الخير فى ما اختاره الله
قصة قصيرة
قصة ترويها: دينا أبو الوفا
مضت عدة أشهر الآن منذ ان اتخذت الشركة التى تعمل بها ، قراراً بابقاء موظفيها لممارسة مهام وظيفتهم من المنزل ، بدلاً من مقر الشركة ، كاجراء احترازي ووقائي ، بعد ان استمرت عدد حالات الكورونا فى الارتفاع حول العالم بأكمله
وعلى الرغم من ان اليوم "الخميس" كان عطلة رسمية بمناسبة ثورة يوليو الا انه لم يختلف كثيراً عّن باقى أيام الاسبوع ...
فقد استهلته كغيره من أيام العمل الاسبوعية ، بعدة اجتماعات عبر ال "زووم" جمعت بينها وبين زملائها ورؤسائها من الخارج
والتى امتلأت بنقاشات حادة وشائكة فى بعض الاحيان
لم تمنعها تلك الاجتماعات عن القيام بمهامها المنزلية المعتادة التى اصبحت روتينية لا أمل فى تغييرها أو التهرب منها ...
فراحت تجلى الصحون المتسخة والمتراكمة حد السقف ، وتغسل الملابس وتنشرها ، تنتشل الملابس الجافة من على الحبال وتقوم بطيها ووضعها فى خزانات الملابس
راحت تنظف أرضيات الشرفة والمطبخ لازالة آثار الاقدام الملطخة بالطين ، إثر دخول وخروج أولادها وزوجها عشرات المرات من الحديقة على مدار اليوم ، ليتمكن كلب ابنتها من قضاء حاجته !!!
راحت ترتب غرف النوم وغرفة المعيشة ، وتعيد كل الاشياء المتناثرة هنا وهناك الى مكانها الصحيح
ثم دخلت الى المطبخ لتطهو وجبة الغداء .. كل هذه الامور وغيرها من لائحة المهام والواجبات التى تصير المرأة المصرية ملزمة بها فور توقيعها عقد قرانها !!!
وحين انتهت من كل تلك الاعمال المنزلية وأوشك اليوم على الانتهاء ، دخلت غرفة نومها وأغلقت الباب وراءها ... اخذت حماماً دافئاً لعله يزيح عنها آثار اليوم الثقيل ...
أدت صلاة العشاء واستلقت فى فراشها بالكاد تقوى على الحراك ... فقد غلب عليها التعب والارهاق الجسدي والذهنى ....
شردت بذهنها بعيداً ..... ووجدت نفسها تعيد على مسامعها نفس ذات السؤال الذى اعتادت ان تطرحه كلما ضاق صدرها واختنقت روحها وفاض الكيل من حياة أرهقتها واستنفدت طاقتها ....
"ماذا لو عاد بها الزمن الى الوراء !؟ ...
الى عشرين او ربما ثلاثين عاماً ماضيه...
ياه ... كم تتمنى ذلك !؟ لو ان تلك المعجزة تحدث ... لو انها تحصل على فرصة ثانية لتتخذ قرارات مختلفة تغير مجرى حياتها فى اتجاه آخر ... "
ولان تلك النوعية من الاسئلة الافتراضية لا جدوى منها ، فقد كانت تنفضها سريعاً عنها كل مرة ...
ولم يعنها على تلك المهمة الصعبة ، سوى قرارها بمشاهدة فيلم كوميدى ، ينقلها الى حالة من الاسترخاء واللا مبالاة
فاختارت فيلماً من احد مواقع النت بشكل عشوائى ، فيلماً توسمت فيه انه لا يحمل فى جنباته قصة هادفة او رسائل قيمة ... فيلماً لن تدعوها أحداثه الى التفكير والتأمل ... كفاها تفكيرا وتأملاً !!!
دارت احداث الفيلم حول شاب غير وسيم ، يعمل ميكانيكياً فى أحد المناطق الشعبية يحب فتاة جامعية تمتلك من مقومات الجمال والانوثة الكثير ...
كان ساخطاً على ما آلت اليه أحواله وكان يؤكد لنفسه ان المعضلة تكمن فى اختيار خاطىء كان قد اتخذه منذ أعوام طويلة ... وتمنى لو ان الزمن يعود به ليتخذ قراراً مخالفاً يبدل حياته فى المستقبل الى الأفضل
وضحكت ساخرة من المفارقة العجيبة ...
فمن بين جميع الافلام ، وقع اختيارها على هذا الفيلم بالتحديد !!!!!! ألم يكن الهدف من مشاهدة الفيلم هو الهروب من سيطرة تلك الخاطرة بالتحديد)
وقد كان له ما تمنى ، فقد عثر فى منزل جده على ساعة زمنية ، ما ان يفركها بيده حتى تعيد الزمن الى الوراء ، الى اليوم والساعة التى يرغب فى العودة اليها ... الا انه وجد مع تلك الساعة خطاباً يحذره من ان العودة بالزمن الى الوراء ومحاولة تغيير اًى من أحداث الماضى قد تؤدى الى عواقب وخيمة ...
وبالطبع لم يبال ... فالحصول على فرصة ثانية لتغيير حياته أمر يستحيل مقاومته ...
وقد كان ... ففى كل مرة كان يعبر فيها الى الماضى ليغير شيئا ما ، يجد نفسه وقد عاد الى حاضر أسوأ بكثير !!!! حاضر لا يحتمل تفاصيله ... لا يقوى على العيش فيه
وابتسمت .... أدركت المغزى من الفيلم على الرغم من انه بدا لها فى بادئ الأمر فيلماً ساذجاً ....
أدركت انه لا جدوى من العودة الى الماضى ،
لان قراراتها التى اتخذتها وربما بدت لها فى أحيان كثيرة ، قرارات خاطئة مضللة ، لم تكن حقاً قراراتها بقدر ما كانت تنفيذاً لأقدارها ... أقدار كتب عليها كغيرها من سائر البشر ان تراها بعينها وترضى بها رضاء تاماً كاملاً
وانها لو افترضت اليوم افتراضاً جنونياً، أنه بمقدورها العودة بالزمن الى الوراء وكان بامكانها تغيير قراراتها ، لربما انتهى بها الحال الى الاسوأ !!!!
فلترضى اذن بما قسم الله لها ... وتحمده حمداً جميلاً طيباً
فالخير فيما اختاره الله