ابن الجزار .. طبيب عربي وضع تركيبات من 1000 عام لازالت معتمدة في دساتير الأدوية العصرية
علماء مسلمون غيروا وجه العالم (19-30)
يذخر تاريخ الحضارة الإسلامية بأسماء المئات بل الألاف من العلماء الذين نجحوا في تغيير وجه الحياة بما قدموه للبشرية من اختراعات وابتكارات استفادت منها جميع العلوم والمعارف وبعضها لازال يستخدم حتى الآن. الجمهورية اونلاين ستستعرض طوال أيام شهر رمضان المبارك بعض الاختراعات والابتكارات التي قدمها علماء المسلمين فغيروا بها وجه الحياة على مر العصور.أول من تخصص في طب الأطفال والمسنين والفقراء والمساكين وحارب قراصة البندقية في البحر
احمد بن الجزار .. طبيب عربي مسلم يعتبر وبحق رائدا لتخصصات طب الأطفال والمسنين والاقتصاد الصحي، فالف كتبا خاصة لعلاج الأطفال والمسنين، كما كان عالما موسوعيا وضع عشرات الكتب المتخصصة التي سرقها بعض الأوروبيين ونسبوها لأنفسهم، وحرص نايليون بونابرت ان يحمل أحد كتبه معه ليتداوى منه اثناء حملته على مصر.
كان ابن الجزار رغم عمله كطبيب لأمراء تونس الا انه كان بعيداً عن الشبهات ولم يخلد إلى اللذات، يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، ولا يأكل فيها، كما كان رفيقا رقيقا مع الفقراء يستقبلهم ويعالجهم ويعطيهم الادوية مجانا، ووضع كتب خاصة لمساعدة الأطباء على علاج الفقراء، وفوق كل ذلك كان مجاهدا يحرص على مرافقة مجاهدي البحر ليتصدى لسفن البنادقة والسفن البيزنطية في البحر المتوسط.
ونقترب من طبيب الفقراء والمساكين رائد طب الأطفال والمسنين لنتعرف عليه أكثر وأكثر
البطاقة الشخصية
الاسم: أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد، المعروف بابن الجزار القيرواني
تاريخ الميلاد: 285 هجرية / 898 ميلادية
محل الميلاد: القيروان في تونس
المهنة: طبيب ومؤرخ ومشارك في عدة علوم
الألقاب: طبيب الفقراء – رائد طب الأطفال - رائد طب المسنين - الفَيلسوف الباهِر وشَيخ الطبِّ
محطات مهمة في حياته
ولد احمد بن الجزار في مدينة القيروان بتونس لأسرة اصيلة اشتهر بعض أفرادها بممارسة الطب فأبوه إبراهيم كان طبيباً للعيون وتوفي عام 312هجرية الموافق 924 ميلادية، وكان عمه أبو بكر محمد مشهوراً بالطب الجراحي، وبتحضير بعض الأشكال الصيدلانية وتوفي عام 322 هجرية الموافق 933 ميلادية، فتعلم منهما ممارسة الطب وتتلمذ على الطبيب إسحاق بن سليمان اليهودي وأخذ منه كثيرة، وذكرها في مؤلفاته. كما استفاد من مراجع مهمة منها مؤلفات أبي يعقوب إسحاق بن عمران.
من أهل الحفظ، والدراسة والفهم للطب والفلسفة ورغم انه لم يغادر المغرب العربي أبدا (وكانت تسمى في ذلك الوقت افريقيا) إلا ان ذلك لم يمنعه من الحصول على ثمرات جهود علماء المشرق، المترجمة منها والمصنفة، كما كان واسع المعرفة بالمصادر الطبية والصيدلانية وسائر العلوم في عصره، وجمع في عمله بين مهنتي الطب والصيدلة، وأنشأ أول صيدلية في المغرب العربي وكانت عبارة عن سقيفة بجوار بيته خصص لها غلاما اسمه رشيق وأعدّ بين يديه بعض المعجونات والأشربة والأدوية، لكي يقوم بتحضير الوصفات التي يكتبها للمرضى، وذلك بعد أن يفحص قارورة (بول) كل واحد منهم، ليشخص مرضه.
وبلغت شهرة ابن الجزار الأندلس والحوض الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، فكان طلاب الأندلس يتوافدون إلى القيروان لتحصيل الطب من عنده. وترجم له كل من صاعد الأندلسي وابن أبي أصيبعة نقلت أعماله إلى جامعات ساليرنو ومونبيلييه. وعدل القوانين الطبية العامة وضبط أسماء النباتات بثلاث لغات هي العربية واليونانية والبربرية كما أنّه كان يؤكد على قاعدة ما زالت سارية المفعول وهي: "يتداوى كل عليل بأدوية أرضه لأن الطبيعة تفزع إلى أهلها".
كان ابن الجزار هادئاً يحضر الجنائز والأفراح لكن لا يأكل فيها. وكان له احترام كبير لنفسه وقيل أنه لم يعرف عنه زلة قط بين الناس، كما كان يتجنب حضور جلسات التسوية بين المتخاصمين لذا لم يكن يحضر المحاكم ولم يكن من أعضاء نظام الحكم بل كان يتخذ الفقهاء قدوة في ذلك العصر، وكان لا يمتنع عن خدمة أي مريض، غنياً كان أم فقيراً، وحرص على الاعتناء بالفقراء، رفيقاً بالضعفاء، ويبذل المال للفقراء والمساكين ويستقبلهم ويساعدهم ويوزع عليهم الأدوية مجانا، فقد كان من أسرة ثرية، بل وصل الامر به الى وضع كتاب خاص لمساعدتهم وهو كتاب (طب الفقراء والمساكين).
وتعرض ابن الجزار لحادثة كادت تودي بحياته وهي ان المنصور أمير تونس أصيب في احدى رحلاته بالمرض نتيجة البرد والثلوج، وفي طريق عودته أراد أن يدخل الحمام فنهاه طبيبه ابن سليمان عن ذلك لكنه لم يلتزم ودخل الحمام، فنتج عن ذلك فناء حرارته الغريزية وذهبت قدرته على النوم، فاشتد الالم على المنصور وطلب طبيباً آخر فأحضروا له ابن الجزار - و هو شاب في ذلك الوقت- الذي جمع له نباتات مخدرة ليشمها لينام، فجاءه ابن سليمان ليدخل عليه فقيل له انه نائم فقال: ان كان قد صنع له شيء لينام به فقد مات، فتفقدوه فإذا هو قد مات بالفعل، فهموا بقتل ابن الجزار الذي صنع له المنوم لكن الإسرائيلي دافع عنه بأنه فعل ما يفعله الأطباء وانما جهل أصل المرض وتشخيصه.
مؤلفاته
نال ابن الجزار شهرة تجاوزت حدود بلاده، وقام بتصنيف عدد كبير من المؤلفات، وأحصاها حسن حسني عبد الوهاب، فبلغ عددها (37) مؤلفاً، ثم أضاف إليها إبراهيم بن مراد ستة مؤلفات أخرى فصار عددها (43) كتاباً منها:
1--كتاب "زاد المسافر وقوت الحاضر" الذي ترجمه قسطنطين الإفريقي إلى اللغة اللاتينية ونسبه لنفسه باسم Viatieum لكن كشفه ترجمة الكتاب الأصلي الى لغات أخرى منها واليونانية والإيطالية وتناول فيه معالجة أمراض الكبد والكلى والجلد والحميات، واصفاً تركيب بعض الأدوية وكيفية استعمالها وحمله الإمبراطور نابليون بونابرت معه أثناء الحملة الفرنسية على مصر وتوجد منه نُسخ مخطوطة في باريس وألمانيا والهند
2-- كتاب «سياسة الصبيان وتدبيرهم» يتألف هذا الكتاب من (22) باباً، ومن ويتناول الأطفال منذ خُروجهم من أرحام أمهاتهم، وعن تغذيتهم، ونومهم وتنظيفهم وإِرضاعهم، وصفات اللبن وتركيبه، وعن المُرضِعات والحاضنات، وعن الأمراض التي تصيب الاطفال من الرأس حتى القدم، وعن تدبيرها وعِلاجها؛ وختمَ كتابَه في الكلام عن طبائع الاطفال وعاداتهم؛ ليتضمن كل شيء بما فيه الحالة الاجتماعية والنفسية.
3-- كتاب «طب الفقراء والمساكين» ويتألف من سبعين باباً، تكلَّم فيه ابن الجزار على الأدوية البسيطة المستعملة في علاج أمراض الرأس، الصدر، جهاز الهضم، جهاز البول، الرحم والولادة، أمراض الجلد، الكيّ.
كتاب (طب الفقراء والمساكين) وقال في مقدمته كتاب ((وإني لما رأيت كثيراً من أهل الفقر والمسكنة يعجزون أن ينالوا منافع الكتب التي ألفتها في حفظ الصحة وإبداء المرض .. رأيت أن أجمع لمحب الطب، علم العلل وأسبابها ودلائلها، وطرائق مداواتها بالأدوية التي يسهل وجودها بأخف مؤنة، وأسهل كلفة، ويسهل مع ذلك على الأطباء علاج العوام من الفقراء والمساكين)).
4--كتاب (طب المشايخ) وقال في مقدمته إنّه جمع في كتابه من «أقاويل الأوائل في حفظ المشايخ لتدوم لهم الصحّة إلى وقت آجالهم، صحّة تلائم أبدانهم ووصف فيه أدوية جرّبها وحمدها عندما بلغ سنّ الستّين – وهي سنّ بَدْء الشيخوخة في نظره – وقدّم للمسنّين جملة من النصائح للمحافظة على صحّتهم، جلّها مقتبس من كتاب له مفقود بعنوان: (العدّة لطول المدّة).
5-- الاعتماد في الأدوية المفردة تكلم فيه على العقاقير النباتية والحيوانية والمعدنية، وصنفه في أربع مقالات، بحسب درجات الأدوية الأربع، وبلغ عددها (278) دواءً، منها (45) من أصل معدني، و(219) من أصل نباتي، وما بقي من أصول مختلفة. وقد قام قسطنطين الإفريقي، في مدينة سالرنو بوضع موجز له تحت اسم مستعار Liber gradibus ثم نسبه لنفسه، لكن كشفه قيام قسطنطين السرقسطي بترجمة الكتاب كاملا باسم Liberfiduciae.
6-- زاد المسافر في علاج الأمراض
7--. في المعدة وأمراضها ومداواتها
8-- العدة لطول المدة
9-- رسالة في النفس وفي ذكر اختلاف الأوائل فيها
10-- رسالة في إبدال الأدوية
11-- كتاب في الفرق بين العلل التي تشتبه أسبابها وتختلف أعراضها
12-- رسالة في التحذر من إخراج الدم من غير حاجة دعت إلى إخراجه
13-- رسالة في الزكام وأسبابه وعلاجه
14-- رسالة في النوم واليقظة، مجربات في الطب
15-- مقالة في الجذام وأسبابه وعلاجه
16-- كتاب الخواص
17--كتاب نصائح الأبرار
18-- كتاب المختبرات
19--كتاب في نعت الأسباب المولدة للوباء في مصر وطريق الحيلة في دفع ذلك وعلاج ما يتخوف منه
20--رسالة إلى بعض إخوانه في الاستهانة بالموت
21--رسالة في المقعدة وأوجاعها
22--كتاب المكلل في الأدب
23--كتب البلغة في حفظ الصحة
24--مقالة في الحمامات
25--كتاب أخبار الدولة
26--كتاب الفصول في سائر العلوم والبلاغات
27-- البغية في الأدوية المركبة
إنجازاته
1--أول طبيب عربي متخصص في طب الأطفال
2--أول طبيب مصري متخصص في طب المسنين
3-- كان له فضل السبق في معرفة الاقتصاد الصحّي، من خلال التسهيل والتيسير قبل كل شيء
4-- أول من تكلم عن منعكس المصِ عند المولود
5-- العديد من المفردات المدرجة في كتابه مازالت معتمدة في دساتير الأدوية العصرية.
قالوا عنه
1--الذَّهبِي في كتاب سِيَر أَعلام النُّبَلاء:
(ابنُ الجزَّار الفَيلسوف الباهِر وشَيخ الطبِّ)
2--ابن أبي أصيبعة في كتابه طبقات الأطباء:
(ابن الجزار ولد في مدينة القيروان بتونس وكانت تونس تعرف قديماً باسم إفريقيا في العام (898م) وتوفي أغلب الآراء في الأندلس مقتولاً بالسم، وذلك في العام (980م) . .. وعرف عنه أنه كان أبياً عزيز النفس، لا على يتزلف لأحد السلاطين والأمراء، ولا يمتنع عن خدمة أي مريض، غنياً كان أم فقيراً، بل إنه كان رفيقاً بالضعفاء، ويبذل المال للفقراء والمساكين ويوزع عليهم الأدوية مجانا، إذ إنه كان من أسرة ثرية، وقيل إنه خلّف بعد مماته أربعة وعشرين ألف دينار)
3--ياقوت الحموي:
(كان له معروف كثير، وأدوية يفرقها على الفقراء والمعوزين دون مقابل).
وفاته
توفي ابن الجزار عن عمر أكثر من 80 عاما في عام 369 هجرية الموافق 980 ميلادية في تونس وقيل انه مات مقتولا بالسم دون ان يوضح أحد من قتله ولماذا؟ الا انه ترك لنا اثارا في الطب والدواء لازال العالم يستفيد منها حتى الآن.