر أدركت وأيقنت -كلما جلست لتفتح دفاترها القديمة وتعيد تقييم حساباتها- انها افتقرت اليها بشكل كبير على مدار الاعوام القليلة الماضيه
ولأنها قررت عدم الانجراف الى تلك النقاشات والمهاترات التى لا جدوى منها ، كونها لم ولن تسفر عّن شئ سوى اقتناع كل من حولها بانها امرأة جاحدة متمردة لا أكثر ولا أقل ، فقد وجدت حلين لا ثالث لهما كى تتعامل مع تلك المعضلة ...
أولهما أن تعيش أكذوبة كبيرة أمام الجميع وتتظاهر بقمة السعادة كلما اضطرتها الظروف للاختلاط بالجموع ، والثانى هو ان تنعزل بعيداً كلما مكنتها الظروف من ذلك ، لتكن على طبيعتها ،فتمنح نفسها الحق فى ان تكون تعيسة !!!
اتخذت مجلسها على الأريكة الراتان البيج ذات "الشلتات" البرتقالية ، ممسكة بيدها اليمنى فنجال النسكافيه وفى يدها الاخرى هاتفها الخلوى ....
راحت تبحث فى "ساوند كلاود" عّن موسيقاها المفضلة ... موسيقى هاوزر ومن يكن غيره !!!
لقد كان دوماً الضيف الوحيد المصرح له باختراق عزلتها ومشاركتها جلستها ....
وانطلقت موسيقاه .... لتختلط بنسمات الصباح الباردة وحفيف أوراق الشجر لتخلق لها المناخ الأمثل لجلستها ... أغلقت عينيها ... أخذت نفساً عميقاً وكأنها تحاول التقاط الهواء كله من حولها ، لتعبأ به صدرها الضيق ... احتبس بداخلها لحظات ، ثم انطلق خارجه كتنهيدة طويلة ... تحمل معها غير الهواء الكثير
ذلك الكثير الذى كلما فر هارباً من داخلها - ليظهر جلياً أمامها - أبكاها وحرر الدموع الحبيسة داخل أسوار عينيها
لم تكن تنهيدتها سوى صرخة تملأها العزة والكبرياء .... كبرياء يأبى البوح بحالها حتى أمام نفسها ....
راحت تزيح بأناملها المرتعشة ، تلك الدموع
كفاها بكاء ... كفاها ....
يبدو أن الاختلاء بنفسها لم يكن قراراً سديداً اليوم ...
أمسكت بهاتفها ... ضغطت على زر "سبيد ديال" .... تحتاج الى محادثة صديقة عمرها "منة الله" على الفور ... حقيقة انه ليس لديها ما تقوله لها ... فلم يطرأ أى جديد تحت الشمس ...وكل ما هو قديم تعرفه عنها "منة" معرفة تامة ، كونها كانت ولا تزال بئر أسرارها ومرآتها ، الا انها تحتاج الى سماع صوتها ...
فلطالما بعث صوت صديقتها الهادئ ، الطمأنينة فى نفسها ومنحها شعوراً بالأمان ....
لم تنتظر كثيراً على الهاتف...جاءها صوت "منة " متلهفاً ، فقد مر قرابة اسبوع لم يتحدثا فيه ، الشئ الذى لم يعتادا عليه ...
فقد كانت المكالمات التليفونية اليومية بينهما ، أمراً حرصا عليه ، كى يقدما لبعضهما البعض ، تقريراً كاملاً بآخر المستجدات ...
ولكن اللهفة الواضحة فى صوت "منة" جعلتها تجزم ان هناك شيئاً ما تتوق صديقتها الى الافصاح عنه .... وقد كانت محقة ...
لقد كانت "منة" فى حيرة من أمرها ...
لقد عاد ليطرق باب قلبها من جديد ، رجل أحبها بل ذاب عشقاً فيها منذ عدة سنوات، أرادها شريكة لحياته فعرض عليها الزواج الا انها صدته حينها وبعدته عنها بلطف ورفق ...
فقد كان قلبها أسير حب رجل آخر .... اتضح لها بعد مرور عام كامل على علاقتهما انه لم يكن صادقاً أو جاداً فى نواياه
لم تمثل له "منة" منذ اللحظة الاولى التى وقعت عينيه عليها - سوى فريسة استحال عليه مقاومتها وكان عليه اصطيادها مهما كلفه الأمر من تخطيط ووقت وجهد وطولة بال !!!
كانت فى نظر الجميع ملكة متوجة - ربما لهذا السبب بالتحديد وقع اختياره عليها - فصار الوصول اليها واختراق أسوارها وحصونها تحدياً مغرياً قبله بثقة متناهيه ، كأمثاله من النرجسيين
لم يكن وقوعها فى شباك غرامه سوى هدف سعى لتحقيقه مستغلاً طبيعتها الرومانسية وقلة خبرتها ...
ولم يكن قلبها سوى جائزة سعى للحصول عليها فى نهاية تلك اللعبة الحقيرة ، ليضمه الى مجموعة القلوب التى فاز بها وركنها على الرف كى يتفاخر أمام نفسه المريضة بغزواته البطولية وانتصاراته العظيمة .
فراح يتلاعب بمشاعرها حتى انه لم يترك حيلة الا وقام بها فى سبيل تحقيق هذا الهدف
فكان يغدق عليها بالحب والاهتمام والحنان ولم يبخل عليها بوقته حتى أثمنه، فقط ليجذبها نحوه ويعلقها به ...
وحين تأكد انها صارت فى قبضة يده ، راح يلاعبها ، فبخل عليها بكل ما منحها اياه من قبل ، حتى وقته !!!
راح يهملها ويغيب عنها أيامًا طويلة دون أدنى تفسير او اعتذار ...
وما ان يشعر انه قد فاض بها الكيل وانها على وشك الانسحاب والافلات من قبضته ، حتى يعود ليلتف حولها كالثعبان ويسحبها نحوه من جديد ...
ظلت هكذا معه ، تتأرجح فى فضائه من أعلى لأسفل ومن أسفل لأعلى ، حتى كان قرارها النهائى ذات يوم ، بانهاء تلك العلاقة السامة
تتذكر كم عانت "منة"حينها ولا زالت تعانى آثار تلك التجربة المريرة
تتذكر كيف انكسر قلبها وتحطمت روحها وانهزمت كرامتها ... وفقدت الثقة فى كل شئ وفى كل شخص ... تتذكر كيف بكت صديقتها ليلة تلو الاخرى دون انقطاع ...
تتذكر كيف اعتزلت العالم الخارجى بأكمله وظلت حبيسة منزلها عدة أشهر لا تخاطب أحداً ...
تتذكر كم كانت مهمتها فى انتشال صديقتها من تلك الدوامة عسيرة ... وكم كان صعباً عليها ان تحفزها على النهوض من جديد لتقف على قدميها اقوى من ذى قبل
ولكن أصعب ما واجهها فى تلك القصة ولم تنجح فى اجتيازه بعد ، هو ان تجعل "منة" تنسى تلك التجربة الصادمة وتلقى بذكرياتها الأليمة وراء ظهرها وتتعلم كيف تغفر لنفسها سذاجتها المفرطة التى قادتها الى التهلكة ...
وللأمانة لم تكن لتلومها على جلدها لذاتها ، فالقرارات التى نترك للقلب مطلق الحرية فى اتخاذها ، والتى نكتشف بعدها انها كانت قرارات خاطئة عادة لا تغتفر ....
تعلم هذا علم اليقين ، لأنها هى أيضاً لم تغفر لنفسها بعد تلك الكبوة ...
واليوم عاد الي"منة" من أحبها بصدق ، طالباً يدها للزواج للمرة الثانية ، رافضاً ان يسمع منها أعذاراً واهية .... لقد انتظرها كل تلك الاعوام على أمل ان يجمعهما القدر من جديد ولم يسمح لحب آخر ان يحتل مكانتها بقلبه
واليوم ينتظر منها الموافقة ... ينتظر منها ان تحدد موعداً كى يلتقى بعائلتها ويتمم معهم كل شئ ...
وبعد نقاش طويل ومباحثات ، أنهى المكالمة معها بعد ان أبلغها انه سيعاود الاتصال بها فى غضون أيام !!!
تركها حائرة ، فى ذهول من أمرها...
لا تدرى ماذا تفعل !؟ وكيف تتخذ قرارها !؟
لقد اتخذت قراراً فى الماضى بقلبها وتحطمت
فهل تتخذ اليوم القرار بعقلها !؟ سؤال طرحته "منة" على صديقتها المخلصة ، لعلها تجد عندها الخلاص ولكن سؤالها قوبل بحالة من الصمت !!
تفهمت "منة" السبب وراء صمت صديقتها .... فصمت صديقتها الطويل عادة ما يعنى انها ترتب أفكارها لتمنحها الاجابة النموذجية التى تفتش عنها ...
كانت "منة" محقة جزئياً فى تكهنها ، فلم يكن ذلك هو السبب الوحيد وراء صمت صديقتها...
فقد شردت صديقتها بعيداً حين أدركت ان "منة" فى مأزق حقيقى ... مأزق يقع فيه أغلب الناس ان لم يكن جميعهم فى أحيان كثيرة .... مأزق قد برعت المطربة شيرين فى تلخيصه حين قالت
"يا بتفكر يا بتحس
ما فيك توقف بالنص
ولا فيك تاخد كل شى
نقى واحد منهن بس"
هذا المأزق هو كيفية اتخاذ اًى قرار ...ومن يتحكم فى اتخاذه ... العقل الذى يفكر أم القلب الذى يحس...
فان وجدنا أنفسنا وقد انسقنا فى اتجاه التفكير فى الامر ملياً ورحنا نحسب الحسابات بالورقة والقلم ونحلل المعطيات ونتناقش مع أنفسنا حول الخيارات لنصل فى نهاية المطاف الى قرار ، فقد اخترنا بالتأكيد العقل والمنطق ليتخذ القرار لنا دون الامتثال من قريب او بعيد لرغبات القلب
أما ان وجدنا أنفسنا وقد انسقنا فى اتجاه مشاعرنا واحاسيسنا ورغباتنا فقد اخترنا بكل تأكيد القلب ليتخذ القرار لنا دون اللجوء الى العقل او أخذ المنطق فى الاعتبار
والاحتمال الثالث هو ان نقف فى المنتصف ونزع الاثنين يتخذا القرار معاً وهذا أشبه بالمستحيل ، لان العقل والقلب نادراً ما يتفقا على أمر ما ... ففى أغلب الأحيان ما يرجوه القلب لا يقبله العقل وما يجيزه العقل لا يرضاه القلب !!!!
فان حدث وحاولنا المزج بين الاثنين ، وجدنا أنفسنا عالقين فى منطقة رمادية ، لا معالم لها ولا خلاص منها الا بعد فوات الاوان ...
ليت المأزق يقف عند هذا الحد ... لكن الفاجعة الاعظم التى يعيشها أغلبنا ، تكمن فى كوننا نتخذ قراراتنا أحياناً مسيرين بالقلب حين كان لزاماً علينا استخدام العقل ...
ونتخذ قراراتنا أحياناً أخرى وفقاً للعقل حين كان لزاماً علينا الاستعانة بالقلب .....
يا للمفارقة.... تلك هى بالتحديد مأساة حياتها ... واليوم تأتى صديقتها "منة" لتطلب منها الارشاد والنصيحة فى أمر قد أخفقت هى فيه عشرات المرات ... فكيف تجيبها !؟
ماذا تقول لها !؟ بما تنصحها !؟
لا تدرى ، حقاً لا تدرى ...
فقط همست بصوت يكاد يكون مسموعاً ...
يا بتفكر يا بتحس
ما فيك توقف بالنص
ولا فيك تاخد كل شى
نقى واحد منهن بس ....