الميثاق الأخلاقي في رمضان
بقلم د. عادل المراغي - من علماء الأزهر الشريف
لقد جاءت العبادات في الإسلام لتهذيب الأخلاق وتنقية القلوب وسمو الأرواح ،وما من عبادة الا ولها هدف وغاية فالهدف من الصلاة السمو الروحي والرقي قال تعالي (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ )
والهدف من الحج تضمنته الآية الكريمة في سورة البقرة( فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)والهدف من الزكاة هو التطهير من الذنوب والمعاصي قال تعالي (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)والهدف من الصوم هو المراقبة والاحسان وهو أعلي المقامات قال تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الجانب الاخلاقي أخذ حيزا كبيرا لأن الهدف من الدين هو الجانب الأخلاقي ،فالناس لا يعرفون عقيدتك ولا شريعتك وانما يعرفونك من خلال أخلاقك وهذا الجانب هو القاسم المشترك بين كل الأديان السماوية وجاء النبي صلى الله عليه وسلم لاتمام هذا الصرح الاخلاقي
ومما يدل علي أهمية الاخلاق ان أحسن الناس أخلاقا اقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأولاهم بشفاعته والدين هوالخلق كما قال الفيروزبادي (الدين هو الخلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين) والأخلاق جاذبية لهداية الخلق لو طبقها المسلمين لانتشر الإسلام في كل شبر من أشبار الأرض كما انتشر في جنوب شرقي آسيا عن طريق اخلاق التجار والصوفية ،والاخلاق هي الجوهر التي يحكم بها علي صلاح الشخص وفسادهولكننا كثيرا مانخطئ حين نسيئ الظن ونسرع في حكمنا على الأشخاص قبل أن نختبرهم كما قال الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وسمى بالفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل وميز بينهما، ومن المواقف الجليلة للفاروق حين أتاه رجل وأراد أن يضمن أحد الرجال حين جاء شاهد يشهد عنده فقال له عمر: ائتِ بمن يعرِّفك؛ فجاء برجل، فقال له: هل تزكِّيه؟ هل عرفته؟ قال: نعم، فقال عمر: وكيف عرفته؟ هل جاورته المجاورة التي تعرف بها مدخله ومخرجه؟ قال: لا؛ قال عمر: هل عاملته بالدينار والدرهم اللذين تعرف بهما أمانة الرجال؟ قال: لا؛ فقال: هل سافرت معه السفر الذي يكشف عن أخلاق الرجال؟ قال: لا، فقال عمر بن الخطَّاب: فعلَّك رأيته في المسجد راكعاً ساجداً، فجئت تزكِّيه؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ فقال له عمر بن الخطاب: اذهب فأنت لا تعرفه، ويا رجل ائتني برجل يعرفك فهذا لا يعرفك!
فكم من حسنات نسفها سوء الخلق كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلأ قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ فلانةَ فذَكَرَ من كثرةِ صلاتِها وصدقتِها وصيامِها غيرَ أنَّها تُؤْذِي جيرانَها بلسانِها قال هيَ في النارِ قال يا رسولَ اللهِ فإنَّ فلانَةَ فذَكَرَ من قلَّةِ صيامِها وصلاتِها وأنَّها تصَّدَّقُ بالأثْوارِ من الأقِطِ ولا تُؤْذِي بلسانِها جيرانَها قال هي في الجنةِ)
ولأهمية الاخلاق فإن الانسان يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال ولكن هدمها بلسانه فكم شتم من أناس وكم اغتاب وكم كسر من خواطر وهذا هو المفلس صاحب الكيس المثقوب الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة": [أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ](رواه مسلم)
فإياك أن تنقض غزلك بعدما غزلته أو أن تكون مثقوب الكيس ،فرب صائم ليس له من صيامة الا الجوع والعطش