النداهة
#حكايات بنت القاضي
حيث الظلام الدامس .. أتحسس طريقي وسط الحطام .. محاولة عدم إصدار أي صوت .. ولو إستطعت لكتمت أنفاسي .. أكاد أجن لأنني لا أرى شيئاً .. أريد فقط أن أرى موضع قدمي .. دون فائدة .. فالليلة حالكة الظلام فلا نجوم ولا أقمار .. الساعة الآن الثانية بعد منتصف الليل .. وحدي لا أعلم من جاء بي إلى هنا ..بقلم: المستشارة عبير النجار
إنها “ قرية ياميت “ القرية الإسرائيلية التي دمرها اليهود بأيديهم قبل مغادرتهم لسيناء .. ومن بعيد أسمع اسمي بصوت ساحر هادئ وكأنني لم أسمع اسمي من قبل .. أحاول تمالك نفسي حتى لا أنساق للصوت .. أحاول الاختباء .. قبل أن تقترب مني وتأخذني معها حيث المجهول .. أشعر بثقل في قدمي نعم هذه أنا عند الخوف قدماي أصبحتا مثل الحجر وأثقل .. أحاول الركض ولكن لا مفر .. أشعر بأنفاس من خلفي والصوت هذة المرة خلف أذني مباشرة عبـيـــر .. أحاول الالتفات بفزع كاد أن يذهب بنبض قلبي .. وفي هذه اللحظة أستيقظ صارخة من هول ما رأيت وإذا بأمي تستيقظ وتهرع إلي وتأخذني بين ذراعيها متمتمة بأيات قرانية من أجل تهدئتي متسائلة :
شفتي ايه !!!
لأخبرها وأنا منهارة :
النداهة يا ماما كانت هتمتوتي كانت هتاخدني معاها شكلها وحش خالص يا ماما ..
حاولت أمي تهدئتي وأخبرتني :
يا بنتي مفيش حاجة اسمها نداهة .. مش هتنزلي تحت تاني مع الجيران .. علشان الحكايات الزفت دي اللي بيحكوهالك ..
لم أدافع أو أنبس ببنت شفة .. فأنا أعلم أن هذا الكابوسرالمرعب .. كان بسبب حكايا الأمس .. حاولت تذكر ما حدث ..
****
" النداهة "
فقد كنت بالكاد قد عرفت هذا الاسم من الفيلم الشهير والذي يحمل ذات الاسم .. ولم أتبين المقصد منه وربما هو عقلي غير المكتمل حينها لصغر السن .. كنا نجلس كعادتنا كل ليلة علي الرمال تتوسطنا نيران أشعلناها للتدفئة و بدأت حكايا المساء المثيرة ..
وبدأت أكبرنا سناً بالحديث :
هحكي لكم النهاردة عن النداهة ..
ووجهت حديثها إليّ :
إنتي عارفة إن فيه هنا نداهة وبتنادي الناس ويختفوا بعدها وما بيظهروش تاني ..
فسألتها بحذر :
إزاي ده .. إنتي بتكدبي وعايزة تخوفيني .. و أصابتني رجفه سرت عبر عمودي الفقري و التصقت بشقيقتي الأصغر خوفاً من مجرد الفكرة .. التي نبذها عقلي علي الفور ..
محدثة نفسي :
مفيش حاجة اسمها نداهة .. أيوه هي عايزة تخوفني ..
انتبهت من أفكاري .. وهي تردد للجميع :
قولولها فيه نداهة هنا ولا لا ..
وإذ بالجميع في ذات الوقت :
أيوه النداهة موجودة .. واللي بيشوفها بتبقي نهايته .. و بيختفي من الوجود ..
و ظلوا يذكرون بعضهم بقصص حدثت مع أبناء حي المساعيد ..
قاطعتهم جارتي التي كانت تكبرني بعام :
فاكرين محمد ابن عم سيد ندهته النداهة في يوم قبل الفجر .. وراح قرية ياميت وإختفي هناك ..
مجرد تصور قرية ياميت المهجورة ليلاً أصابني برعب وفزع .. إنه مكان موحش نهاراً ما بالكم ليلاً ..
تذكرت ذلك وأنا علي فراشي بعد الكابوس المفزع .. و إتخذت قراري بأنني باليوم التالي سأعاتبهم عما سببوه لي من فزع .. وبالفعل أخبرتهم بما حدث معي فما كان منهم إلا أن سخروا مني ورموني بالجبن .. فذهبت لوالدة جارتي التي بدأت بحكايا النداهة .. حاولت تهدئتي .. ولكنها زادت الأمر سوءا فقد أكدت لي أن النداهة موجودة وتنادي من يروق لها .. و أن عليّ عند سماعها بقراءة القرآن .. حتي تختفي وإنها من الجان .. لا أعلم كيف وصلت لسريري .. فحقاً من داخلي أصبحت موقنة بوجود النداهة .. وطوال فترة وجودي بسيناء وأنا خائفة من أن تقابلني ذات يوم .. وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك ..
مثلما أتذكر الغيلان كلما ذكرت صحراء سيناء .. ولذلك حكاية أخري من حكايات بنت القاضي ..