رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

شاطئ الفجر

بوابة الجمهورية

قصة قصيرة


تكتبها: شجون حسن

علم فلان وكان شاباً يافعاً يتقلد منصباً رفيعاً ،أن المنزل الذي يجاوره منزله تسكنه فتاة حسناء من ذوات المال والثراء والعز والجاه، فتعلق بها وتعلقت به فتراسلا وتزاورا ثم افترقا ،وللأسف ختمت روايتهما بما تختم به كل راوية غراميه يمثلها أبناء آدم وحواء علي مسرح الحياة.

عادت الفتاة إلي أهلها تحمل في أحشائها جنيناً يضطرم في فؤادها ،ذلك ما أسهر ليلها وأقض مضجعها ،فلم ترَ لها سبيلاً إلا الفرار بنفسها والنجاة بحياتها، فانتظرت تجاليد الظلام والناس نيام والسكون يعم المكان، وخرجت ثم رمت بنفسها في بحرها الأسود الحالك ، فما زالت أمواجها تتلقفها وتترامي بها حتي قذفت بها إلى شاطئ الفجر، فإذا هي في غرفة صغيره في أحد المنازل البسيطه ، وإذا هي وحيده في غرفتها لا مؤنس لها إلا ذاك الهم وذلك الجنين المسكين.

كان لها أم تحنو عليها ورفقاء يبكون لبكائها ويفرحون لفرحها ،وأب لا هم له في الحياة إلا أن يراها سعيدة في امالها وأحلامها، فهجرت كل هذا من أجل ذاك الفتي الخليع الفاسق، ذلك ما كانت تناجي بها نفسها في صباحها ومسائها ،علمت أن ذلك الفتي الذي وعدها أن يتزوجها خدعها وقذف بها إلي هذا المصير.

وماهي إلا أيام قلائل حتي جاءها المخاض فولدت وليدتها، ولقد ضاق صدرها ذرعاً بهذا الضيف الجديد، وهو أحب الناس إلي قلبها ، فجلست ذات ليلة وقد حملت طفلتها النائمه وظلت تقول، (هل تعيشين أيتها الفتاة حتي تغفري لي ذنب أمومتي حينما تسمعين قصتي وتفهمين شكواي؟)

محال أن اعود إلا أبي سيقتلني ،وظلت تحادث نفسها حتي انقضي الليل ،ودارت الأيام وباعت المسكينه كل شئ تملكه من حلي وثياب وأثاث ولم يبق لها إلا بعض الملابس الباليه،فخرجت تطوف شوارع المدينة لا تبغي مقصداً ولا تريد غاية سوي الفرار بنفسها من همها فرأتها عجوز من ذوات الهوي والليالي الحمراء، فألمت ببعض شأنها وأوصلتها إلي غرفتها وسألتها ما خطبها فقصت لها ما حدث واصبحت فريسة لهذه المرأة اللعوب التي قادتها إلي عالم السكر والعربدة، واقتادها إلي بيتها وعاشت تلك المسكينه اشقي أيام حياتها، لأنها ما كانت تسطيع أن تزدرد لقمتها التي هي كل ماحصلت عليه في دورها الثاني إلا إذا بذلت راحتها وشردت نومها ،وأحرقت أحشائها بالشراب.

وفي ليلة قاسيه أدعي عليها رجل من رواد العجوز أنها سرقت نقوده،ورفع أمرها إلي القضاء وأستعان عليها ببعض الساقطات التي يحسدنها علي حسنها وعذوبتها.

وجاء يوم الفصل في أمرها فسيقت إلي المحكمة وفي يدها طفلتها الرضيعة ،فأخذ القاضي ينظر في القضايا ويحكم فيها بما يشاء ،حتي أتي دورها فلما وقع بصرها عليه اضطربت اضطراباً شديداً إنه حبيبها ذلك الفتي الذي كان سبب شقائها في السابق،فصرخت:

رويدك يا قاضي القضاة،ليس لك أن تحكم في قضيتي، مكانك أن تكون بجواري فكلانا سارق وكلانا خائن، فعجب القاضي من كلامها وارتاع الحاضرون من هذا المنظر، وهم أن يدعو الشرطي لإخراجها فكشفت عن وجها فنظر إليها نظرة ألم وسكن في كرسيه سكون المريض ألذي ينتظر الموت،وعادت الفتاة تكمل حديثها (انا سارقة المال وأنت سارق العرض ،والعرض أثمن من الشرف ،فأنت أعظم مني جرماً.)

فرفع القاضي رأسه ونظر إلي ابنته الصغيره نظرة شفقه وقرر في نفسه أن ينصف تلك البائسه، غير أنه أراد أن يخلص من هذا الموقف خلوصاً جميلاً فاعلن أن المرأه قد أصابها الجنون فصدق الناس قوله.

ثم قام من مجلسه بنفس غير نفسه وما هي إلا أيام قلائل حتي هجر القاضي منصبه، وتزوج هذه المسكينه وضم ليه ابنته، وهاجر الي بلد لا يعرفهما احد، ولا يزال حتي اليوم يكفر عن سيئاته إلي زوجته بكل ما يسطيع من صنوف العطف والحب حتي نسيا ما فات ولم يبق إلا ما هو آت.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة