هالات سوده
بقلم: دينا أبو الوفا
كانت ليلة قارسة البرودة ، لذا التزم كل فرد من أفراد أسرتها بما فيهم هى ، بالاستلقاء فى فراشه وقد تدثر بكل الأغطية الممكنة ...
وكعادتها جلست الأم ممسكة بهاتفها ، تتجول بين الفيسبوك والواتساب للرد على رسائل صديقاتها ومعارفها التى غفلت عنها طوال اليوم ....
فقد أصابتها إنفلونزا شديدة لازمت بسببها الفراش ونامت على أثرها أغلب ساعات اليوم ، نوماً متقطعاً لم يثمر عنه راحة ولا شفاء ..
وبينما هى تتبادل أطراف الحديث مع إحدى صديقاتها ، اذ بابنتها الوسطى تبعث لها على الواتساب برسالة مختصرة من كلمة واحدة "مامى"
والتزمت بعدها الصمت .... لم تكتب شيئًا
ولأن لا أحد يحفظ أولادها عن ظهر قلب مثلها ، فقد فهمت على الفور ابنتها ...
حين تختار ابنتها ان تناديها وتلتزم الصمت بعدها ، فهناك بلا شك خطب ما وأمر يؤرقها ... فيأتي النداء ب "ماما" كإشارة فورية لطلب العون والمساعدة والمشورة ...
"نعم يا قلب ماما .... مالك "
"ممكن تشوفيلى حل فى الهالات السوده اللى تحت عينى"
"حاضر حبيبتى ... بس ايه اللى فكرك بيها دلوقتى ... ده احنا خلاص بننام ..."
"انا مش بنساها عشان افتكرها ... مخليه شكلى وحش "
لم تطل الأم الحديث هكذا ، بل انتفضت من فراشها واتجهت مسرعة نحو حجرة ابنتها .... تعرفها جيداً ...تعرف كم هى حساسة وكم ان دموعها قريبة ... أمور للأسف الشديد قد ورثتها عنها بجانب وراثتها للهالات السوداء ...
أدركت الام ان ابنتها فى أغلب الظن قد أوشكت على البكاء وتحتاج لعناقها فى تلك اللحظة
دخلت الأم ، وفى الظلام تحسست طريقها الى فراش ابنتها
"خدينى جنبك ، الجو تلج وانتى قومتينى من سريرى يا مجرمة وانا عيانه "
"اسفةً يا مامى ... " قالتها بصوت مختنق
ضمتها الأم الى صدرها ، واستندت بذقنها على رأس ابنتها ، حرصاً منها على الابتعاد بأنفاسها عن وجه ابنتها حتى لا تنقل اليها العدوى
"بس بطلى عبط ... اسفة ايه .. انا بهزر معاكى ... مالك حبيبة قلبى انا ... احكيلى "
استسلمت الابنة لأحضان أمها وراحت تحكى لها عن مشاعرها الدفينة وكيف انها ضاقت ذرعاً بهالاتها السوداء الواضحة أسفل عينيها ... وكيف ان تلك الهالات أفقدتها الثقة بنفسها كلياً ... وكيف انها كلما خلعت عن وجهها نظارتها الطبية بدت الهالات أوضح لكل من حولها ... مما يجعل الكثيرون يعلقون مرارًا وتكرارًا تعليقات تصل الى حد الاستهزاء والسخرية ... وصلت إلى حد ان أحد الأولاد قال لها بوقاحة بالغة "عنيكى عامله زى ما تكونى شاربة او محششة بالظبط "
ومع تلك العبارة سقطت دموع الابنة فى صمت ... صمت المنكسر الحزين المغلوب على أمره
صمت من لا يملك القدرة على الرد والمقاومة
صمت اليائس البائس ...
صمت تدركه الام جيدًا ، فكثيرًا ما التزمت هى الاخرى به فى أحلك المواقف والظروف
"انا عارفه يا مامى انى اللى بقوله ممكن يكون تافه بالنسبالك .... وتحسى انى قومتك من سريرك على حاجة متستاهلش .... بس انا بجد زعلانه"
وانهالت الدموع أكثر وأكثر من عينيها
احتضنتها الام بقوة ، كادت بها تعتصرها
"أولاً اى حاجة تخصك أو تخص أخواتك عمرها ما هتبقى تافهه بالنسبالى ... هتفضلوا انتوا ومشاكلكم اهم حاجة فى حياتى وليها اولوية حتى لو كانت صغيره وبسيطة ...
ثانياً معنديش اغلى منك أقوم له من السرير حتى وانا تعبانه " وضحكت ضحكة حاولت ان تغير بها مزاج ابنتها وتجذبها نحو أجواء أقل توتراً وشحنة
"أما ثالثًا وده الأهم بقى ان الموقف ده هيعلمك درس مهم اًوى فى حياتك ... كل ما تتعلميه بدرى وتطبقيه هيكون احسن ليكى "
راحت الأم تشرح لها هذا الدرس ، بداية من حقيقة أن الكمال لله وحده ولو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يخلقنا كاملين بلا هفوة لفعل وكان الأمر عليه يسير ولكنه ربما اختار لنا نحن البشر الافتقار الى الكمال حتى نمجد ونقدس الكمال فيه ، ونتعلم ان نرضى بما قسمه لنا ونحمده ونشكره فى جميع الأحوال ... فالشكر عند اكتمال المراد اسهل بكثير من الشكر عند إنتقاصه
وراحت تحفزها ان تحمد الله على ان الأمر يقتصر عندها على بعض الهالات السوداء التى يمكن علاجها والتخفيف من مظهرها بسهولة شديدة ...
أما من ابتلاهم الله بذراع أو ساق مبتورة أو أصابع مفقودة أو تشوه خلقى فى الوجه ، كيف يتصرفون !؟ ماذا يفعلون حينها .... ناهيك عن الأمراض الوراثية المستعصية التى قد يولدون بها ولا مفر منها ولا علاج لها ...
"مش يبقى شكر ربنا واجب ولا ايه رأيك !! "
"عندك حق انا عارفه ... بس ليه طيب يضايقونى كده"
"يمكن يكونوا بيهزروا معاكى ، مش اكتر "
"لا مش هزار ... انا عارفه الفرق بين الجد والهزار"
حينها استطردت الأم حديثها الطويل بنقطة أخرى هامة موضحة ، انه على مدار أيام عمرنا سوف نحاط دائماً وأبداً ببعض البشر من أصحاب النفوس المريضة الذين يخفقون فى رؤية كل جميل في كل ما يحيط بهم ولا ترى أعينهم سوى كل نقص ....
هؤلاء فى أغلب الظن لا يرون فى أنفسهم أى جميل ، فكيف يرون الجمال فى من حولهم !؟
يحملون بداخلهم من الضغينة والسواد ما يكفى العالم أكمل ، ليسيروا بين الناس ينشرونه
"حبيبتى كل إناء بما فيه ينضح ... خليكى فاكره الجملة دى كويس ... اللى جواه خير هينشر الخير واللى جواه شر هينشر الشر ... اللى الحب ماليه هيوزعه واللى ماليه الشر برضه هيوزعه ...
لو أنهم أسوياء بقلوب بيضاء وأرواح صافية لكانوا رأوا فيكى كل ما تمتازين به ... شعرك البنى الطويل اللى مختلفش عليه اتنين ، لون بشرتك الخمرى اللى الناس بتتمناه ، طول قامتك اللى مخليكى زى الموديل وانتى ماشيه ... كانوا شافوا قد ايه ابتسامتك جذابة وتسحر ... كانوا شافوا رقتك وطيبة قلبك وروحك الحلوة "
راحت تشرح لها ان من لا يرون الجمال ، أولى بالشفقة تجاههم لا بالغضب منهم ...
ويجوز انهم يرونه رأى العين ولكن الغيرة والحقد قد تدفعهم دفعاً إلى انكاره، ولا يملكون حينها سوى القيام بمحاولات ساذجة للتقليل من قيمة كل عزيز وغال
هذا النوع من البشر هم الهالات السوداء على وجه الارض ، التى يجب التخلص منها ليصير العالم أجمل وأبهى
وجب علينا المقاومة والصمود ، وجب علينا التحلي بالشجاعة والثقة بالنفس والتصدي وبقوة لكل التعليقات السلبية التى قد نتلقاها فى شتى الامور ، على مدار سنوات عمرنا لأنه أمر لن نستطيع تفاديه مهما حاولنا ....
ختمت الام حديثها بنصيحة أخيرة " تبسمك فًى وجه حاقدك تشعل النيران فيه ، وغضبك يبردها فلا تبردى ناره واتركيه يحترق ... فالنار تأكل بعضها ان لم تجد ما تأكله"
"مامى انا بحبك اًوى اًوى ، ربنا يخليكى ليا
"وانا بحبك اكتر يا روح ماما .. ربنا يحفظك ليا قمر منور دنيتى ... "
تركت الام ابنتها كى تنام بعد ان طبعت قبلة طويلة على جبهتها ...
تركتها لانها هى أيضاً فى أمس الحاجة الى الراحة ... فقد كانت مجهدة صحيًا ونفسيًا لكنها اعتادت الا تبوح ، الا تظهر امام اولادها الا قوية صلبة
فالأم ستظل الى أبد الدهر طوق نجاة لصغارها
حتى وان كانت فى أحزانها غارقة.