فتح خراسان
قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي رواه أبو هريرة : "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، ومعركتنا اليوم ذات أهمية خاصا حيث انها متوجهة إلى كسرى نفسه للقضاء عليه فى خراسان.
تقع خراسان في وسط الدولة الفارسية، وكانت ذات أهمية كبرى؛ لذا أفرد لها سيدنا عمر بن الخطاب جيشًا خاصًّا، والناظر في حروب الفرس يجد أن سيدنا عمر قسّم جيوش المسلمين إلى ثلاثة أقسام:
قسم خارج من الكوفة لفتح منطقة الشمال في الدولة الفارسية، وقد أتم هذا الجيش مهمته على أكمل وجه؛ فقد أتم فتح كل المنطقة الشمالية، وفتح جرجان وطبرستان في هذه المنطقة، ووصل إلى حدود مملكة الترك، بل دخل إلى بلاد الترك وذلك على يد عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، والقسم الثاني من الجيوش اتجه إلى جنوب فارس وأتم مهمته بنجاح، فقد تم فتح إقليم فارس ومكران وسجستان، أما القسم الثالث من الجيوش الإسلامية فكان قادمًا من البصرة إلى فتح خراسان في عمق البلاد الفارسية، وخراسان هي الحدود الشرقية لدولة فارس مع الصين، وبفتح خراسان يتم فتح الدولة الفارسية بكاملها.
وهناك في فتح خراسان أمر ذو أهمية قصوى، وهو اختفاء يزدجرد الثالث كسرى الفرس في مدينة "مرو الشَّاهِجَان" إحدى مدن إقليم خراسان الموجود في شرق إقليم الدولة الفارسية، فتوَجُّه الجيوش الإسلامية إلى يزدجرد وقتله أمر ضروري؛ لأن بقتله تسقط الدولة الفارسية ولا تقوم لها قائمة بعد ذلك، فهو الرأس الذي يدبر للدولة الفارسية، وبوجوده يلتف حوله الفرس ويدافعون عنه حماسةً للدولة الفارسية.
وعندما لمع نجم سيدنا الأحنف بن قيس اد سيدنا عمر بن الخطاب أن يختبره؛ فدعاه إلى المدينة، وأبقاه فيها عامًا كاملاً يعطيه أعمالاً ويراقبه فيها، وكانت نصيحة الأحنف بن قيس لسيدنا عمر بن الخطاب خلال هذه السنة بغزو بلاد فارس؛ فوافقه سيدنا عمر بن الخطاب على ذلك، وقال له: لقد سبقتني القول. وبدأ سيدنا عمر يرسل الجيوش لغزو بلاد فارس.
ولما توجه سيدنا الأحنف بن قيس إلى عمق البلاد الفارسية ليفتحها واجه في بادئ أمره مدينة "هَراة"، وهذه المدينة تقع في غرب أفغانستان، ففتحها سيدنا الأحنف بن قيس عَنْوة، وبعد الانتصار الذي حققه سيدنا الأحنف بن قيس في هراة بدأ بإرسال الجيوش من داخلها؛ فأرسل جيشًا لفتح مدينة سَرَخْس على رأسه الحارث بن حسان، ويرسل مطرف بن عبد الله إلى "نيسابور" وتقع سرخس ونيسابور في الشمال وتسقط المدينتان، ويتوجه الأحنف بن قيس بالقوة الرئيسية من هراة إلى "مرو الشاهجان" التي فيها يزدجرد، وعندما يعلم يزدجرد الثالث بقدوم جيش المسلمين، يترك في مرو الشاهجان كنزه الدفين الذي جمعه من المدائن وحلوان والرَّيِّ وغيرها، ويدفنه في مكان لا يعلمه أحد، ويتجه إلى "مَرْو الرُّوذ" وهي تقع على بعد مائتي كيلو متر من مرو الشاهجان على أقصى حدود الدولة الفارسية، فبعدها مباشرة تقع الصين، واستولى الأحنف بن قيس على مرو الشاهجان واستخلف عليها حاتم بن النعمان الباهلي، وتوجه بجيشه إلى مرو الروذ لمتابعة يزدجرد، وعلم يزدجرد أن جيش المسلمين يتابعه وقادم من مرو الشاهجان، فهرب إلى أقصى شمال الدولة الفارسية إلى مدينة بلخ، وهذه المدينة على بعد أربعمائة وخمسين كيلو مترًا من مرو الروذ وتقع في أوزبكستان.
ولما تقدم الأحنف بن قيس إلى بلخ ووجد جيش الفرس وفيه يزدجرد، كانت أول معركة يلتقي فيها المسلمون مع يزدجرد منذ بداية الفتح في بلاد فارس إلى هذه اللحظة.. ودارت المعركة وكان الفتح العظيم.