رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الحقيقة

بوابة الجمهورية

 بقلم المهندس عمرو البراشي


الحقيقة هي التصور الذي يشكله وعينا من خلال المعطيات المتاحة أمامنا ، فنحن لا نعلم أننا لا نعلم !
لذلك سترى في المجتمعات الغربية برغم التطور والتكنولوجيا إلا أن علماءهم يفصحون عن الحقيقة وكأنها ما زالت اكتشاف أو اعتقاد ، ما زالت تقبل التعديل والتطوير ، ما زالت تحت التقييم ، لا يحاربون المجددين ولا ينبذون المفكرين ، مع اختلاف ألوانهم ولغاتهم ، وعقائدهم ...

أما في مجتمعاتنا العربية فقد أورثنا وعيًا جمعيًا يكاد ينبذ الآخر ؛ لأنه لا يمتلك حقيقتنا المطلقة، الحقيقة أننا الأفضل والأحق والأجدر بكل شيء والآخرون ما هم إلا ديكور على هذا المسرح الكوني العظيم الذي خُلق لنا وحدنا، فكل مشكك في هذا الاعتقاد خائن، وكل ناقد له حاقد، وكل مُفكر خارج إطاره مُدعٍ، وكل ساعٍ لتجديد منطلقاته مُضلل ومبتدع.

يستطيع الغرب بكل بساطة أن يشعلوا بيننا نار الفتنة وقتما شاؤوا وكيفما أرادوا ، تحت شعار الحقيقة ، ستجد قلة تحدثك عن أي دين أحق أن يتبع ؟! أين الحقيقة ومن هو الضال ؟! بل حتى أصحاب الدين الواحد سوف ترى بينهما الشتات ، والتفرق بزعم كل فريق منهم أنه الأصوب والأصح .

أضف إلى ذلك تباين الآراء بين الزملاء في العمل وبين الأصدقاء على المقهى ، وبين الأزواج في البيوت ، الأمر الذي تغلغل حتى بين الأطفال في الشارع !

الحقيقة هي الكلمة التي احتكرها البعض لأنفسهم ، وكأنهم أخذوا ختمها من خالق الأكوان .

الحقيقة دائما ليست مطلقة ولاحتمية ، وإن كانت كذلك بالنسبة لك ، فهي ليست كذلك عند غيرك . في الوقت الذي لا تمتلك أنت تخوينه أو تجريمه أو الحكم عليه لمجرد انحيازه لطريق غير طريقك .

بل حتى العلوم الطبيعية والفيزياء الكونية ليس لها حقيقة حتمية..
إذا سألتك عن عدد ساعات اليوم : لا شك أن تقول 24 ساعة ، حتما ستختلف إجابتك إن كنت على كوكب عطارد .
إن سألتك عن درجة غليان الماء ، لاشك وأن تقول بكل ثقة 100 درجة مئوية ، ولكن الإجابة صحيحة فقط إذا كانت تحت ضغط الهواء الجوي !

الحقيقة لديك هي ما قاله لك والديك ـ وما سمعته من معلمك في المدرسة أو الجامعة ، وهي ما تناضل من أجل اثباتها حتى مماتك ، بدون أن تسأل حتى لماذا ؟ أو تحمل نفسك عناء التفكير والتدقيق !

اجعل لنفسك مساحة لسماع الطرف الآخر ، بل حاول أن تضع نفسك محله وتفكر من منظوره .
إن الحقيقة ليست دائما ما تظنها ، أو ما تراها ..

فإن كنت ترى الحقيقة ٧ ( سبعة ) فالمقابل لك يراها ٨ ( ثمانية ) ، وكلاكما على حق ؛ نظراً للزاوية التى يرى بها كلا منكما ، غير أن الكل حريص على الطعن والتشكيك في كلام الآخر .

الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ أو تخوين أو شجار ، وحتى إن كانت الحقيقة مختلفة وترى أنك على صواب ، فليس من شأنك أن تحكم على الآخر بالضلال أو الانحلال .

هذا وعيه وإدراكه فلا تلومه إن كان الله قد منّ عليك بفهم أكبر ووعي أعلى !

أنت لا تمتلك سوى النصيحة مصحوبة بابتسامة عريضة ، وصدقني قد تتفاجأ بعد فترة أنك كنت المخطئ !


No



تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة