بعد فوات الاوان
لم تتفق الأسباب، ولم يكن الوقت مناسبًا لوجودي، وعندما حانت اللحظة فقدت طاقتي وغلبني الحُزن حتى تملك من سائر أعضائي وجعل مؤشرها متوقفًا عند حدث مضى ويُعاد مشهده يوميًا في ذاكرتي التي باتت كذاكرة عجوز تخطى العقد الثامن ولا يتذكر أي شيء سوى الحكاية التي كانت تقصها عليه أمه قبل النوم عندما كان في السابعة.
أصبحت كل أحداثي بعد تلك اللحظة كأنها لم تحدث، كأن كل العالم في القرن الحادي والعشرين ويتقدم بسرعة تفوق سرعة الضوء في الثانية الواحدة وأنا بكامل عقلي وقلبي عالقة في زمن أخر لا استطيع الخلاص من قيودي التي تزداد قوة كل يوم، التي تجعلني في كل لحظة على وشك الجنون، أفقدتني حماسي تجاه كل شيء سواها، جعلت مجال بصري بأكمله يتجه نحوها وكل ما دونها لا يُرى، جعلت إيماني بها بكل الأدلة التي لا تقبل الشك أنها وحدها التي تستحوذ على روحي، وأن كل شيء غيرها لا يستحق المحاربة، حتى تيقنت أنه لا سواها بقلبي.
إنها علتي ودوائي، وقصيدتي المبتورة ولحنها الكامل، ودليلي الذي أضاعني، وشغف حبي وغضبي، وعناق الأحبة وفراقهم، إنها حُسني التي جعلتني دميمة بتنائيها، وطمأنينة قلبي وأماني وخشية فقدانها، ومصدر الخير حين ينقطع، هي انتظاري وانقطاعي، وآملي وسُبل يأسي،هي ذاتي والوطن الذي ما له من بديل.
لا يُكتب لي نجاة غير بردها إلى قلبي، عندما استظل برحمة الله أشعر بنسيمها يلفح وجهي برفق، وكأن رحمته تسع كلًا منا سويًا، وأن لهيب قلبي سيزوره البرد والسلام، في وقت ما ومكان أخر غير العالم في القرن الحادي والعشرين..آوتني إليها حتى استوطنت وآنست بها مجددًا.