عزيزي القارئ، قد يتبادر إلى ذهنك لدى مطالعة عنوان المقال بعض التساؤلات من قبيل: ما العلاقة بين فيروس كورونا المستجد وبين تغيير نمط التفكير، وهل تتطلب مواجهة الفيروس والحد من انتشاره وصولاً إلى القضاء عليه نمطًا آخر من التفكير غير ذلك النمط السائد الآن بين قطاع عريض من المجتمع المصري، وهل اختفت الدعوة لتغيير نمط التفكير السائد في مصر لتعاود الظهور على خلفية أزمة كورونا الحالية، وهل ستؤتي الدعوات التي أُطلقت مؤخرًا لتغيير نمط التفكير ثمارها لنجد أنفسنا أمام مجتمع يفكر بشكل مختلف أكثر إيجابية وفاعلية؟ في السطور التالية محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات.
بدايةَ لن أسهب في الحديث عن فيروس كورونا من حيث بداية ظهوره ثم تفشيه في مختلف بلدان العالم والسيناريوهات المختلفة التي تم تداولها في هذا الصدد، فما أنشده عبر هذه السلسلة من المقالات، هو إلقاء الضوء على العلاقة القائمة بين نمط التفكير السائد لدى قطاع لا يستهان به من المصريين وبين كيفية التعاطي مع الأزمة التي تسبب فيها فيروس كورونا المستجد، لاسيما وأن الدولة المصرية بمختلف مؤسساتها وأجهزتها وقطاعاتها يُشهد لها بأنها أبلت ومازالت تبلى بلاءً حسناً في مواجهة تبعات أزمة كورونا، ومن ثم أصبح الرهان على وعي الشعب المصري ومدى استجابته والتزامه بالإجراءات الوقائية والاحترازية التي أقرتها الدولة لمواجهة كورونا، فالتصدي للفيروس والحد من انتشاره مرتهن بوعي المواطن المصري النابع في الأساس من نمط تفكيره ونظرته إلى الأمور وإدراكه للأبعاد المختلفة والتبعات المحتملة التي قد تكون كارثية تأتي على الأخضر واليابس جراء عدم النجاح في السيطرة على انتشار الفيروس وتحجيمه.
هنا ندلف إلى موضوعنا الأساسي، ألا وهو تغيير نمط التفكير المصري، ولنعد للوراء قليلاً، لنقف عند تلك الدعوة التي أطلقها رئيس جامعة القاهرة وأستاذ فلسفة الدين الدكتور محمد عثمان الخشت عندما خرج علينا مطالباً بضرورة تغيير نمط التفكير السائد بين قطاع عريض من المجتمع المصري؛ إيمانًا منه بأن تغيير نمط التفكير وإعمال العقل في مختلف الأمور والقضايا الإنسانية عن طريق الفحص والتدقيق والتحليل والتقييم قبل إصدار أية أحكام، هو الطريق الأمثل لحل غالبية المشكلات التي يعاني منها المجتمع المصري وتعزيز قدرته على التعاطي مع الأزمات والتغلب عليها بطريقة علمية منطقية سليمة لا مجال فيها للعواطف أو للفكر الخرافي أو الأسطوري وغير ذلك من أساليب التفكير غير الفعالة والتي تنطوي غالباً على المغالطات والتهوين أو التهويل في تعاطيها مع المشكلات والأزمات المختلفة.
ويمكن القول بأن الخشت كان سباقًا للجميع بدعوته هذه لتغيير نمط التفكير، وخاض ومازال يخوض معركة فكرية حامية الوطيس، سلاحه فيها العلم والعقل المفكر تفكيراً نقدياً، ذلك التفكير الذي يقوم على التأني وعدم التسرع في الحكم على قول أو خبر أو فكرة أو قضية أو دعوى أو نص سواء بالقبول أو الرفض أو بالنفي أو الإثبات إلا بعد فحص ودراسة متأنية لجميع جوانب الفكرة أو القضية ومدى انطباق معايير الوضوح والدقة والمنطق والشمولية وكذا الصدق والصحة والموثوقية علي هذه الفكرة أو تلك القضية.
وبالنظر إلى الوضع الراهن في مصر فيما يتعلق بفيروس كورونا المستجد، التي تشير المعطيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى تجاوزه حاجز الثلاثة آلاف إصابة وقت كتابة هذه السطور، سنجد أن السبب الرئيسي وراء تفشي الفيروس في مصر يعود إلى نمط التفكير السائد بين شرائح كبيرة من المجتمع، والذي يتجلى في الاستخفاف أو التهوين من خطورة الفيروس وعدم القدرة على استشراف المآلات الكارثية التي قد تنجم عن خروج الفيروس عن نطاق السيطرة لا قدر الله.
إن هذا النمط من التفكير الذي يتجسد في سلوك وتصرفات العديد من الأشخاص هذه الأيام، والذي سبق وأن تجلى أيضًا في تعاطيهم مع المعلومات والأخبار المتداولة حول فيروس الكورونا المستجد الذي ظهر في مطلع العام الحالي في ولاية ووهان بالصين، لهو أشد خطورة على المجتمع بل والدولة برمتها من أي أزمة مرت أو تمر بها طال مداها الزمني أو قصر، ذلك أن هذا النمط من التفكير يقوم على المغالطات والتسرع في إصدار الأحكام والتهوين أو التهويل وعدم الموضوعية والادعاءات الكاذبة والاستنتاجات غير المنطقية والآراء التي لا تستند إلى أدلة أو براهين تبررها وتدعمها، ومن ثم تكون المعرفة والنتائج المتمخضة عنه غير مبررة وغير صادقة مما يُنذر بالدخول دائرة مغلقة لا فكاك منها ويأجج المشكلات والأزمات ولا يقدم لها حلولاً آنية أو مستقبلية.
وحسنًا فعل الدكتور الخشت بتبنيه لهذه الدعوة التغييرية التي تستهدف تغيير نمط التفكير المصري بحيث يتحول العقل المصري من نمط التفكير الذي يعتمد على العمليات البسيطة مثل: الحفظ والفهم والملاحظة إلى نمط تفكير أخر أعلى وأكثر إيجابية وفاعلية يقوم على التحليل والتفسير والإبداع وحل المشكلات، ويميل إلى الشك وطرح مجموعة من التساؤلات الإيجابية الفعالية حول كل ما يتم التعرض إليه من أفكار وقضايا ونصوص وأخبار ورسائل مذاعة أو متلفزة، وكذا كل ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصولاً إلى معرفة صحيحة وموثوق بها تساعد على تكوين رأي وإصدار حكم سليم ومنطقي له ما يبرره.
وفي المقالات القادمة بإذن الله استكمال لطرحنا حول الكورونا وتغيير نمط التفكير المصري.
بقلم - د. سيد رشاد:
كلية الدراسات الإفريقية العليا - جامعة القاهرة
تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي