في شرف استقبال الشهر الكريم
بقلم د. عبد اللطيف سيد حسانين- من علماء الأزهر الشريف- وعضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر
شهر رمضان شهر مبارك ، وعلى المسلم العاقل أن يستغلّه في كل ما يقرِّبه إلى ربه من أعمال البر والخير، وأن ينتهي الإنسان عن كل الشرور والآثام .
أيها المؤمن .. أقبل يا عبد الله على كل خير في شهر رمضان ، واجتهد ، وسابق ، وسارع إلى فعل الحسنات طالباً ما عند الله من الثواب العظيم ، وليكن ذلك من أول ليلةٍ من رمضان ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ ) ، وفي روايةٍ : ( وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ أَمْسِكْ ) .
استجب يا عبد الله لهذا المنادي كلّ ليلة ، واجتهد في أن تقدم لآخرتك أعمالاً صالحةً ، فإنّ العمر قليل ، والرحيل من الدنيا قريب ، والله تعالى وحده اعلم هل تعيش إلى رمضان المقبل أم لا ، فشمِّر عن ساعد الجد في التقرب إلى الله - جل جلاله - بقراءة القرآن الكريم ، والتسبيح ، والتهليل ، والتكبير ، والدعاء والصدقات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم الناس الخير ، وإصلاح القلب واللسان والجوارح ، والانخراط في طلب العلم ، والدعوة إلى الله تعالى ، والسعي في نشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي تعليم القران الكريم وتعلُّمه ، وفي ما ينفع العباد ، قال صلى الله عليه وسلم: ( وخَيرُ النَّاسِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ ) . وليكن دخول شهر رمضان عليك بأن تقوم في هذا الشهر قومةً نشيطةً ، وتغيير حالك من الغفلة والإعراض إلى الإقبال والمنافسة في كل خير ، وطلب النجاة من عذاب الله ، وبذل الأسباب التي يدخل بها العبد الجنة ، وتُرفع بها درجته عند الله ، وينجو بها من النار ، ولتكن ممن أفاق من رقدته ، فسعى في حياة قلبه بذكر الله ، وشكره ، والتقرب إليه ، وطلب ما عنده من الأجر العظيم ، والنظر إلى الدنيا أنها ذائلة ﴿ وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور ﴾ ، ولتكن ممن يتقي الدنيا وغرورها ، ويطلب الآخرة ، وهي خيرٌ وأبقى ، قال صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ) .
4- وأنت في هذا الشهر الكريم ، عُدْ إلى نفسك فحاسبها قبل أن تُحاسب ، وتزيَّن للعرض الأكبر ، قال عمر رضي الله عنه: ( حاسبوا أنفسكم قبل تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل إن توزنوا فانه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر " يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية " ) .
رمضان شهر المسارعة إلى الخيرات ، فتُب إلى الله توبة صادقة ، قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ ، ولتكن توبتك خالصةً لوجه الله تعالى ، ومن جميع الذنوب ، وأقبل على الله خائفاً منه ، راجياً له ، محباً له ، عاملاً بأمره ، منتهياً عن نهيه ، قال صلى الله عليه وسلم: ( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) رواه ابن ماجه . بل إن الله تعالى يُبدِّل سيئات التائب حسنات ، قال تعالى : ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
أيها المسلم : ابتعد عن الشر ! وامسك عنه ، واحذر منه ! بل ابتعد عن الأماكن والمجالس التي فيها الشرور والذنوب ، قال صلى الله عليه وسلم: ( وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ )
وكذلك إذا ذهبت إلى السوق في رمضان أو غيره ، فخذ حاجتك ثم اخرج ، ولا تكن من أهل الصَّخَب في الأسواق ؛ لأنها شر البقاع ، قال صلى الله عليه وسلم: ( خَير البِّقاعِ المسَاجِد وشرُّ البقَاعِ الأسْوَاق ) وقال صلى الله عليه وسلم: ( وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ ) .
قالت عائشة رضي الله عنها ؛ عنه صلى الله عليه وسلم: ( لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ ) رواه الترمذي. واجتنب المجالس المحرمات ، والغيبة ، وكل سوء .