رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

السلك الإسرائيلي

بوابة الجمهورية

#حكايات_بنت_القاضي

حقاً لازلت مستغرقة بذكرياتي بسيناء الغالية .. مع أنها بعيدة للغاية .. و بالرغم من صغر سني حينها .. وكوني مجرد طفلة بالمرحلة الإبتدائية .. ولكن الأحداث محفورة في عقلي ولن تفارقني حتي الموت ..

بقلم: المستشارة عبير النجار

" إســرائــيــل "

وفقاً لما علموه لنا أنها العدو .. لم أعرف و لم أفهم لماذا حينها ولكن المهم أنها شئ سيئ للغاية هي الجحيم بعينه ..

في ذلك الوقت كنا نقطن إستراحة النيابة العامة بالمساعيد .. و ذات يوم كنت برفقة ابنة الجيران ..بشقتهم التي تقع أسفل شقتنا مباشرة ..

و كنت أتحدث مع والدتها كالعادة لأخبرها أنني خائفة لأننا قريبون من إسرائيل وأن أهلها أناس سيئون .. ففوجئت بها تمتعض وتبدي إستياءها من حديثي .. وتخبرني مستنكرة :

مين قالك ها الحكي الإسرائيلين هدول أطيب وأحسن ناس وأنا طفلة بمثل عمركن كانوا يجيبولنا الحلوي والهدايا ويلاعبونا .. المصاروة هما اللي مش كويسين ..

واستكملت حديثها :
ما تصدقي إن اليهود وحشين .. هدول عايزين بس يصيرلهم وطن وإننا عايشين من خيرهم وإن كل اللي في بيتنا من إسرائيل .. حتي الشامبو .. كل إشي من إسرائيل ..

لم أستمع لبقية حديثها فقد شرد تفكيري في الأشياء الموجودة بمنزلنا وبالفعل كان كل شئ من إسرائيل حتي الجبن الذي كنت أحبه جبن " البطريق " كان من إسرائيل ..كل إحتياجاتنا الأساسية كانت مكتوب عليها حروف عبرية نعم كنت فقد تعلمت شكل حروفهم وكتابتهم ..

أفقت من شرودي علي كلماتها المحتدة وصوتها الذي ارتفع لتجعلني أنتبه لها فربما لاحظت شرودي :
حتي التلفزيون هل بلدك عملالك قنوات هون ؟؟؟

استكملت شرودي مره أخرى محاولةً إستيعاب حديثها .. فبالفعل لم يكن لدينا قنوات للتلفزيون المصري .. كانت فقط قناة إسرائيل وكنا ننتظر الفيلم العربي يوم الجمعة 6 مساءً والذي كان غالباً فيلم لنادية الجندي .. لم تكن تصلنا بضائع مصرية .. كان فقط الغزو الإسرائيلي لكافة المنتجات بأسواق العريش ..

لا أعلم كيف غادرت منزلها ولكن ما أتذكره جيداً أنني كنت مشوشة التفكير حزينة للغاية من والدي ووالدتي لكذبهم عليّ و إفترائهم علي أناس لم يسيئوا إلينا ..

ورميهم بالباطل .. وخرجت بعدها بعدة أيام بصحبة جارتنا العريشية .. للتنزه فقد كانت شوارع العريش أكثر مدن العالم أماناً ..

في هذا اليوم أخذنا الحديث لما يقارب الساعتين حتي وجدنا أنفسنا أمام فندق أوبروي العريش .. وكان هناك رجل وزوجته كبار في السن مغادرين للفندق .. إقتربا منا أنا وجارتي وفوجئت بالرجل يتحدث معنا بكل ود وطيبة و أردف :

شالوم
ردت عليه جارتي :
شالوم
وبدأ بعدها الرجل يوجه حديثه إلي :
ما شميخا ؟

لم أجبه فلم أفهم ماذا يقول .. ولكن بادرته جارتي بالإجابة وأخبرته باسمي ففهمت أنه كان يسأل عن اسمي .. وسألها نفس السؤال فأجابته باسمها .. وبعدها ابتسموا لنا ورحلوا .. أخبرتني جارتي بأن هؤلاء الودودين إسرائيليون.. كدت أجن إنهم أناس غاية في الطيبة والود لماذا يرمونهم بالسوء أم لأننا نحن السيئون !!!

لم أستطع قول أي شئ لوالدي ووالدتي ولكني كنت غاضبة منهم ومن كذبهم علي ..
وشاء الله أن تأتيني الإجابة أسرع مما كنت أتخيل .. فقد كنت حينها بمدرسة عمرو بن العاص الإبتدائية بالمساعيد و قامت مدرستنا برحله لقرية يميت الإسرائيلية .. والتي دمرها اليهود بأيديهم قبل مغادرتهم لمصر .. و بيت الفلين .. و صخرة فلسطين والتي علمت عند الكبر بأنها تدعى صخرة ديان و ليست كما أخبرونا ..

كان ختام الرحلة السلك الإسرائيلي برفح علي الحدود المصرية الإسرائيلية حينها .. والتي لم يكن بها في ذلك الوقت سوي جنود إسرائليين .. ظللت أتأملهم وكأنهم كائنات فضائية قادمة من مجرة أخري .. حتي أيقظني من تأملاتي ولد بصفنا يدعي س . ع قام بإلقاء حجر علي الجنود الإسرائليين وفي هذه اللحظة كشفوا عن وجههم الدميم وللأسف لم يكن هناك جندي مصري واحد بهذه المنطقة وربما كانت الإتفاقيات تقضي بذلك حينها.. فوجئنا بدخول الجنود من فتحة صغيرة للجانب المصري .. وأمسكوا بالفتي وأشبعوه ضرباً و تدخل مدرس الألعاب الذي كان مشرف الرحلة المرافق لنا ليخلص الفتي من أيديهم فناله ما نال الفتي وأكثر حيث أوسعوه ضربا ولكماً وركلاً.. وبعد ذلك تحدث الجنود مع بعضهم وكأنهم يتفقون علي شئ ما .. وبعدها بدأ أحدهم بالعد بالأرقام العبرية و تم شد أجزاء السلاح الخاص بهم إستعدادا لإطلاق النيران علينا .. أصيب مشرف الرحلة بالفزع حين بدأوا بالعد التنازلي و قال لنا :

هيموتونا إجروا علي الأتوبيس بسرعة ..

أخذت في الركض ولكن كالعادة عند الخوف أصاب بثقل في قدمي لتصبح كالجبال .. ولم تحملني قدماي فوقعت علي وجهي .. و لكنني فوجئت بيد المدرس تنتزعني من الأرض ليلقي بي داخل الحافلة .. وكل ذلك وأنا أرتعد لسماع العد:
إيسير .. تيشاع .. شمونيه .. شيفع .. شيش .. حميش ..

وعند الرقم خمس كنا جميعاً قد أصبحنا داخل الحافلة و أسرع سائقنا لنختفي من أمامهم .. أجهشنا جميعاً بالبكاء مما حدث معنا فما حدث كان أكبر من إستيعابنا كأطفال بالصف الرابع الإبتدائي .. ويكفينا رؤية مدرسنا وهو يضرب .. حتي هو أخذ في البكاء معنا بالرغم من محاولته تهدئتنا وقوله لنا :
ما تخافوش يا ولادي ..

وبالطبع كلماته لم تعن لي شيئا فقد خفت و خفت للغاية ..

هؤلاء من أخبرتني جارتنا الكاذبة عن مدي طيبتهم لقد كادوا يقتلونا كادوا يقتلون أطفالا بالمرحلة الابتدائية يرتدون ملابس مدرستهم .. عن كم الكره الذي أصبح بداخلي منذ هذه اللحظة . .نعم إنهم أعداء ..

" صدق والداي وكذبت جارتنا "

أصبحت كلما رأيت أحدهم أركض من أمامهم وكأنهم الطاعون .. حاولت تعلم لغتهم من صديقاتي حتي أفهم ماذا يقولون بعد ما رأيت منهم.. و حتي بعد أن تركنا سيناء تعلمت قراءة وكتابة الحروف العبرية .. كنوع من الحذر وأنه من الضرورة تعلم لغة العدو حتي نأمن شره..

وربما لرؤيتي المتكررة بأحلامي للسلك الإسرائيلي وحديث الجنود وأنا أكاد أجن لعدم مقدرتي معرفه ماذا يقولون ولصراخي بأحلامي المفزعة فيهم :

إنتوا بتقولوا إيه .. اتكلموا عربي .. دون جدوي ..

كنت أراهم بأحلامي يقومون بقتلنا أنا وزملائي بأسلحتهم .. لأقوم مفزوعة ..
أعلم أنهم وراء ما يحدث في سيناء وأنهم الممولون للإرهاب فيها وفي كافة دول العالم .. كما أعلم أن عددا من الإرهابيين الذين يصابون بسيناء .. يتم علاجهم بمشافي تل ابيب ..

ولكن ما أعلمه أكثر.. أن نصر الله قريب ..





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة