رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أ.د مراد مبروك أستاذ النقد الأدبي والنظرية في حديث خاص( 1-2)

بوابة الجمهورية

أول من تحدث عنجيوبولتيكا النص الأدبي


- يتطور النقد بتطور الأمم؛ يضعف بضعفها ويقوى بقوتها،

- على الناقد أن يكون نزيها وحياديا ومطلعا ومواكبا لأحدث النظريات والمناهج،

- لا أفضل جنسا أدبيا على آخر والمعيار جودة العمل ورؤيته الإبداعية،

- النقد الأدبي في عالمنا العربي "عاجز" عن مواكبة الإبداع،

هل يمكن أن نختلف على أن أمة بلا ناقد بصير هي أمة تسير معصوبة العينين نحو المجهول؟! ؛ إن النقد الحقيقي بمفهومه الواسع الذي يشمل كل ما ينتجه العقل من فكر وأدب وإبداع هو قاطرة الوعي ومصفاة الأفكار ومرآة الجمال ورغم كوننا نعاني كأمة عربية تتكئ على تراث أدبي وحضاري عريض من أزمة حقيقية في هذا السياق بعد أن أفرغ مضمار النقد لاسيما النقد الأدبي من فرسانه الحقيقيين، فإن سماء المشهد الثقافي والأدبي العربي لا تخلو عتمتها من نجوم بارزة تهدي السائرين، ويأتي د. مراد عبد الرحمن مبروك مثالا لافتا على ذلك ، لأننا حين نتحدث عن النقد ونظرياته وأزماته والإبداع وطرائقه وإشكالياته فلابد لنا أن نتوقف كثيرا جدا أمام جهد وإخلاص ومنجز هذا الرجل الذي يعمل منذ سنوات بعيدة بلا صخب أو ضجيج كعادة الكبار إذ راح يضع حجرا فوق حجر بدقة وإحكام وصبر متناه ليقدم لنا كأمة منجزا علميا ونقديا باذخا يضم أكثر من خمسة وعشرين مؤلفا نقديا وعشرات الدراسات والأبحاث المحكّمة التي نشرت في دوريات ومجلات مختلفة عربية ودولية، فضلا عن مشاركاته في مؤتمرات وفعاليات كبرى في دول عدة وذلك منذ بدأ مدرسا مساعدا في كلية التربية بجامعتي قناة السويس والقاهرة إلى أن صار أستاذا للنقد الأدبي والنظرية بجامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية مرورا بتتويجه وتكريمه بالعديد من الجوائز الكبرى منها جائزة الدولة التشجيعية فرع الدراسات الأدبية عام 99 وجائزة شومان للعلماء العرب فرع العلوم الإنسانية عام 94 ،ويأتي ضمن مؤلفاته : كتبه ( النظرية النقدية/ 6 أجزاء ، مدخل إلى دراسة نظرية الأدب، علم النقد الأدبي ومعيارية الخطاب ، آليات السرد في الرواية العربية)، وفضلا كون مبروك مستشارا لنادي الجسرة الثقافي ، فقد شرفت الكثير من لجان ومؤتمرات ومؤسسات علمية وأكاديميات ثقافية هامة في الوطن العربي بكونه مستشارا ثقافيا لها ، بخلاف إشرافه طبعا كأستاذ دكتور على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات مصرية وعربية مثل جامعة قطر والطائف وأم القرى، و الحقيقة أنه لو أردنا تخصيص مساحة كافية للحديث عن مراد مبروك وسرد منجزه وجهده وسيرته الذاتية لضاعت علينا فرصة أن نقرأ له شخصيا إجاباته التي ننشرها على حلقتين والتي تلقيناها عن أسئلة حاولنا فيها الاشتباك مع واقع النقد الأدبي العربي.. فإلى نص الحوار،

(النقد الثقافي)

1- للنقد بمفهومه الواسع الذي يتجاوز حدود الأدب إلى كل ما ينتجه العقل الإنساني دور كبير في دفع الأمم إلى الأمام وانتخاب الأجمل والأصلح لها ، فالنقد قاطرة حقيقية والناقد دائما في المقدمة ( أو هكذا يجب أن يكون الحال)0 فهل تعتقد أننا في العالم العربي على وعي بذلك الدور وأن الناقد يقع في مكانته الطبيعية؟

سؤالكم هذا يثير عدة أطروحات أولها مدى تجاوز النقد الحدود التقليدية للأدب، وثانيها دور النقد في تقدم الأمم ، وثالثها مدى تقدير الدور الذي يقوم به الناقد عربيا. أما عن تجاوز النقد الحدود التقليدية للأدب فإن النقد الأدبي قطع شوطا كبيرا في التطور الى درجة كبيرة، فلقد تطور النقد الأدبي من مرحلة النقد السياقي، الى مرحلة النقد النصي ثم الى مرحلة النقد التأويلي والاتصال الأدبي، وأخيرا استقر النقد في العقود الأخيرة على ما يمكن أن نطلق عليه النقد المعرفي، من حيث النقد الثقافي ، ونقد ما بعد الحداثة، ونقد ما بعد الكولونيالية، والنقد النسوي، وكلها تيارات نقدية حديثة واكبت المتغيرات العصرية ، التي يعيشها النقد في الآونة الأخيرة، وقد يتجاوز النقد العالمي النقد المعرفي السائد في هذه الآونة الأخيرة إلى مرحلة نقدية أخرى وهي مرحلة النقد الرقمي – لو جاز لنا استخدام هذا التعبير - خاصة أن الأخير الرقمي ما يزال تتشكل إرهاصاته في الدرس النقدي العالمي ولما تتشكل ملامحه الكلية بعد.

ولعل أكثر الروافد النقدية المعرفية شيوعا في العقود الأخيرة هي النقد الثقافي ونقد ما بعد الكولونيالية ( ما بعد الاستعمارية ) ونقد ما بعد الحداثة ، ويتربع على عرش الدرس النقدي المعاصر النقد الثقافي بداية من نشأته في العقود الأخيرة في المدرسة الأمريكية لاسيما مدرسة الاستشراق التي يعد إدوارد سعيد أحد روادها ومن أبرز دارساته في مجال النقد الثقافي كتابه الاستشراق فقد تناول فيه الممارسات القمعية الثقافية التي يمارسها بعض المستشرقين على الثقافة الشرقية ، وكان بمثابة الإرهاصات التي شكلت اللبنات الأولى في النقد الثقافي . وكذلك الأمر بالنسبة للمدارس النقدية الغربية الأخرى سواء مدرسة برمنجهام أو مدرسة فرانكفورت أو غيرها من المدراس التي ساهمت في ازدهار النقد الثقافي، وأحدثت الدراسات الثقافية نقلة نوعية في محيط الدرس النقدي العالمي على الرغم من وجود بعض المآخذ عليه.

أما عن دور النقد في تقدم الأمم فيمكننا القول: إن النقد يتطور بتطور الأمم ويضعف بضعفها ويقوى بقوتها، والمتتبع لمسيرة تطور النقد العالمي يدرك هذه الحقيقة، ولا أبالغ حين القول إن العلاقة بين تطور وعي الشعوب والمجتمعات وتطور النقد الأدبي أو الثقافي علاقة طردية، فكلما تقدم الوعي الاجتماعي تقدم تبعا لذلك النقد والعكس صحيح. وقل لي: درجة تقدم النقد؟ أقل لك : درجة تقدم الوعي، فكلاهما مقياس ومؤشر للآخر، والشواهد على ذلك كثيرة.

2- بشكل خاص في عالم الأدب.. هل ترى أن النقد الأدبي في عالمنا العربي ولاسيما مصر يؤدي دوره المنتظر في فتح الطريق أمام القارئ غير المتخصص إلى مناطق الجمال والقبح في الأعمال الأدبية وأنه يعبد الطريق إلى قراءتها بشكل جيد ؟

للأسف أقولها بصدق النقد الأدبي في العالم العربي وفي مصر عاجز عن مواكبة المستجدات في الإبداع الأدبي الحديث أو المعاصر ، وما زال (النقد الشللي)- لو جاز لنا استخدام هذا التعبير- القائم على المصالح الضيقة والنفعية يفرض نفسه على الساحة النقدية العربية، الأمر الذي أفرز إبداعا هزيلا ومبدعين نفعيين انتهازيين يستندون إلى وسائل إعلامية عربية ضعيفة المستوى، وتكون أقرب إلى الاحتفاليات منها إلى النقد البناء، أو التشكيل الإبداعي الجيد، وليس أدل على ذلك من الجوائز المؤدلجة والبرامج الموجهة السائدة في الساحة العربية وقد حذرت من هذه المزالق منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي ونشرته في أكثر من وعاء ثقافي ، وللأسف بعد مرور حوالي ثلث قرن ما زالت المشكلة موجودة بل تتفاقم للأسوأ، مما يدل على أن الحياة الأدبية والثقافية لاسيما النقدية في انحدار متدرج .




(من الصوت إلى النص)

3- تتميز دراساتك وأبحاثك بالتنوع اللافت والتنقل بين ألوان الأدب والإبداع المختلفة والنظريات النقدية الجادة وبخاصة أنه توجد نظريات نقدية لكم يتم تدريسها في بعض الجامعات العربية وحصول الكثير من الباحثين العرب على رسائل ماجستير ودكتوراه فيها. فما سر ذلك التميز النوعي الذي يبدو أنه مقصود ويحدث وفق منهج ووجهة نظر محددة؟

نعم أصارحكم القول إن الدراسات الأولى التي بدأتها في مقتبل الحياة الجامعية، كانت علمية بحتة ولكنها لأسباب قد نذكرها في موضع آخر، تحول الاهتمام إلى الدراسات الثقافية والمعرفية ، وكان لابد أن تأخذ الدراسات الأدبية والثقافية – من وجهة نظري – أبعادا معيارية بدلا من الإنشائيات والتهويمات والأحكام الانطباعية غير الدقيقة. لذلك عكفت في بداية التسعينيات على وضع نظرية نقدية تبدأ بالصوت وتنتهي بالنص في دراسة العمل الأدبي والثقافي وتبلورت في دراستنا " من الصوت إلى النص نحو نسق منهجي لدراسة النص الأدبي" وطبعت عدة طبعات في مصر وخارجها وأخذ فيها عدة رسائل للماجستير والدكتوراه في بعض الجامعات العربية.

ثم جاءت نظريتنا النقدية الثانية عن جيوبولتيكا النص الأدبي ولعلها أول نظرية وظفت مصطلحا جغرافيا هو الجيوبولتيكا أو علم الجغرافية السياسية في دراسة النص الأدبي والثقافي، وعنيت بالربط بين تضاريس النص الأدبي والتضاريس الجغرافية.

ومنذ عقد ونصف تقريبا جاءت نظريتنا النقدية الثالثة عن نظرية الاتصال الأدبي وهي بمثابة تطوير لنظرية التلقي الألمانية وبدأت إرهاصات هذه النظرية عندما قدمنا فكرتها في ندوة النص الأدبي بجدة عام 2006. وأخذت فكرتها في التطور في مقالنا (نظرية الاتصال الأدبي في الخطاب النقدي دراسة في المفهوم) الذي نشر في مجلة "علامات في النقد “، العدد 77 سنة 2013 ) وعندما أخذت هذه النظرية في الشيوع والانتشار في الأوساط النقدية ومنحت فيها بعض رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات العربية فقمنا بترسيخ فكرة هذه المقال عربيا بإعادة نشره مع تطوير بعض أفكاره في مقال( الرؤية الإبستمولوجية لنظرية الاتصال الأدبي من التفسير إلى التأويل. مقاربة نقدية بينية.) بمجلة الخطاب المجلد 14، ع 1 وتوالى نشر المؤلفات والدراسات النقدية حول هذه النظرية، التي تأتي تتويجا لدراسة النص الأدبي والثقافي على أسس نقدية راسخة تبدأ بالمبدع والرؤية التكوينية مرورا بالخاصية النصية، ووسيلة الاتصال والقارئ واستراتيجية القراءة، ونهاية بالارتداد العكسي، معتمدين على الدراسات البينية والثقافية التي ساهمت في تطوير هذه النظرية.

(نزاهة الناقد)

4- من خلال مشوارك الثري مع النقد الأدبي وعطائك المتنوع وأبحاثك المتعددة التي طوفت فيها على شتى ألوان الأدب سواء الشعر أم القصة أو الرواية وغيرها .. ما الذي يجب أن يتوفر للناقد كي يترك أثرا ذا قيمة ؟

الناقد لابد أن يكون متمتعا بالنزاهة النقدية - لو جاز لنا استخدام هذا التعبير- وهو الذي يتفاعل مع النصوص الأدبية والثقافية تفاعلا حياديا بعيدا عن العلاقات الشخصية أو الأدلجة الموجهة، ولابد أن يكون على اطلاع واسع بمجال الجنس الأدبي الذي يعالجه ، وأن يكون مواكبا ومطلعا على أحدث النظريات والمناهج والتيارات والاتجاهات النقدية عربيا ودوليا. فضلا عن تمتعه بالذائقة النقدية الجمالية والثقافية والمعرفية.

5- دائما ما تتردد مقولة” أزمة نقد " للدلالة على غياب النقد الجاد والمتابعة المخلصة للإبداع ، وقد كتبت منذ سنوات طويلة بحثا بعنون " غياب النقد الأدبي في مواكبة الإبداع " فما تقييمك للمشهد الآن من هذه الزاوية؟

لعلنا لا نبالغ حين القول : إن النقد الأدبي والمعرفي بشتى أنواعه عاجز عجزا كبيرا عن مواكبة الإبداع العربي في الشعر والقصة والرواية والمسرح وغيرها من الأجناس الأدبية ، ويرجع هذا لأسباب ثقافية وفنية واجتماعية واقتصادية وغيرها ، فقد أصبح الناقد مهموما هما اقتصاديا ويتطلع للكتابات النقدية التي تحقق له نفعا ماديا أو مصلحيا، وهذا شائع بدرجة كبيرة في النقد العربي بعامة والخليجي بخاصة حيث يلجأ كثير من النقاد للكتابات النقدية عن أعمال ضعيفة أو متوسطة المستوى بغية تحقيق المصالح الضيقة كما ذكرت ، وهذا بدوره يؤدي إلى انزواء الأعمال الجيدة وظهور الأعمال الهزيلة على سطح الحياة النقدية، فضلا عن غياب النقد الجاد . يضاف إلى ذلك وجود سيل من الأعمال الإبداعية التي تصدرها المطابع ودور النشر يوميا في العالم العربي وبعضها جيد وأغلبها دون ذلك، ولا توجد لدينا مراكز أو مؤسسات أو مدراس نقدية متخصصة لمواكبة هذه الإبداع، وهنا تحدث الفجوة الكبيرة بين النقد والإبداع.

6- قدمت العديد من الأبحاث والدراسات النقدية حول أعمال إبداعية متنوعة ( شعر / قصة/ رواية / مسرح ) لكن ما اللون الأدبي الذي تشعر معه بالتماهي أكثر – إذا جاز التعبير- أم أن المعيار ليس النوع بقدر روعة العمل نفسه بصرف النظر عن نوعه؟

لقد قدمت العديد من الدراسات النقدية في مجالات نقد الشعر ونقد الرواية ونقد القصة القصيرة وفي نقد النظرية النقدية والأدبية وفي الأعمال الببليوجرافية الإبداعية في أكثر من خمسة وعشرين مؤلفا نقديا فضلا عن عشرات الدراسات النقدية المحكمة في دوريات دولية وأغلبها عني بالنقد التطبيقي ، لأنه النقد القادر على فض مغاليق النص الأدبي أو الثقافي وكشف أسراره ، فضلا عن كونه الكاشف لقدرات الناقد من حيث فهمه لكتاباته النقدية من عدمه، لأن كثيرا من النقاد يعتمدون على الترجمات الرديئة ولا يحسنون صياغة فقرة نقدية ذات معنى، بل يعجز أحيانا عن تفسير وفهم ما كتبه في مؤلفاته. والعبرة ليست بنوع الجنس الأدبي ولكن بماهية النص وطريقة معالجته وفنيته وحبكته ورؤيته الفكرية والإبداعية. لذلك لا أفضل جنسا أدبيا على آخر إلا من خلال الجودة الفنية والرؤية الإبداعية والفكرية الواعية التي يحملها النص الأدبي.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة