الجانب المشرق من كورونا
الآن دعونا نذهب للجانب المشرق ،بالنسبة للآباء فتلك الفترة تعتبر كنز أسري ،علي الأقل سيراقبون أولادهم بعيداً عن أجواء الدراسة ،قد يكتشفوا خلال تلك الأيام مواهب أطفالهم ،تخيلوا أن تلك الفترة كفيلة بإدخال عادة جديدة للأطفال علي حياتهم ،كالقراءة مثلا ،خاصة وأن أغلب الأسر المصرية لا تهتم بتلك العادة الثمينة بحجة أن الأطفال يدرسون طوال الوقت ولا وقت لهم للقراءة ؛لكن بغض النظر عن خلق العادات الجديدة للأطفال ومراقبة تصرفاتهم ،هناك شيء مهم جدا نفتقده في أيامنا العادية المُحاصرة بين العمل والمدارس والنادي والسفر..الخ ،آلا وهو "الحوار" ،يجب أن نعترف أن ثقافة الحوار بين أفراد الأسرة منعدمة تماما في مجتمعنا المصري ،فإذا أردنا أن نجري اختبار عشوائي بين أفراد الأسرة و سألنهم عن ماذا يحب وماذا يكره كل فرد في الأسرة لوجدنا إجابات صادمة ،فلا أبن يعلم ما الأشياء التي تسعد والديه ،ولا أب يعلم فريق كرة القدم المفضل لأبنه ،لذلك بالنسبة للأسرة علينا الانتقال للجانب المشرق والسفر داخل المنزل لاستكشاف العوالم الخفية لآبائنا وأولادنا وأخواتنا .
أما بالنسبة للجانب المشرق الذي يجب أن تنتقل إليه الدولة وصناع القرار في مصر ،هو جانب التجربة الثمينة التي قادها إليهم القدر ،فأزمة كورونا لا يجب أن ينظروا إليها علي أنها وباء سيقضي علي الأخضر واليابس ،بل علي العكس ،عليهم أن يتقبلوا الأزمة بصدر رحب ويثقون أن الآية"أدخلوا مصر أن شاء الله أمنين" سوف تسري ليوم الدين، وأن الله سيحفظ مصر وشعبها ؛لكنهم لابد وأن يبتلوا بتلك الأزمة لتدريبهم علي مواجهة الأزمات ،ولتطوير مراكزهم المنتشرة داخل مصر والخاصة بــ" إدارة الأزمات" و ربما ستكون تلك الأزمة السبب في تقليل معدلات الجريمة والإرهاب ،بل قد تكون السبب في نهضة اقتصادية مقبلة ،ربما ستقولون أن ما أقوله مجرد تكهنات ؛لكن التاريخ أثبت بالتجربة أن بعد الأزمات والكوارث سيعود الرخاء بعدها مباشرة.
بالطبع لن نغفل عن الشباب ،ما هو جانبهم المشرق ،لا شك أن الشباب هم أكثر فئة تشعر بالاستياء من جلوسهم في البيت ؛لكنهم أكثر فئة محظوظة في تلك الفترة ،لأن وببساطة أخيرا سيجدون الوقت الكافي للتفكير ملياً في مستقبلهم وكيفية التخطيط له ،بل والأهم من ذلك لديهم الوقت الكافي لمعرفة أنفسهم واكتشاف الجوانب التي لم يكتشفوها حتى الآن في شخصيتهم ،و طبعا ذلك لم يكن متوفرا لديهم من قبل نظرا لتتابع الأيام وعام دراسي يلحق سابقه ،ثم مرحلة الجامعة ،والتي دخلوها مع الأسف بناء علي نتيجة التنسيق فحسب ،و حتى القلة المحظوظة منهم والذين حالفهم الحظ بدخول الكلية التي أرادوها منذ البداية ،جميعهم الآن لديهم متسع من الوقت لوضع حياتهم في نصابها الصحيح ،الآن فقط حان وقت اتخاذ القرارات لتغيير حياتهم للأبد .
في الختام لن ننسي أن تلك الأزمة ستجعلنا نستقبل شهر رمضان الكريم بطاقة روحانية مضاعفة ؛فتلك الأيام التي حُرمنا فيها من دخول المساجد من أجل تنفيذ القاعدة الفقهية الشهيرة"درء المفاسد مقدم علي طلب المصلحة"،و هذا الشوق لصلاة الجماعة وخطبة الجمعة سيزيد من تعلق قلوب المسلمين بالمساجد ،و لعل تلك الأزمة ستكون سبب في توبة الكثير من شباب المسلمين، و بنفس المنوال مع أخوانا المسيحيين ،كل ذلك سنتذكره بعد أقل من شهر وسنحمد الله علي تجاوز تلك الأزمة ؛ولكن الآن كل ما يجب علينا فعله هو التضرع إلي الله بالدعاء "اللهم أرفع عنا البلاء والوباء وبدل أحوالنا إلي أحسن حال"،وأن نتكاتف لحماية بلدنا ،فلا نكون سبب في أذية أنفسنا والآخرين ،ونمكث في البيت ،كُلاً مع جانبه المشرق.
بقلم - هبه مرجان: