الخازني .. عالم مسلم وصف الجاذبية الأرضية قبل نيوتن بعدة قرون
علماء مسلمون غيروا وجه العالم 15-30
يذخر تاريخ الحضارة الإسلامية بأسماء المئات بل الألاف من العلماء الذين نجحوا في تغيير وجه الحياة بما قدموه للبشرية من اختراعات وابتكارات استفادت منها جميع العلوم والمعارف وبعضها لازال يستخدم حتى الآن. "الجمهورية اونلاين" ستستعرض طوال أيام شهر رمضان المبارك بعض الاختراعات والابتكارات التي قدمها علماء المسلمين فغيروا بها وجه الحياة على مر العصور.عبد مملوك رفعه العلم فوق الجميع فأبدع في علوم الفيزياء والحركة وتوازن السوائل
ابتكر جهاز معرفة الثقل النوعي للمعادن والأحجار الكريمة وميزان وزن الأجسام في الماء والهواء
اتصف بالمروءة والزهد والحياء رفض عطايا سلطانية بألاف الدنانير وقال يكفيني 3 دنانير في العام
الخازني .. عالم مسلم .. لمع اسمه في سماء البحث العلمي في عدة مجالات وكان يتمتع بذكاء متقد وعبقرية فذة ومواهب عظيمة. كان اول من تحدث عن الجاذبية الأرضية وأن الأجسام يقل وزنها في الماء، وأبدع في علوم الفيزياء والحركة (الايدروستاتيكا وتوازن السوائل)، واخترع جهازاً لمعرفة الثقل النوعي لبعض السوائل، ووضع نسباً لها وكان الخطأ فيها لا يتجاوز 6% من الجرام في كل ألفين ومئتي جرام، كما قام بتعيين الأوزان النوعية لكثير من المعادن والمركبات، وأتى بما لم يأتِ به غيره من الذين سبقوه من علماء اليونان والعرب، خاصة ما جاء في كتابه "ميزان الحكمة" الذي يعد جزءً مهماً من منجزات الحضارة الإسلامية في الفيزياء.
وحظي الخازني بفرصة كبيرة للدراسة والتعلم رغم انه كان من العبيد، مما يؤكد مكانة العلم في الدولة الإسلامية، التي سمحت للعبد المملوك أن يصبح عالما بل من أول العلماء الذين طبقوا الطرق العلمية في إجراء التجارب على القوى الساكنة والقوى المتحركة، وبشكل خاص في حساب الوزن النوعي، واعتمد بناء النظرية على الموازين وقياس الوزن. لقد قام هو والعلماء المسلمين الذين سبقوه بتوحيد القوى الساكنة والقوى المتحركة في فرع واحد من العلوم، وهو علم ميكانيكا الحركة، كما قاموا بضم وتجميع قوى اتزان الموائع الساكنة مع القوى المتحركة ليؤدي بذلك إلى ولادة علم جديد يسمى: قوى اتزان الموائع المتحركة.
ونقترب أكثر من عالمنا الفذ الذي ابتكر ميزان وزن الأجسام في الهواء وفي الماء وسبق به الفيزيائي الإيطالي توريشللي (1647م)، وباسكال الرياضي الفرنسي(1664م) وبويل الكيميائي الإيرلندي (1691م) بهذا الابتكار ووزن الجسم في الهواء. لنتعرف عليه
البطاقة الشخصية
الاسم: عبد الرحمن الخازني المكنى بأبي الفتح
تاريخ الميلاد: غير معروف والثابت انه عاش ما بين عامي 509 -549 هجرية / 1115 – 1155 ميلادية
محل الميلاد: مدينة مرو الموجودة الآن في تركمانستان
المهنة: عالم فيزيائي وأحيائي وكيميائي ورياضي وفيلسوف
المؤلفات: كتاب «الآلات المخروطية» وهي آلات الرصد-كتاب «الفجر والشفق» - كتاب «جامع التواريخ»- «ميزان الحكمة» وهو من أهم كتبه، انتهى من تأليفه عام 516 هجرية/1122 ميلادية وكلها لها نسخ خطية في الهند ولينينجراد (بطرسبرج) وإسطنبول
محطات مهمة في حياته
عبدالرحمن، أو أبو الفتح، ويقال أبو المنصور الخازن أو الخازني نسبة إلى علي الخازن المروزي الذي عاش عنده في مدينة مرو شرقي خراسان ورغم انه كان عبدا مملوكا خدم في بلاط الأمراء الأتراك السلاجقة إلا ان سيده عامله طبقا للتعاليم الإسلامية فأعطاه أفضل تعليم ممكن في عدة مجالات، وتتلمذ على يد أشهر شاعر فارسي ورياضي وفلكي وفيلسوف هو عمر الخيام، والذي كان يقيم في مرو في ذلك الوقت، فنبغ وبلغ شأناً عظيماً في ميادين علوم الفيزياء والفلك والحركة وتوازن السوائل والميكانيكا والهندسة.
احترف الخازني الرياضيات كمهنة له بتشجيع ودعم من المحكمة السلجوقية، في عهد حكم السلطان أحمد سانجار. ورغم انه لم الينا الكثير عن حياته إلا تم بعض كتاب التراجم أكدوا انه كان متقشفًا، يلبَس لباس الزهاد. وقالوا عنه: "كان نقي الجيب عن الأطماع الخسيسة، بعث السلطان الأعظم سنجر إليه ألف دينار مكافأة مالية تقديرا لعلمه على يد الإمام شافع الطبيب فرده، وقال: لا أحتاج إليها، وبقي لي عشرة دنانير، ويكفيني كل سنة ثلاثة دنانير، وليس معي في تلك الدار إلا سنور"، وهو ما يعني أنه لم يكن للخازني زوجةٌ أو غيرها ليهتمَّ بها.
إنجازاته:
1—ابتكر جهاز معرفة الثقل النوعي لبعض الأحجار الكريمة والمعادن ووضع نسباً لها. ومعظمها تتقارب مع النسبة الحديثة وبعضها تتساوى معها
2-- ابتكر ميزان وزن الأجسام في الهواء وفي الماء سابقا الفيزيائي الإيطالي توريشللي (1647م)، وباسكال الرياضي الفرنسي(1664م) وبويل الكيميائي الإيرلندي (1691م) بهذا الابتكار ووزن الجسم في الهواء.
3--ابتكر جهاز معرفة الثقل النوعي لبعض السوائل، ووضع نسبها كان الخطأ فيها بالمقارنة مع الأرقام الحديثة لا يتجاوز (6%) من الجرام في كل 240 جرام.
4-- مهد بأبحاثه في اختراع ميزان الضغط (البارومتر) ومفرغات الهواء والمضخات وقال: «إن قاعدة أرخميدس (287ق.م-215ق.م) لا تسري على السوائل فحسب بل تسري على الغازات والأجسام الطافية في السوائل.
5-- بحث في مقاومة السوائل للحركة، فيقول في كتابه (ميزان الحكمة): «إذا تحرك جسم ثقيل في أجسام رطبة - سائلة - فإن حركته فيها تكون بحسب رطوبتها، فتكون حركته في الجسم الرطب أسرع أي أكثر سيولة".
6-- بحث في الجاذبية فيقول: (إن التثاقل واتجاه قواه إلى مركز الأرض دائماً) ثم أظهر العلاقة بين سرعة الجسم والمسافة التي يقطعها والزمن الذي يستغرقه قبل (جاليلو) بخمسة قرون.
7-- سجل الأوزان النوعية لخمسين مادة، ويشمل ذلك: الصخور المختلفة والمعادن والسوائل والأملاح والعنبر والصلصال. كانت دقة قياساته مطابقة للقياسات الحديثة وجديرة بالاحترام.
ميزان الحكمة:
يعد كتاب «ميزان الحكمة» من أهم كتب الخازني، وقد انتهى من تأليفه عام 516 هجرية/1122 ميلادية، وظل الكتاب مفقودا لعدة قرون حتى عثر قنصل روسيا في تبريز على نسخة منه، وقام بترجمة ونشر جزء منه في عام 1857 وتناولته أبحاث العلماء في أوروبا والولايات المتحدة، ونشرت بعض المجلات مقتطفات منه في علم الحركة والميكانيكا والتثاقل وتوازن السوائل، ويتضمن مقدمة وثماني فصول تشمل: قوى اتزان الموائع الساكنة، تركيبها واستخداماتها؛ وطوّر نظريات قوى الاحتكاك والموائع التي تكمن فيها، كما تم تطويرها من قبل سابقيه ومعارفه.
واحتوى الكتاب على أوصاف للآلات التي قام بتركيبها سابقيه من قبل، ويشمل القياس المتري بابوس، والدورق المكثف للبيروني (وهو نوع خاص من الأدوات المخبرية، يشبه دورقاً زجاجياً يحتوي بداخله على أنبوب يحبس السوائل بداخله بفعل تأثير ضغط الهواء الجوي)، كما شمل أيضاً على آلاته الخاصة باتزان الموائع والموازين المتخصصة والموازين القياسية (وهي التي تكون فيها نقطة الارتكاز بين ذراعين أحدهما أطول من الآخر والذراع الأطول هو الذي ينزلق عليه مراكز القوة).
وكان أنه أول من اقترح أن الجاذبية الأرضية لجسم يختلف باختلاف بعد المسافة عن مركز الأرض. في أول إحساس له لكلمة (الجاذبية الأرضية)، إلا أن المبدأ لم يتم الأخذ به بعين الاعتبار مرةً أخرى حتى جاء نيوتن بقانون الجذب العام في القرن الثامن عشر للميلاد. ولكن في ثاني إحساس له بالكلمة، تم الأخذ بالمبدأ بعين الاعتبار مرةً أخرى من قبل جوردانوس دي نيمور في القرن الثالث عشر للميلاد.
وبرهن على أن الجاذبية الأرضية لجسم تختلف باختلاف بعد المسافة عن مركز الأرض، وقال: «إن هناك قوة جاذبية على جميع جزيئات الجسم، وإن هذه القوة هي التي تبين صفة الأجسام». وقد كانت هذه المقولة ذات أثر كبير في عمليات التحليل الكيميائي. كما قال: "لكل جسم ثقيل معروف الوزن وموضوع على مسافة معينة من مركز العالم، فإن جاذبيته الأرضية تعتمد على تأثيره عن بعد من قبل مركز العالم. لهذا السبب، تعتمد الجاذبية الأرضية للأجسام على المسافات التي تبعد بها عن مركز العالم. حيث انه كلما ازداد بعد الجسم عن مركز العالم، أصبح أكثر ثقلاً؛ وكلما اقترب من مركز العالم، أصبح أخف ثقلاً".
قالوا عنه
اهتم علماء الغرب بالعالم المسلم أبو عبدالرحمن الخازني وبأبحاثه ودراساته
1— شيخ مؤرخي العلوم سارطون قال عن كتاب "ميزان الحكمة": "إنه من أجلِّ ما أنتجتْه القريحةُ في القرون الوسطى" -فماذا ترانا نتوقع لو عُثِر على كتب لا تحصى لعلماء مسلمين آخرين، ذكرها ابن النديم والقفطي وابن أبي أصيبعة، التي أفنى العلماءُ أعمارَهم في كتابتِها وتصنيفها؟
2-- الفيزيائي الألماني wiedeman، أخذ المبادرة، ونقل جزءًا كبيرًا من الكتاب إلى اللغة الألمانية، ونشر ما نقله في مجلات فيزيائية متخصصة، أشاد خلال ذلك بأعمال الخازني في قياس الأوزان النوعية لبعض المعادن والمركبات.
3-- ن. خانيكوف (المترجم الباكر والمعلق لعمل الخازني) تحدث عن الجاذبية الأرضية وقال: "ولكن أفكار الفلاسفة العرب بالنسبة لموضوع الجذب هو، في رأيي، أكثر جدارة بالملاحظة بكثير؛ أنا لن أسميها الجذب العام، ولكن لمحاولات مؤلفنا للشرح بالتفصيل سبب إعفاء الأجسام السماوية من تأثير هذه القوة، ولكن بسبب قوة الجذب الأرضي".
4--المستشرق الألماني (فيدمان 1852م-1928م) الذي أبرز أهمية الخازني في بحث له بعنوان (ميزان التبادل عند الخازن ونظرية التناسب بحسب البيروني). وترجم بعض أعماله ه ونشرها وعلق عليها ولاسيما في علم الطبيعة والحركة
5-- جريجوري تشونياديز في القرن الثالث عشر للميلاد قام بترجمة الزيج السانجاري إلى اللغة الإغريقية وأوصى بدراسته في الإمبراطورية البيزنطية.
6-- مصطفى نصيف أول باحث عربي يهتم بدراسة أعمال عبد الرحمن الخازن فدراسة إبداعاته وأبرز نظرياته في الميل والانحدار والاندفاع في الحركة، والتي لا تزال تدرس في بعض الجامعات العربية حتى اليوم.
7-- فؤاد جميعان الذي قام بطباعة ونشر كتاب "ميزان الحكمة" سنه 1947م: "أن الخازني أجاد في بحوث مراكزِ الأثقال، وفي شرح بعض الآلات البسيطة، وكيفية الانتفاع بها، وقد أحاط بدقائق المبادئ التي عليها يقوم اتِّزان الميزان والقبَّان، واستقرار الاتزان - إحاطةً مكَّنتْه من اختراع ميزان من نوع غريب لوزنِ الأجسام في الهواء والماء".
وفاته
توفي الخازني في سنة 549 هجرية / 1155 ميلادية على أرجح الأقوال بعد ان ترك للعالم ارثا كبيرا من المعرفة ساهم في تطور العلوم الإنسانية.