رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عبداللطيف البغدادي .. عالم عربي أول من وصف وعالج مرض السكري في التاريخ

بوابة الجمهورية

علماء مسلمون غيروا وجه العالم (24-30)

يذخر تاريخ الحضارة الإسلامية بأسماء المئات بل الألاف من العلماء الذين نجحوا في تغيير وجه الحياة بما قدموه للبشرية من اختراعات وابتكارات استفادت منها جميع العلوم والمعارف وبعضها لازال يستخدم حتى الآن. الجمهورية اونلاين ستستعرض طوال أيام شهر رمضان المبارك بعض الاختراعات والابتكارات التي قدمها علماء المسلمين فغيروا بها وجه الحياة على مر العصور.

عبداللطيف البغدادي .. عالم عربي موسوعي، برع في العديد من العلوم منها اللغة والفقه والحديث والطب وعلم الحيوان والرياضيات والرحلات، فكان أول من اكتشف مرض السكر وشخص اعراضه السريرية في التاريخ ووضع له نظاما علاجيا، وكان رحالة طاف بعدد كبير من دول العالم، وقدم للمكتبة العلمية اكثر من 173 مؤلفا، لم يصل الينا منها سوي 20 مؤلفا كاملاً

عاش في مصر فترة طويلة من الزمن وعمل في خدمة الناصر صلاح الدين الايوبي محرر بيت المقدس ووصفه، ووصف وفاته، كما خدمه ابنه وعاصر احداثا جسام منها احدى المجاعات الكبرى، كما عشق مصر واثارها وفنونها وأفرد لها واحدا من كتبه هو أشهرها وأهمها وهو كتاب (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر)، واهتم بالآثار الفرعونية وأعجب بها ووصفها وطالب بالحفاظ عليها لأنها دليل على حضارة الاقدمين.

نقترب أكثر من عالمنا الفذ

البطاقة الشخصية:

الاسم: عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي أبو محمد موفق الدين الموصلي البغدادي

تاريخ الميلاد: 557 هجرية الموافق 1161 ميلادية

محل الميلاد: في منطقة درب الفالوذج في بغداد

المهنة: طبيب وكيميائي وفلكي وفيلسوف ورحالة وعالم بالحديث والنبات والتشريح والنحو

الألقاب: الشيخ الإمام الفاضل - ابن اللباد - ابن النقطة

المؤلفات: 173 مؤلفًا في اللغة والفقه والطب وعلم الحيوان والرياضيات والرحلات.

محطات مهمة في حياته

نشأ أسرة من علماء الفقه والحديث درس علوم الحديث والقرآن والفقه الإسلامي مثل جميع اقرانه في هذا العصر، زار معظم البلاد العربية وبلاد الروم. وأجيز إجازات كثيرة في علوم شتى، ودرس الطب في دمشق وحلب، وأخذ الأدب عن علماء مصر ودرس كتب أرسطو، والتقى بالعديد من العلماء والقادة، وكان أشهر من التقي بهم الناصر صلاح الدين الأيوبي فوصفه قائلاً: (ملكًا عظيمًا يملأ العين روعة، والقلوب محبة، قريبًا بعيدًا، ‏سهلاً محبَّبًا، ‏وأصحابه يتشبَّهون به، ‏يَتسابَقون إلى المعروف).

وذكر البغدادي ان مجلس الناصر صلاح الدين كان يحفل دائما بأهل العلم، يتذاكَرون في أصناف العُلوم، وصلاح الدِّين يُحسن الاستِماع والمشارَكة، وكان مهتمًّا في بناء سور القدس وحفر خندقِه، يتولَّى ذلك بنفسه، وينقل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الناس، الفقراء والأغنياء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضِل. وشهد أيضا وفاة صلاح الدين في دمشق سنة 589 هجرية الموافق 1192 ميلادية وقال عن ذلك المشهد: (ما رأيت ملكًا حزن الناس بموته سواه؛ لأنه كان محبوبًا يحبُّه البَرُّ والفاجِر، والمسلم والكافر).

استقر بالقاهرة فترة، النيل. عاد إلى القاهرة بعد وفاة صلاح الدين بمدة وكلن له مجلس في الجامع الأزهر، يدرس للناس علوم الطب وبقي في مصر فترة مارس فيها تشريح الجثث البشرية أثناء المجاعة الناجمة من نقص مياه كما ألَّف خلالها كتاب: (الإفادة والاعتِبار في الأمور المشاهَدة والحوادث المعايَنة بمصر). وذكر فيه أشياء شاهَدها أو سمعها أو عايَنها، تذهل العقل، فتكلَّم عن المجاعة التي حدثت سنة 595 هجرية الموافق 1198 ميلادية وما بعدها.

كان البغدادي ذواق للفن، ويمتع بحس مرهف ظهر خلال اهتمامه بما رأى من الآثار والفنون في الأيام التي قضاها في مصر، ورأى ما فيها من الآثار والفن، وطالب بالحفاظ على الاثار المصرية ورعايتها لأنها خير شاهد على حضارة الأقدمين وعراقتهم في الرقى والتمدين، ووصف في كتابه المشهور (الإفادة والاعتبار) آثار الجيزة ومنف وبوصير، بأمانة ودقة متناهية حتى أنه كلف رجلًا كي يقيس له ارتفاع الهرم، وكان البغدادي يبدي اهتمامه الشديد لمعرفة طريقة نقل حجارة الأهرام وتركيبها، والمواد التي استخدمت في بنائها واللغة المكتوبة على الأهرام.

خالف البغدادي في الكتابة أساليب السجع والمحسنات البديعية فابتعد عن الطباق والمقابلة والجناس وهي الأساليب التي كانت سائدة قبله، فنجد ان أسلوبه في الكتابة كان بسيطًا موجزًا بعيدًا عن إهدار المعاني، وجمع بين التحصيل الوافر الدقيق لكلٍّ من العلوم المعروفة في عصره، وبين أصالة الفكر ودقَّة المنهج العلمي، والقدرة على النفوذ إلى جوهر المشكلات العلمية؛ لقد اشتهر باستقلاله في الرأي؛ فكان لا يأخذ بما سلَّم به علماء العرب والمسلمين من آراء علماء اليونان، بل اعتمد على الملاحظة العلمية الدقيقة والبرهان العلمي الواضح.

مؤلفاته:

نجح البغدادي خلال رحلة حياته الممتدة في وضع عشرات المؤلفات لدرجة ان الباحثين نسبوا إليه 173 عنوان لمؤلفاته في اللغة وعلوم الحديث والفقه والطب وعلم الحيوان والرياضيات والرحلات. لم يصل إلينا منها كاملا سوى عشرون مؤلفا. أشهرها كتاب (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر)، ومخطوطته في مكتبة البودليان في أكسفورد، وقد تُرجم إلى الألمانية عام 1790 ميلادية، وإلى الفرنسية عام 1810 ميلادية، وإلى الإنجليزية عام 1964 ميلادية.

وصف مصر:

عاش عبداللطيف البغدادي فترة طويلة في مصر وعاصر فيها احداث كثيرة وشاهد اثارها وتأثر بفنونها وتحدث عن كل ذلك في كتاب يعتبر من أشهر وأفضل ما قدمه وهو كتاب: (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر) وصف فيه مصر وقال: (إن أرض مصر من البلاد العجيبة الآثار، الغريبة الأخبار، وهي وادٍ يكتنفه جبلان شرقيّ وغربيّ، والشرقيّ أعظمهما يبتديان من أسوان ويتقاربان بأسنا حتى يكادا يتماسان، ثم ينفرجان قليلاً قليلاً، وكلّما امتدّا طولاً انفرجا عَرضاً، حتى إذا حاذيا الفسطاط كان بينهما مسافة يوم فما دونه، ثم يتباعدان أكثر من ذلك والنيلُ ينسابُ بينهما ويتشعَّب بأسافل الأرض وجميعُ شُعَبه تصبّ في البحر المالح).

إنجازاته

حقق عبد اللطيف البغدادي العديد من الإنجازات العلمية غير المسبوقة منها:

1 -- اكتشاف مرض السكر وتشخيص أعراضه السريرية وحصرها في استرسال البول وكثرته، والعطش الدائم، والهزال وجفاف البدن، وجعل علاجه في الحمية، والتغذية المقننة، والهدوء، وراحة البال والنفس.

2 -- أول من برهن على أن الفك السلفي هو قطعة واحدة، مخالفا رأي جالينوس ومن سبقه من الأطباء العرب، بعد إقدامه على تشريح الجثث، واثباته لرأيه بالمشاهدة والمعاينة المباشرة الحسية.

3 -- بحث في تصالب أصناف الحمضيات، لإنتاج أصناف جديدة بواسطة التطعيم.

قالوا عنه

1-- مؤرِّخ العلم الكبير "جورج سارتون" مدحه في كتابه "المدخل إلى تاريخ العلوم" وقال:

(أنَّه يمتاز عن غيره بأسلوبه السهل واضح الأفكار، فالبغدادي عالمٌ فذ، ومن أعظم الموهوبين في عصره، وقد أسهم مساهمةً ملحوظةً في جميع فروع المعرفة؛ إذ إنَّه من العلماء الذين لا يُؤمنون بالرواية المتناقلة؛ بل يميل تمامًا إلى المشاهدة والتجربة العلميَّة، لكي يصل إلى النتائج الصحيحة).

2-- المستشرق "ماكس مايرهوف" في "تراث الإسلام" قال:

(أنَّ البغدادي رحل من بغداد إلى القاهرة ليرى كبار العلماء وأرض مصر، كما وصف المجاعات والزلازل التي حدثت فيها، وقدَّم البغدادي معلومات نفيسة عن خواصِّ العظام بعد دراسةٍ لها في مقبرةٍ قديمةٍ تقع شمال غرب القاهرة، وراجع وصحَّح وصْفَ جالينوس لعظم الفكِّ الأسفل وعظم العجز).

3-- الزركلي قال في الأعلام:

(عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغدادي، موفَّق الدين، ويُعرف بابن اللبَّاد، وبابن نقطة: من فلاسفة الإسلام، وأحد العلماء المكثرين من التصنيف في الحكمة وعلم النفس والطب والتاريخ والبلدان والأدب، مولده ووفاته ببغداد، أقام مدَّةً بحلب، وزار مصر والقدس ودمشق وحران وبلاد الروم وملطية والحجاز وغيرها، وحظي عند الملوك والأمراء)

4-- ابن أبي أصيبعة في «عيون الأطباء» قال:

(هو الشيخ الإمام الفاضل موفق الدين أبو محمد عبداللطيف بن يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد ويعرف بابن اللباد، موصلي الأصل بغدادي المولد، كان مشهوراً بالعلوم، متحلياً بالفضائل، مليح العبارة، كثير التصنيف، وكان متميزاً في النحو واللغة العربية، عارفاً بعلم الكلام والطب)

5-- الدكتور بول غليونجي قال:

(عبد اللطيف البغدادي كان له فضل الريادة في معرفة داء السكري وإن كان الفضل في اكتشافه يرجع إلى علماء الصين؛ وذلك في القرن الثالث الميلادي عندما لاحظوا أنَّ حلاوة البول تجتذب الكلاب، ثم درس علماء الهند هذا الموضوع دراسةً دقيقةً في القرن السادس الميلادي، وسمُّوا المرض "بول العسل" لحلاوة هذا السائل ولزاجته، أمَّا علماء العرب والمسلمين فهم الذين عرَّفوا أعراضه ومنهم العلامة عبد اللطيف البغدادي، الذي قال: من أعراضه استرسال البول (كثرة البول)، العطش الشديد (نتيجة لكثرة البول)، ويعرض للبدن هزال وجفوف)

.

6-- عبد الكريم شحاته في مؤلَّفه عن البغدادي قال:

(أنَّ الأقدمين كانوا يجهلون أنَّ قصور البنكرياس في إفراز الأنسولين هو سبب السكر، وإن كان البغدادي تكلَّم عن معالجة السكر والأدوية المختلفة التي تنفع فيه، وعن التغذية والحمية، وينصح بوجوب الخلود إلى الراحة النفسيَّة بقدر الإمكان، هذا وإنَّا نرى البغدادي يُحلِّق في التسلسل المنطقي في تعريفه ووصفه للعلامات السريرية لداء السكري (Diabetes) اعتمادًا على الملاحظة العلميَّة الدقيقة على الرغم من عدم توفُّر المعلومات الكيمائية والحيوية والفيزيولوجية التي نملكها الآن).

7-- عبد الرزاق نوفل قال:

(إنَّ البغدادي يتلاقى مع أكبر علماء النبات في العصر الحديث بدقَّة وصفه وبراعة التعبير وحسن المشاهدة، ومع علماء الزراعة في تنظيم دورات الحقل، بما يُحقِّق أكبر إنتاج بخصوبة الأرض من جودة التوزيع والتنويع).

وفاته:

‏قرر عبداللطيف البغدادي قبيل وفاته أن يحج لبيت الله الحرام وعمل على ان يكون طريق ذهابه إلى مكة المكرمة عبر العراق التي غاب عنها 45 عاما، ولما وصل بغداد مَرِض فيها، وتوفِّي - رحمه الله - يوم الأحد 12 محرم 929 ‏هجرية الموافق 1231 ميلادية.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة