نصف ميت..قصة قصيرة.
بين هذا وذاك هناك تعلقه بأهل بيته؛ فلا تمر الساعة حتى يحادث زوجته على الأقل مرتين يطمئن على أحوالها ويسألها عما فعلت في هذا الوقت.
لا أخفيكم علمًا فأنه من القلة التي تفعل ذلك في هذا الزمان؛ فالكثير منا لا يصدق متى يخرج من البيت حتى يرتاح ويستريح من كم الواجبات التي تنتظره.
مرت الأيام وبدأت علاقتي بزميلي سالم تأخذ شكل الصداقة ، كان يخبرني عن مدى تغير سلوكه في السنوات الأخيرة، وأنه كان رجلاً ذا مزاج سيئ ، ولسان بذيء ، ولكن الفضل لله ثم لزوجته التي لم تستسلم ولم تيأس، وساعدته على تجاوز كل هذا ، بل دفعته نحو تطوير نفسه وتحسين علاقاته مع الآخرين.
كان يتحدث وأنا أعاقب نفسي على كل تلك الظنون التي ظننتها به ، كيف كنت أفسر علاقته بزوجته على إنها خنوع و هوان . أصبحَ سالم في فترة وجيزة من أعز أصدقائي ، كنا نقضي الساعات والساعات في الحديث عن كل شيء وأي شيء ، حتى جاء اليوم المنتظر ، طلب مني سالم زيارته ، فرحت فرحًا شديدًا لأنني وأخيرًا سوف أزور سالم في جنته السعيدة ، مع سيدته الفاضلة التي حقق معها غاية المقاصد والمعالي المنشودة .
ذهبت وأنا كلي حماس ، وفي الطريق أخذت معي باقة ورد من الجوري الأحمر وعلبة حلوى فاخرة ، وعند وصولي طرقت الباب وتواريت قليلًا . ففتح لي سالم وكان كالعادة متأنق الملبس ، ولكن هذه المرة تفوح منه رائحة طبخ الطعام !!!
فقلت في نفسي :
لابد وأنه كان يساعد زوجته في الإعداد.
دخلت المنزل وكانت هنا بداية حكايتي مع سالم، هذا البيت لا يمكن أن يطلق عليه سوى البيت المهجور ، فهو منظم لدرجة أن يظن من يراه بأن لا أحدًا يسكنه منذ سنوات ، ورائحة الغبار تختلط برائحة الطعام ، أكاد أشعر بها قد غطت رئتي . نظر إليَّ عابسًا وقال ماذا بك ؟، قلت متلعثمًا أخاف أنني قد حضرت مبكرًا. تبسم قليلاً ثم قال :- لا بل حضرت في موعدك ، جلسنا وتبادلنا سوياً أطراف الحديث من هنا وهناك ، ثم أستأذن مني وتغيب لفترة قصيرة .
وبعدها دعاني إلى العشاء، جلست على طاولة الطعام وتناولت القليل منه ، ثم سألني ما رأيك في الطعام؟،
فقلت مجاملًا سلمت يدها ، أبلغها شكري وتقديري ، ثم أحضر لي الشاي وبعدها قررت الخروج على عجل من هذا المنزل الذي شعرت أنني أختنق به .
وبالفعل خرجت مسرعًا وركبت سيارتي وكنت أنوي أن أغلق صفحة سالم إلى الأبد !. ولكن الفضول كاد يقتلني، من هو سالم ؟ ماذا يخبئ ؟ ، لماذا يعيش في منزل يملؤه التراب وكأنه طيف إنسان أو بقايا شبح ؟!.
قررت أن أسال عنه في عمله السابق قبل أن ينتقل إلينا ، لعل أحدًا يخبرني قصته ، ولم أطق صبرًا حتى طلع النهار، بدأت اتصالاتي حتى عثرت على رقم رئيسه السابق ، وعندما سألته كانت الصاعقة !، سألني كيف حاله وماذا فعلت به الأيام ؟،.
لم أتمالك نفسي ؛ فقد جف حلقي ، تجمد الدم في عروقي ، وسألته : ماذا حدث له ؟!، قال لي : لقد توفيت زوجته في حادث سيارة منذ خمس سنوات ، وقد جن جنونه من وقتها ، واعتصم في منزله ولم يخرج منه لأشهر ، وبعدها طلب نقله إلى مكان آخر وكان له ما أراد . لم أتحمل سماع المزيد و أغلقت الخط.
ذلك الرجل فقط نصف حي ، كل حياته وأحلامه و ما يربطه بالحياة قد مات في ذلك اليوم ، فلم يعد يرغب بالعيش إلا معها وبها ، لم تكن زوجة عادية ، بل كانت نافذته للحياة ، والرابط بينهما متين ، فلم يتحمل البقاء وحيدًا وقرر الرحيل معها ، ولم تبقَ منه إلا أنفاس يصارع بها ما تبقى له من أيام بدونها، فالموت لا يأخذ إلا الأجساد فقط ، أما الأرواح تبقى معلقة إلى حين أن تلتقي .
دمتم ودام لكم من تحبون .
ملاحظة هامة؛ هذه القصة بنيت على أحداث حقيقية مع إختلاف الأسماء والأماكن .