الرسالات السماوية وتغيير الطباع السيئة
في حياتنا اليومية، نصطدم عشرات بل وربما مئات المرات بمواقف مرفوضة ممن حولنا، وأحيانا يصطدم غيرنا بمواقف لنا يرفضونها، فالحياة تفاعل بين ملايين البشر، الذين تربى كل منهم على مفاهيم عامة يشتركون فيها، ومفاهيم خاصة يتلقاها كل منهم من بيئته الصغيرة، ومفاهيم أخص –أشد خصوصية- يشكلها كل منا عبر تجاربه الحياتية، وطبيعته النفسية، بل وربما حسب تركيبه الفسيولوجي.
وإلى هذا الحد لا إشكال، لكن الذي يصدمني شخصيا هو تسليم الغالبية العظمى من البشر لهذه الخلافات التي تختلف من وقت لآخر في حدتها، واستسلامهم التام للطبائع والمفاهيم التي تتسبب في هذه الاختلافات، اعتقادا منهم أنه لا يمكن تغيير الوضع السيء عما هو عليه، وأن كل إنسان تم تشكيله نفسيا وسلوكيا يستحيل تماما إصلاحه.
وننسى في خضم حياتنا واختلافاتنا أن الأصل في الإنسان أنه قابل للإصلاح مهما كان فاسدا، بل أن كل إنسان ملزم بإصلاح نفسه وبإصلاح غيره مهما كانت درجة سوئه، وبهذا جاءت كل الرسالات السماوية، والفلسفات الإصلاحية، وهناك من يرى أن الأخلاق ثابتة في الإنسان لا تتغير، فهي غرائز فطر عليها، وطبائع جبل عليها، والذي يقول أن الطبيعة الإنسانية لا تقبل التغييرَ هو بذلك يحكم على كل رسالات الأنبياء وكل جهود المصلحين عبر العصور المتلاحقة بالعبثية.
ولعل مما يحدو بالقائلين باستحالة إصلاح الإنسان الفاسد تلك النزعة التشاؤمية التي سيطرت على بعض النظريات الاجتماعية والنفسية، والتي للأسف تؤدي -بعمد أو بغير عمد- إلى تكريس الوضع القائم.
النظرة التفاؤلية التي لا إفراط فيها لقدرات الإنسان الكمنة، والمبنية على الاعتراف بإجازاته، والإدراك الواعي في الوقت ذاته لنواحي ضعفه، هي شرط لا غنى عنه من أجل فعل اجتماعي يحول ما هو ممكن إلى واقع فعلي.
لكن من يسمح لنفسه بوقت للاطلاع على النظرة الإسلامية للإنسان، فسيجد الإسلام –وكذلك الرسالات السماوية من قبله- جعل الفرد هو مناط التكليف ومركزه، ومن ثم فلم يخلق الله الإنسان مَلَكا مجبولًا على الخير والاستقامة والطاعة، كما أنه لم يخلقه شيطانًا رجيمًا متمحِّضًا للشر والفساد، وإنما جعله إنسانًا قابلا للهدى والضلال والخير والشر ولإيمان والفجور، لذا فلا مكان في الإسلام للقول بأن الإنسان مجبرٌ على أفعالِه فيما يؤمر وينهى، بل هو مخيَّر في الأمر والنهي وليس مسيرا، فهو يختار إما طريق الخير وإما طريق الشر، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس: 9، 10)، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه".
لكن على من يسعى لإصلاح نفسه ولإصلاح المجتمع من حوله أن يدرك أن ارتفاع النفس ونضوجها لا يتكون فجأة، ولا يولد قوياً ناضجاً دونما سبب، بل يتكون على مكث وينضج على مراحل، وإن ترويض النفس على الكمال والخير وفطامها عن الضلال والشر يحتاج إلى طول رقابة، وكثرة حساب، وإن عمارة دارٍ جديدة على أنقاض دارٍ خربة لا يتم طفرة بارتجال واستعجال؛ فكيف ببناء النفس وإنشائها المنشأ السوي، وإذا كانت النفس الرديئة دائمة الإلحاح على صاحبها، تحاول العود بسلوكه بين الحين والحين، فلن يكفكف شرها أجل مؤقت، وإنما تحتاج إلى عاملٍ لا يقل قوة عنها، يعيد التوازن على عجلٍ إذا اختل، ألا وهو عامل المحاسبة.
وكذلك قال ابن حزم الأندلسي رحمه الله عن تجربته مع نفسه: "كانت فيَّ عيوب فلم أزل بالرياضة والاطلاع على مقالة الأنبياء صلوات الله عليهم، والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وآداب النفس، أعاني مداواتها حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بالأمور هو الإقرار بها -أي: الإقرار بالعيوب- ليتعظ بذلك متعظ يوماً إن شاء الله".
بقلم : محمد الطايع:
كاتب إسلامى