رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مفارقة النمط في نصوص من قلب الواقع

بوابة الجمهورية

دراسة نقدية بقلم: سمير الفيل

تقديم نقدي لمجموعة دعاء البطراوي القصصية " لم تعد كما كانت "

كتابة نص قصصي يحتاج إلى رؤية ، وترتيب الأولويات ، واختيار الشخصيات ، وبحث في الزمان والمكان ثم اختيار لغة مناسبة يوصل بها الكاتب فكرته.


لذا فليس القص هو الحكاية ، وإن تضمنها أحيانا ، وكل قصة متماسكة نقبض عبر تتبعها على صراع قد يكون خارجيا أو مع الداخل نفسه.


هذه مقدمة لابد منها في معالجتنا لمجموعة " لم تعد كما كانت " للقاصة دعاء عبدالسلام البطراوي في أول مجموعة قصصية لها ،المجموعة صدرت عن مشروع النشر الإقليمي ،إقليم شرق الدلتا ، سنة 2019.

والكاتبة تعيش في مسقط رأسها دمياط. تقع المجموعة في 54 صفحة ، وتتضمن 14 قصة. أما المعلومات الإضافية فهي أن الكاتبة حاصلة على ليسانس آداب وتربية ، قسم اللغة الفرنسية.


هذه المعلومات وغيرها تكون مهمة للناقد في تعامله مع النصوص لأنها تلقي ضوء كاشفا عن البعد الثقافي للكاتب. ماذا عن المجموعة التي كانت عتبتها الأولى كالتالي: " إلى نفسي القديمة التي غادرتني ، إلى ملامحي بالمرآة التي لم أعد أعرفها ، إلى قلبي المعبأ الذي تحمل الكثير .. ولا يزال" ؟


تلك العتبة تشير إلى الحيرة التي تلم بالكاتبة ، وهي تتهيأ لبسط نصوصها التي تتميز بالرشاقة والبساطة مع وجود تيار أنثوي لا يمكن أن يمر مرور الكرام.


هناك ثلاث مقدمات ، واحدة لأبي الحيان التوحيدي ، والثانية لعباس محمود العقاد، والثالثة لفرانس كافكا. وفي رأيي أن عبارة كافكا هي الأكثر لياقة بتلك الكتابة الصادمة والجارحة : " الكتابة انفتاح جرح ما ".


في قصة " مواجهة" صراع مع النفس قدمته الكاتبة بحرفية ، فالبطلة تصارع ندا لها ، غير أنها تكتشف أن هذا الند هو ذاتها المهزومة والمنكسرة .


في قصة " حذاء نظيف " فتاة على علاقة ما برئيس التحرير في صحيفة ، تجد نفسها في حالة انقسام ، الجميع يتحدث عنها من خلف ظهرها ، ماعدا عم أمين . استخدام المعادل الموضوعي في النص ( الحذاء) كان موفقا والوحل قد علق به . نص متماسك ، والخطاب يصلنا بسهولة : المرء حين يخطئ ، يكون هو اول شخص يرى ذلك ، وإن اخفاه .



في قصة " شعرة وحيدة بيضاء" تكتشف الزوجة شعرة بيضاء ، والجميل في النص هو التكثيف والاقتصاد اللغوي والدلالة الناصعة.
الخطاب يتمثل في خوف المرأة من تقدم العمر . الصراع ثنائي بين المرأة والمرآة، والمرأة والشعرة البيضاء. الزمن يلعب لعبته ويمارس ضغوطه على الجميع وربما كانت المرأة بطبيعتها هي أقرب للإحساس بمطاردة الزمن.



في قصة " سجن" تشعر الزوجة بأسوار السجن ، تحاول اختراق الحصار، فيما السجان يناورها ، ثم توظيف تقنية" الفلاش باك" حيث العريس العائد من بلد النفط ثم النهاية الصادمة ؛ فالزوج يسأل :" الأكل جاهز ؟!".


أيضا الترميز والإحكام في تصوير عربة الترحيلات ، والخطاب المرسل هنا هو أن الحياة مع زوج متحجر القلب سجن للروح.

في قصة " كان هنا " ، خناقة زوجية معتادة ، يحمل الزوج ملابسه في حقيبة ويغادر ، تتصل به دون جدوى تعلم بترقيتها لكنها لا تفرح .

تذهب للمطعم ، تجد أنه يأتي يطلب طبقه المعتاد ، تسرع كي تعدل ملابسها وتعود فتكتشف اختفائه . كان وهما لأن الجرسون جاء بطبق واحد . والخطاب هنا : كثيرا ما نتصرف ضد إرادتنا فيما تكشف الأيام ضعفنا . وهناك درجة عاطفية عالية ، مطلوب التخفف منها.



من العناوين الذكية عند الكاتبة " خلف الباب الموصد" العنوان ذكي ولماح، وهي قصة جيدة لكونها تشمل درجة عالية من الصراع بين المرأة والزوج ، الخمورجي / الحشاش . تصور " الحارس" الخشبي ثم موته وعيناه شاخصتان للفراغ. ربما مشهد يلخص مصيره . كادت القصة تتلف بنقل حالة الفجيعة على الزوج من قبل الزوجة السجينة لكنها تعيد الانضباط للمادة السردية حين تفتح الباب على مصراعيه لتتنفس هواء طازجا . هذه القصة مكتوبة بعناية.

تعالج القاصة قضية التحرش الجنسي من خلال قصة " خربشات" بحرفية ودون افتعال، فسلمى ، طالبة الجامعة تتعرض لممارسة شريرة من عمو " سلطان" إنها تنشب مخالبها ( أظفارها ) في ذراعه. وتركت مكان الخربشة علامة. تعود للبيت والصراع ما زال دائرا في عقلها ثم تحسمه رؤية خربشات على ذراع الأب.


وهذا المسار السردي فيه تكلف ، فلكي تعمق من درجة شعورنا بالمأساة كان عليها أن تتفرغ لمعالجة قضيتها الشخصية لكن بدخول الأب دائرة الشك والاشتباه تقلل من الإحساس العارم بالصدمة . بتلك النهاية تحول الموضوع الجدي إلى مجرد" مزحة" وبالتالي فقد النص تأثيره ، وهو ما يجعلنا ننتبه إلى نوع من " الكاريكاتور التصويري" الذي يمكن أن نتعامل معه بحرص .



ميزة قصة" كمثراة" ، أنها تحمل روحا مرحة ، رغم أن الحدث نفسه حزين، فالرجل فقد زوجته ، تزوج من أخرى ، تحاول الزوجة الجديدة ترميم علاقتها به. إلا أنه يبتعد عنها ، المعادل الموضوعي هنا مصنوع بمهارة ؛ إذ أن النص يوضح أن جسد الزوجة يشبه ثمرة الكمثرى ، حين يهم بقضمها تختطفها الابنة ، مما يمنح النص دلالات ثرية . هذا نص مفتوح ، ويستجيب لمجموعة من الدوال ، كل منها يعطي توجها مختلفا .

في قصة " بعثرة روح" واقترح عنوانا أكثر دقة هو " السقوط" القضية حساسة وتتعلق بشخصية " آدم" الذي تعرض لانتهاك جسدي في طفولته ، بفعل ضرب الأب له بالعصا . تتركه حبيبته وتلقي له بخطاباته . هناك نقلة. عند الشباك تترنح حمامة ولكي يخيفها أو ربما للانتقام من العالم كله ، يرغب في خنقها . تطير من بين يديه ويسقط هو من الشباك . الخطاب : الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون.
ولاشك ان معالجة قضايا مثل التحرش الجنسي وانتهاك الطفولة والرغبات البدائية الشريرة مهمة في عملية الرصد ولكن علينا الحذر والاحتراس حتى يصل الخطاب بلا خسائر جانبية.

قصة" مكياج" مصنوعة بإتقان، لحظة الطلاق صعبة على كل امرأة ، لكن المرأة تجملت وضعت البودرة والكحل ولبست في قدميها حذاء عاليا . وقعت اجراءات الطلاق بهدوء فعادت إلى طبيعتها , خلعت الحذاء ذي الكعب العالي ومع بكائها تشوه المكياج. لحظة سرد صادقة فالكاتبة حساسة وأمينة في رصد المشاعر . الخطاب الذي ينقله النص: كثيرا ما نقسو على أنفسنا من أجل لحظات نشعر فيها باستعادة الكرامة . أنا مع هذه المرأة القوية رغم دموعها الوقتية.



في قصة " الظل" هناك الأسرة التي تريد إجبار " علياء " على الزواج من شاب "لقطة" جاهز ، قادم من دولة عربية، في إجازة. رغم الحفل والمراسم لا ترتاح إليه ، بلمسة ساخرة تقول لأمها : " انظري يا أمي ، هو ليس له ظل!" . العبارة ساحرة ، والجميل في فنون الكتابة أننا نعثر على " جواهر" و" ماسات" وسط صخب العالم: في الفكرة، في بنية الشخصيات ، أما في اللغة.. الخطاب قد يبدو تقليديا لكن لابد من تدشينه: كل شيء بالحيلة والقوة إلا الزواج بالقبول والتراضي.



قلنا إن الكاتبة كثيرا ما تلجأ لتقنية " المعادل الموضوعي " في نصوصها ومنها قصة" البرص" والكاتبة تدخل قلب النص بلا ثرثرة ولا مقدمات طللية، فالست أصيلة تطلب من زوجها ضرب البرص وهو لا يستجيب لها.


لقد تعلق الحاج بالبنت" دينا" التي تشبه البرص عندما كانت صغيرة، وهو يهدي لها أقمشة قيمة وكذلك خاتما ذهبيا في الخفاء . تعيد " تيمة " أن لا تسمح للوحل بتلويث الجلباب الأبيض ، وهو ما تكرر في قصة سابقة . المشهد الأخير يكون صادما للحاج عبدالتواب الذي رأى " دينا" بين أحضان شاب في مثل سنها . عندها يخلع المداس ـ فيضرب البرص وصوت زوجته يتردد بأذنيه بقوة: " اضرب يا حاج"
في قلب النص مشاهد للخرافة الشعبية حين ترش الزوجة فراش الزوجية لتحتفظ بزوجها. ولو أن زمن الخرافة قد تقلص لكن لا يزال له أثرا هنا وهناك وخصوصا في المجتمعات الريفية.



تصنع بعض القصص ببراعة وعلى مهل كما في " الرائحة" فشريفة لا تقترب من زوجها لأن له رائحة تنفر منها . تسأل :" هل للخيانة رائحة؟ " . وهذا سؤال نجده في السرديات الكبرى كما عند مسرح شكسبير. الكاتبة تستخدمه وحين تقع في المحظور مع " رفيق" زميلها بالشركة يعود لزوجته التي تنطق :" رائحتك منفرة للغاية!" . الخطاب ببساطة: كما تدين تدان.


براعة الكاتبة هنا في أنها تدير الصراع بهدوء وتحكم قبضتها على مسار الحدث دون أن نفطن لوجود من يحرك مسارات السرد.

في قصة" لم تعد كما كانت" تساوم " صفية" الباعة حين شراء ما تحتاج، تفعل ذلك في محال الخضر والفاكهة والإيشاربات ، وتحتد حينما ترى شحاذة ممسكة بأوراق التحاليل ، وتنشب مشاجرة بينها وبين السائق من أجل " ربع جنيه " فكة. المهم أنها تحكي قصص الساحرات الشريرات لبناتها ، وهي لا تدخر جهدا في الوقوف مع زوجها في أزمته المالية والغريب أنه قد طلقها وتزوج بدلال الأقل جمالا وأسكنها البيت . حدثت تحولات في شخصية صفية إذ لم تعد سهلة وبسيطة بل أصبحت صعبة العريكة ، وتدون الكاتبة في نهاية قصتها أمر قد لا يلتفت إليه الجيران، إذ أنها ما زالت تخشى الظلام والحشرات والكلاب الضالة وحين تعود للبيت تحدق في المرآة لتجد صورة امرأة كانت تشبهها!

وبعد.. هناك محددات عامة حول تجربة دعاء البطراوي:
1ـ انها كاتبة متمرسة ، تكتب عما تعرف ، وتجيد التقاط النغمة المائزة للقص.
2ـ قدرتها على التحليل النفسي للشخصيات، مما يفيدها في إدارة الصراع بكفاءة.
3 ـ تخلت القصص عن الجانب الوعظي للقص ماعدا في جزئية بقصة" الرائحة" ص 49 حين كان رفيق يراجع موقفه.
4ـ أغلب النصوص القصصية تعالج قضايا حقيقية من صلب الواقع، وهذا يحسب لها .
5ـ لقصص دعاء البطراوي إيقاع مميز ، ولها أسلوب في المعالجة يتسم بالرقة.
6ـ اللغة عندها منسابة ، لا تقعر فيها ، ولعل هذا هو الجانب الأهم في تجربتها.
7 ـ عناوين بعض القصص تحتاج إلى تريث كي تكون موحية أكثر.
8 ـ تعتمد القاصة على " المعادل الموضوعي " كما في " البرص" و" حذاء نظيف"، وموفقة تماما في الاستخدام .
9ـ جرأتها على التجريب ، وهو موجود في قصتين :" كمثراة" و" سجن".

وفي الختام..
تشهد دمياط زخما قصصيا واضحا في دائرة القصة القصيرة ، فأسماء مثل دعاء البطراوي ، ومنى القطب ، ورشا عبادة ، وهبة عادل السويسي ، وخبيب صيام ، ودلفيين العدوي وإنجي مطاوع ، ووداد معروف ، وعزت الخضري ، وغيرهم .. يحفرون في دأب بحثا عن طرق جديدة للسرد ، المطلوب هنا الجدية والتقاط الحدث بعناية والرغبة في اختراق القشرة الخارجية الصلدة وصولا إلى " الجوهر".. وأن نقترب من حكمة الحياة ، دون مواعظ أو أية ضغوط أخلاقية أو أنساق تربوية ، مع الرغبة في التجريب ، ومفارقة النمط ، وأحسب أن دعاء البطراوي في سبيلها لتحقيق ذلك إن كتب لها الاستمرار والإخلاص لفن القصة القصيرة.. الصعب والنبيل.






تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة